; أثارت زوبعة وأدخلت البلاد في مأزق يكاد يكون أكبر من الاحتلال- الانتخابات العراقية.. والأزمة السياسية الحرجة! | مجلة المجتمع

العنوان أثارت زوبعة وأدخلت البلاد في مأزق يكاد يكون أكبر من الاحتلال- الانتخابات العراقية.. والأزمة السياسية الحرجة!

الكاتب محمد صادق أمين

تاريخ النشر السبت 31-ديسمبر-2005

مشاهدات 60

نشر في العدد 1683

نشر في الصفحة 16

السبت 31-ديسمبر-2005

الأمريكيون راغبون في أن يصل الائتلاف الشيعي إلى حل وسط يحقق بعض مطالب السنة دون تمكينهم من الإمساك بزمام الأمور في الحقبة المقبلة

مختلف القوى السياسية طعنت في النتائج واتهمت الائتلاف العراقي الموحد بالتزوير.. وذهب البعض إلى التشكيك في نزاهة الانتخابات

انتخابات لم يشهد الغرب نفسه مثيلًا لها من حيث نسبة الإقبال التي بلغت حوالي ۱۱ مليون ناخب يشكلون ۷۰% من مجموع الناخبين العراقيين البالغ عددهم ١٥ مليونًا.. هذا وصف جريدة واشنطن بوست في عددها الصادر يوم ١٦ ديسمبر الجاري للانتخابات العراقية!

هذا الحماس والإقبال على التصويت يرجعان إلى رغبة جامحة لدى الشعب العراقي للتغيير خصوصًا من قبل السنة العرب الذين شاركوا بقوة وكثافة بعد أن كانوا قد قاطعوا بشكل جماعي جميع استحقاقات العملية السياسية.. مع توقعات بتغيير جذري ومهم في المعادلة السياسية العراقية بعد دخول السنة على خط العمل السياسي، فالشعب العراقي بكل أطيافه كان يأمل أن تعود الانتخابات على الحياة في العراق بنوع من التوازن ومزيد من الأمن والتوافق والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي إلا أن ما حصل كان مخالفًا لكل التوقعات ولكل الآمال المعقودة على هذه الانتخابات، حيث أعلنت المفوضية العليا للانتخابات بشكل مفاجئ –وخلافًا لما كان متوقعًا- نتائج جزئية أظهرت تقدم الائتلاف الشيعي الحاكم بشكل كاسح مقابل تراجع القوائم الأخرى دون ما كان متوقعًا لها وخصوصًا جبهة التوافق العراقية. 

كتل برلمانية: وتؤكد مصادر مطلعة أن اجتماعًا عقد قبل إعلان النتائج ضم ممثلين عن الحزب الإسلامي العراقي والائتلاف العراقي الموحد لترتيب كتلة برلمانية تقبل بشروط السنة. التي بنيت على أساس أن جبهة التوافق ستحصل على مقاعد تفوق مقاعد التحالف الكردستاني. 

وكانت جبهة التوافق العراقية المكونة من الحزب الإسلامي ومجلس الحوار الوطني ومؤتمر أهل العراق تطمح في الحصول على ۲۳ مقعدًا في بغداد لكنها فوجئت بعدم الحصول على أكثر من ١٣ مقعدًا، حسب النتائج الأولية المعلنة من قبل المفوضية المبنية على أساس فرز ٨٩٪ من الأصوات. 

وهذه النتائج –التي أظهرت فوز الائتلاف الشيعي بنسبة ٥٨% من الأصوات في بغداد فقط وتقدم كاسح في الجنوب- أثارت زوبعة سياسية وأدخلت العراق في مأزق يكاد يكون أكبر من مأزق الاحتلال نفسه، حيث طعنت مختلف القوى السياسية في هذه النتائج متهمة الائتلاف بالتزوير وذهب البعض إلى التشكيك في نزاهة المفوضية العليا للانتخابات حيث شككت جبهة التوافق بالنتائج وطعنت بصحتها، وأنذرت بانعكاسات خطيرة على الوضع الأمني والاقتصادي، كما هددت بعدم السماح بتشكيل مجلس النواب والحكومة والمطالبة بإعادة الانتخابات في بغداد. 

وقد أكد الدكتور عدنان الدليمي رئيس الجبهة أن ما فعلوه «لعب بالنار» وقال: لن نقف مكتوفي الأيدي.

وتؤكد الاعتراضات أن النتائج في صناديق الاقتراع تخالف الحقائق على الأرض، بالإشارة إلى وجود عدد كبير من السكان السنة في بغداد الذين يمكنهم تأهيل ٢٣ نائبًا، وفي هذا الصدد أكد الدكتور طارق الهاشمي أمين عام الحزب الإسلامي العراقي أن النتائج التي تم إعلانها عن محافظة بغداد فيها نسبة زيادة في عدد الأصوات تبلغ نحو نصف مليون صوت... وأضاف أن الحقائق على الأرض تكذب هذه النتائج المعلنة وأن أكبر تكتل سكاني للشيعة في العاصمة بغداد في مدينة الصدر ومنطقة الحسينية مشيرًا إلى أن عدد سكان مدينة الصدر لم يتجاوز المليون نسمة مع سقوط النظام ومن يحق لهم التصويت لا يتجاوز ٥٥% أي ٥٠٠ ألف شخص. أما منطقة الحسينية فعدد سكانها لا يتجاوز الـ ٤٠٠ ألف شخص.

وتابع: «إذا صوت ۱۰۰% من هؤلاء للائتلاف الذي حصل على مليون و٤٠٣٩٠١» صوتًا فإن هناك فرقًا يقدر بحوالي نصف مليون صوت الصالح الائتلاف، فيما لدى التوافق نقص بنسبة ٥٠ ألف صوت.

ولمح الهاشمي إلى عملية ضبط شاحنة محملة بأوراق الاقتراع قبل يومين من إجراء الانتخابات، وقال إن ما حصل كان فضيحة خصوصًا ما يتعلق بالشاحنات القادمة من إيران كان دليلًا يكفي لإعادة الانتخابات في بغداد والمحافظات التي تأثرت...

من جانبها أعلنت القائمة العراقية الوطنية التي يتزعمها الدكتور إياد علاوي تحفظها على النتائج، وقال حميد مجيد موسى في إعلان النتائج وعدم الدقة والذين أضروا -بذلك– العملية السياسية، بينما كنا نسعى فيه لبناء دولة القانون ودولة المؤسسات. 

وأوضح أن هذه الخطوة يجب أن تكون موضع إدانة الشعب العراقي والمؤسسات والقادة السياسيين لأنها تخرق الأصول والقانون وذهبت القائمة العراقية إلى الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي وأحد الأعضاء المتحالفين مع القائمة في مؤتمر صحافي: تعلن تحفظنا على نتائج المفوضية ونطالب بالتحقيق فيمن كانوا وراء هذا التسرع توجيه اتهامات مباشرة للمفوضية بتعاطفها مع الائتلاف.

أما مهدي الحافظ وزير التخطيط السابق فقد ذكر خلال مؤتمر صحافي لمرشحي القائمة أنه حدثت العديد من الانتهاكات في محافظات عديدة مما سبب قلقًا واسعًا انتشر بين المواطنين، موضحًا أن هناك تحقيقًا جديًا من جانب السلطات المسؤولة. وأضاف أن النتائج التي أعلنت غير دقيقة وتستهدف التأثير على الرأي السياسي في العراق.

حل وسط

وفي غمرة هذا الاحتقان الشديد الذي تجسد في المسيرة المليونية التي دعت إليها جبهة التوافق والتي خرج فيها مئات آلاف العراقيين من أنصار الجبهة إلى شوارع بغداد منددين بالنتائج، داعين إلى حل المفوضية العليا للانتخابات وإعادة الانتخابات بإشراف حكومة إنقاذ بدأت دبلوماسية أزمات بحركة مكوكية بين الفرقاء المحاولة تهدئة الوضع الذي ينذر بالانفجار، فقد أكدت مصادر مطلعة أن كلًا من الدكتور حاجم الحسني رئيس الجمعية الوطنية والدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء، والدكتور موفق الربيعي مستشار الأمن القومي قد بدأوا بإجراء لقاءات غير معلنة بين الأطراف المختلفة بهدف الوصول إلى حل وسط يخرج بالعراق من براثن الأزمة التي لم يعلن إلى هذه الساعة «والمجتمع ماثلة للطبع عن أي نتائج» إلا أن المصادر تؤكد أن دبلوماسية الغرف المغلقة مازالت تصل الليل بالنهار بهدف التوصل إلى حل.

الموقف الدولي

ومن المعلوم أن الانتخابات العراقية والوضع السياسي العراقي محط أنظار العالم بأجمعه وخصوصًا الشرق الأوسط والمنطقة العربية. ومن اللافت أن هذه الانتخابات والأحداث الجارية في العراق غطت على جميع الأحداث العالمية، وذلك لأن: 

  • المشروع الأمريكي في العراق يهدف إلى تقديم العراق كنموذج تغيير في الوسط العربي الشرق أوسطي، ومطلوب من الدول العربية أن تحتذيه بعد نجاحه طواعية، وإكراهًا إن لزم الأمر، لذا فإن نجاح المشروع السياسي أو فشله سيؤثر على مستقبل المنطقة برمتها.

  • الشعوب العربية تقف مترقبة وقد تكون مذهولة وهي تشاهد الشعب العراقي يقرر مصيره عبر آليات اختيارية حرمت منها أجيال متعاقبة، وهذه الأجيال لم تلحظ مثل هذه العملية إلا في النصف الآخر من العالم المتقدم فهل يفلح المشروع العراقي في تقديم نموذج تحتذيه الشعوب العربية؟

ومن هنا نجد الموقف الأمريكي يتسم بالحذر والترقب فمن جهة لا تحبذ الولايات المتحدة مقاطعة ألسنة العرب للعملية السياسية، ولا تجد من صالحها تمكنهم من قيادة البلد بشكل فاعل بسبب الإجماع الحاصل في الوسط السني على ضرورة جلاء الاحتلال وإفشال المشروع الأمريكي، وحين سئل السفير الأمريكي في بغداد: هل تحبذ الولايات المتحدة التعامل مع حكومة تمثل طائفة ذات أغلبية برلمانية؟ أجاب بعد أن رفض التعليق على نتائج الانتخابات الأولية قائلًا: إن الوقت مبكر على ذلك وإن حكومته تستطيع أن تتعاون مع حكومة متعددة الانتماءات العرقية والمذهبية في إشارة تدل على أن الأمريكان راغبون في أن يصل الائتلاف الشيعي إلى حل وسط يحقق بعض مطالب السنة دون تمكينهم من الإمساك بزمام الأمور في الحقبة المقبلة.

فهل ستفلح الجهود الحثيثة التي يقوم بها الوسطاء للخروج بالعراق من المأزق السياسي من خلال الوصول إلى حل وسط؟ أم أن الأزمة ستأخذ أبعادًا أخرى.

الرابط المختصر :