; الثعابين.. واختطاف الثورات | مجلة المجتمع

العنوان الثعابين.. واختطاف الثورات

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011

مشاهدات 69

نشر في العدد 1973

نشر في الصفحة 41

السبت 15-أكتوبر-2011

تتغير أوضاع الحياة من حالة إلى أحوال، ومن دهاء إلى مكر، ومن خداع إلى مراوغات، ومن إحن إلى فتن، ومن طعون إلى سموم حتى صارت هذه هي حياتنا، شرور وهموم، وشراك ومحاذير ينبغي للمؤمن أن يحذر فيها، خاصة وقد كثرت الذئاب والثعالب، وتنمرت الأسود والفهود، وعزَّ الصديق والخليل وتكالبت الحوادث والدواهي وتعامى عن الصواب من وليناه علينا، وساعده غروره وصلفه وشهوته للحرام فأضلنا عن السبيل وزرع فينا الأضاليل، وجثم على أشلائنا ولا يريد الرحيل.

وقامت الثورات المباركات واستطاع الشعب أن يزيح الطاغوت، وأن يبدأ الاستفاقة من الظلم والبغي والإرهاب، حتى سارعت الثعابين السامة تحوم حول الحمى والعقارب الخبيثة تبحث عن فرانسها في أوساط شعوب مخلصة سليمة الفطرة، عسى أن تنهش وتفترس هذا الربيع المزهر، وهذا الزرع الناضر الذي أثخنته الجراح وينتظر اليد الحانية والصداقة البريئة، فإذا به يقدم له الخداع والمكر، ولكن والحمد لله أصبح هناك وعي الحيل وأضاليل الطامعين من دهاقين الخبث. 

قالت صحيفة «الجارديان» البريطانية: إن الولايات المتحدة تسعى بكل قوة لجر الثورات العربية بعيدا عن أهدافها وهو الاستقلال عن الغرب، وتحويلها لتكون شبيهة للثورات التي اندلعت في أوروبا الشرقية، وانتهت بفرض السيطرة الأمريكية عليها.. فبعد سقوط حلفائها القدامى في المنطقة تسعى واشنطن بكل قوة للخروج منتصرة من «الربيع العربي» حتى بالتقرب إلى أعدائها القدامى.

ونشرت الصحيفة مقالًا للكاتبة العربية «سمية الغنوشي»، تتحدث فيه أن رغبة أمريكا في إفشال الثورات العربية وجعلها جزءا من ثورات أوروبا الشرقية التي انتهت بهيمنة عليها قوية جدًا.

وتقول بعد انتهاء المرحلة الأولى من الثورات العربية، ودخولها المرحلة الثانية وهي تفكيك هياكل الاستبداد السياسي والشروع في رحلة شاقة نحو التغيير الحقيقي والتحول الديمقراطي، تقول: إن الولايات المتحدة بعد فقدانها حلفاء رئيسيين في المرحلة الأولى عاقدة العزم الآن على أن تؤثر على مسار ونتائج هذه الثورات.

وتضيف الكاتبة أن ما يحدث حاليًا تحد لقوة الولايات المتحدة و «فرصة تاريخية» و «باراك أوباما» قالها في خطابه للشرق الأوسط الأسبوع الماضي، لكن ما قاله لا يعني فرصة للناس الذين ثاروا، بل هو فرصة لواشنطن للتدخل في المنطقة في الحاضر والمستقبل، تماما كما فعلت في الماضي، وعندما يتحدث «أوباما» عن رغبته «في أن يرى العالم كما يجب أن يكون»؛ أنه لا يعني وفقًا لتطلعات شعبها، ولكن وفقًا لمصالح الولايات المتحدة.

وتساءلت الكاتبة كيف سيتم بناء هذا العالم؟ وأجابت: سيكون وفقًا لنموذج أوروبا الشرقية والثورات الملونة، حيث استطاعت القوة الأمريكية الناعمة والدبلوماسية العامة إعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في المنطقة، والهدف هو تحويل الثورات الشعبية عن طريق الهندسة لمجموعة جديدة منصاعة الأوامر واشنطن ونخب مدجنة وصديقة لأمريكا، ومن أجل هذا سوف تسعى لاحتواء القوى الجديدة التي برزت بعد الثورة، والتي كانت مهمشة طويلًا من جانب الولايات المتحدة. 

وبحسب الصحيفة، فإن واشنطن تأمل من وراء هذه البرامج تجريد هذه القوى الصاعدة من معارضتهم للهيمنة الأيديولوجية الولايات المتحدة وتحويلها إلى براجماتية متكاملة تماما مع النظام الدولي القائم الذي تقوده الولايات المتحدة، فالعقيدة ليست مشكلة، ما دام يوافق اللاعبون على العمل ضمن المعايير المرسومة لهم.

الاحتواء والتكامل لن يقتصر على السياسة فحسب، بل الاقتصاد أيضًا، وينبغي اتباعها من خلال الأسواق الحرة والشراكات التجارية باسم الإصلاح الاقتصادي، وخطط «لتحقيق الاستقرار وتحديث» الاقتصادات التونسية والمصرية.

هذا وسيخترع أمامنا أساليب ترغيب وترهيب العاقل فيها من يتخطى الشراك ولا يقع فيها، ومن يجتاز الصعاب ولا يهن عندها أو يضعف أمامها:

تعز فإن الصبر بالحر أجمل *** وليس على ريب الزمان مُعَوَّلُ

فلو كان يغني أن يرى المرء جازعًا *** لحادثة او كان يغلي التذلل

لكان التعزي عند كل مصيبة *** ونائبة بالحر أولى وأجمل

فكيف وكل ليس يعد و حمامه *** وما لامرئ عما قضى الله مَزْحَلُ

فإن تكن الأيام فينا تبدلت *** ببؤسي ونعمى والحوادث تفعل

فما لينت منا قناة صليبة *** ولا ذللتنا للتي ليس تجمل

ولكن رحلناها نفوسا كريمة *** تحمل ما لا يستطاع فتحمل

وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا *** فصحت لنا الأعراض والناس هزل

هذا، وما أظن الثورات العربية ستغفل هذه الأيام وتبتعد عن أهدافها أو تتنازل عن تطلعاتها بسهولة بعد أن قامت قومتها ونفضت الخوف والوهن عنها، وإن كنت أعلم تماما أن الحمل ثقيل، وأن الجهاد طويل يتمثل في: 

  1.  الضغوط الخارجية التي يتربع فوق ساحتها أبالسة ملاعين ومردة شياطين، وأعداء متربصون. 
  2. الأجندات الشخصية التي ما زال يحملها الكثير من سدنة الأهواء وأصحاب المصالح الذين تمرسوا على الأخذ، ولم يتعودوا على العطاء والبذل في سبيل المبادئ أو الصالح العام. 
  3. بعض العمالات الأجنبية التي لها جذور في تربتنا، وقد زرعت من زمن بعيد ودجنت وأعطيت مواقع مهمة في الدولة ما كانت لتستحقها لولا ما لاقته من رعاية وحماية.
  4. المتسلقون والمنافقون الذين مردوا على النفاق وأتقنوه وخدعوا به الكثير، وما زال هناك سماعون لهم ومصغون إليهم وخصوصًا إذا وجدوا الفرصة.
  5. لجوء السلطات الجديدة إلى الأساليب البائدة للقمع، مثل قانون الطوارئ الذي يعطل القانون ويحكم بغيره، وفي ظله ترتكب كل التجاوزات.
  6. بذر المال الحرام لإفساد الشباب والحركات الفاعلة وشراء الذمم وتجييش البلطجية للتزوير والإفساد.

كل هذا وغيره يحتاج إلى يقظة وعقل وتدبير ووحدة وتلاحم ومعرفة بالدروب وتوكل على الله.. والله لا يضيع أجر المحسنين.

الرابط المختصر :