العنوان الصوم تربية وإعداد
الكاتب محمد يوسف الجاهوش
تاريخ النشر السبت 13-سبتمبر-2008
مشاهدات 96
نشر في العدد 1819
نشر في الصفحة 56
السبت 13-سبتمبر-2008
ها هو الوافد الحبيب يطل علينا من جديد، ليت شعري هل علم المسلمون حقيقة هذا الشهر المبارك الكريم؟ إنه شهر الصيام والقيام، وغض البصر وحفظ اللسان، شهر نزول القرآن الذي أنشأ أمة، وبنى جيلًا، وأسس دولة، شهر ليلة القدر التي جعلها الله خيرًا من ألف شهر، شهر الدعاء المستجاب والعمل المقبول.
إنه شهر الجهاد جهاد النفس، وجهاد الأعداء على كل الأصعدة، وفي شتى الميادين، إنه شهر الفرقان، فيه نصر الله نبيه ببدر يوم التقى الجمعان، ففرق بذلك بين الحق والباطل إلى يوم الدين.
شهر حبا الله فيه أمة الإسلام من الإنعام، والإكرام والإفضال، ما لم تنله أمة نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
روى البيهقي عن جابر رضى الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه قال: «أعطيت أمتي في رمضان خمسًا، لم يعطهن نبي قبلي:
أما واحدة: فإنه إذا كان أول ليلة من رمضان ينظر الله عز وجل إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدًا.
وأما الثانية: فإن خلوف أفواههم «رائحتها» حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك.
وأما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة.
وأما الرابعة: فإن الله عز وجل يأمر جنته، فيقول لها: استعدي وتزيني لعبادي، أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا، إلى داري وكرامتي.
وأما الخامسة: فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعًا».
فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ألم تر إلى العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم!
لقد وعى المسلمون الأولون هذه الحقائق، فكان رمضان عندهم غنيمة من الغنائم، يتسابقون لنيل أكبر قدر من ثوابها العظيم.
إن للناس في صيامهم ألوانًا من العادات والتقاليد توارثوها على مر الأجيال، منها: البعيد عن الإسلام بعدًا كاملًا، ومنها: ما يقترب من الإسلام قربًا يجعله؛ ذا صيغة إسلامية، ومنها: ما هو من صميم الإسلام ولبُّه.
فمن الناس: من يرى الصوم أسلوبًا صحيًّا، وعلاجًا وقائيًّا، يبعده عن الأمراض، أو يكسبه مناعة ضدها، فأيام رمضان عنده وصفة طبية. يتناول حباتها الثلاثين في كل يوم حبة، ولا علاقة له بعد ذلك بأخلاق الصيام ولا بآداب الصيام ولا بالحكمة الربانية التي شرع من أجلها الصيام.
ومن الناس من يرى الصوم إمساكًا عن الطعام والشراب، وسائر المفطرات، فإن هو فعل بزعمه، فقد برئت ذمته، وأدى الذي عليه، وفات هذين الصنفين من الناس أن عملهم هذا بعيد كل البعد عن الحكمة التي كان صوم رمضان من أجلها ركنًا من أركان الإسلام.
آداب الصيام
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام جُنة - أي وقاية - فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم إني صائم».
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
روی ابن حبان، وابن خزيمة في صحيحيهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الصيام من الأكل والشرب؛ إنما الصيام من اللغو والرفث».
الصوم نظام حياة
من هذه الأحاديث الشريفة وأمثالها تلاحظ - أيها الأخ المسلم - أن للصوم آدابًا رفيعةً، وأن له حكمة سامية، وأن الصوم نظام حياة متكامل، وليس موسمًا عابرًا.
إنه دعوة إلى كل فضيلة، ورادع عن كل رذيلة، وسياج دون كل معصية، فلا صخب في حياة الصائمين، ولا شتيمة، ولا شجار.
صامت ألسنتهم: فلا كذب ولا بهتان، وصامت أبصارهم: فلا تقع على حرام، وصامت أسماعهم عما سوى الحلال استجابة لتوجيهات قائدهم الكريم عليه أزكى الصلوات وأتم التسليم إنما الصيام من اللغو والرفث، وهكذا ترى الصائمين نماذج ربانية، عافت لذيذ الشراب والطعام، وأقبلت على الصلاة والقيام، وجادت ابتغاء مرضاة الله بالأوقات والأموال.
تسامت أرواحها، وعلت نفوسها، وتعلقت منها القلوب بما عند الله من نعيم لا يزول، لقد رأت هذه الدنيا على حقيقتها، رأتها لقمة طعام فعافتها، وشربة باردة فتركتها، أو شهوة عابرة فتسامت عنها، وخلعتها. ولسان الحال منها يردد: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ (طه: ٨٤).
هذه غاية النفوس المؤمنة، وأمنية القلوب الصادقة أن تفوز برضا الله ليس لها غاية سواها، وهل هناك غاية أسمى وأغلى من رضا الرحمن؟
الصوم جهاد
لذلك نجد أمة الصيام أمة جهاد وتضحيات، أمة تعلمت صناعة الموت في ظلال القرآن، وأتقنت حياة المجاهدين في مدرسة النبوة، كلما ذهب إلى ربه قائد مجاهد تلقف اللواء من بعده مجاهد آخر يفديه بالنفس والولد والمال؛ حتى غدا نشيد المؤمنين على الأجيال: الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.
نعم نحن أمة الصيام، ورثنا البطولات كابرًا عن كابر، وخلفًا عن سلف، فيوم بدر كان يوم الفرقان، فيه اندحر الشرك وأهله أمام عصبة الصائمين، وفي رمضان كان الفتح العظيم - فتح مكة - الذي فتح للإسلام مغاليق القلوب، ومنيعات الحصون، فانطلق الصائمون ينشرون دين الله فوق كل مكان بعد ما أعلن مؤذنهم الأذان من فوق الكعبة بيت الله الحرام. ولا تزال هذه بطولاتنا حتى في العصر الحديث عصر المادة والفساد والانحراف والإلحاد.
فهل لقي اليهود الويلات في ربى فلسطين, وذاقوا من الهوان إلا من الأيدي المتوضئة والنفوس الصائمة عن كل ما حرم الله؟!
سلوهم فهم لا ينكرون، كم ليلة باتوها آمنين من كل الجيوش التي انتهت مسرحية قتالها بتسليم فلسطين، ولم يقلقهم إلا تلك الهجمات المؤمنة من شباب الإسلام التي كانت تدك عليهم مستعمراتهم، وتحرق حصونهم على من فيهما من الرجال، وما فيها من العتاد والأموال، سلوهم فهم لا ينكرون، أليست تلك الهجمات المؤمنة الصامدة هي التي جعلتهم يخططون لنشأة كيانات هزيلة وحكومات عميلة من حولهم، حتى تقضي على الإسلام وشباب الإسلام؟ نعم، هم الذين فعلوا ذلك وصنائعهم هم الذين نفذوا، ولا يزالون ينفذون لهم ما يريدون، لأنهم كلهم يعلمون أنه لا حياة لليهود مع وجود هذه النماذج العفة النظيفة المؤمنة النقية التي تربت في مدرسة الإسلام، وتحلت بأخلاق الأنبياء.
الصوم تكافل
كما يحقق الصوم في نفوس الصائمين معاني الرجولة والتضحية والجهاد، فهو كذلك يربي النفوس على البذل والسخاء، وعلى الجود والكرم والعطاء.
أن الغني الذي يعضه الجوع، ويضنيه الظمأ في شهر رمضان تتبدل مشاعره ويختلف إحساسه، ويدرك أن هناك إخوانًا له يعانون طول العام مثل الذي يعانيه في رمضان، فيسارع إلى مراسلتهم، وتطالعه سيرة الرسول الكريم الجوَّاد السخي الذي كان في رمضان أجود بالخير من الربح المرسلة، عندها تهون في نفسه الأموال، ويلتفت إلى من حوله من المحتاجين يواسيهم ويؤازرهم، ويقدم لهم ما يصلح حالهم، ويسد احتياجاتهم من غير منٍّ ولا أذى، إنما هو واجب الإخوة التي فرضها الإسلام، وحقق معانيها الصيام، وبذلك نجد المجتمع الإسلامي قد حقق التكافل بين أبنائه، وقامت حياتهم على المحبة والمودة والإخاء.
خاتمة
يا شباب الإسلام، إذا صام الناس عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، فاعلموا أن صومكم يجب أن يكون كصوم الأنبياء والصديقين، وإذا رأى الناس في رمضان موسمًا لألوان الطعام والشراب، فلا بد أن يكون رمضان عندكم موسمًا للطاعات والعبادات وزيادة القرب من الله، وإذا ما سهر الناس في رمضان مع وسائل الإعلام غثها وسمينها؛ ليناموا بعدها ما طال من النهار، فإن ليلكم يجب أن يكون قيامًا بين يدي الله تعالى، ضارعين خاشعين متبتلين قانتين، تطلبون من الله نصر دينه وإعزاز شريعته، والأخذ بأيدي إخوانكم الذين يقاومون الظلم والطغيان، ويجب أن يكون نهاركم عملًا دائبًا وسعيًا حثيثًا، لتبلغوا مرضاة ربكم، فما شهر رمضان بشهر كسل، ولا نوم ولا خنوع، إنه شهر الجهاد فيه كانت غزوة بدر، وفيه كان الفتح العظيم فتح مكة، وغير ذلك من الغزوات.
فهنيئًا لكم صومكم، وهنيئًا لكم صلاتكم وقيامكم، وثقوا بأن الله معكم ما دمتم معه، ناصركم ومؤيدكم، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل