; ما المفاجآت التي يتحدث عنها السياسيون؟ | مجلة المجتمع

العنوان ما المفاجآت التي يتحدث عنها السياسيون؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-سبتمبر-1988

مشاهدات 74

نشر في العدد 883

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 20-سبتمبر-1988

في الساحة العربية:

  • ريغن... إنجاز مقررات قبل نهاية الخدمة. 
  • صدام حسين الأكثر عرضة للانتقادات الأمريكية. 
  • غورباتشيف المشغول بالإصلاحات الداخلية. 
  • لبنان - هل يكون بداية بلقنة المنطقة؟ 

حالات الصراع وحالات الوفاق بين الدول الكبرى.. والنتائج التي تنعكس عنها على الخارطة الدولية ليست بالأمر الغامض على من له دراية بالتاريخ السياسي الحديث، بدءًا بمعاهدة «سايكس بيكو» التي قسمت العالم العربي بين القوى الكبرى المتنفذة آنذاك، وبمعاهدة سان ريمو التي أضافت امتيازات أخرى على نفوذ الاستعمار «الفرنسي-الإنجليزي» للمنطقة العربية، ثم مرورًا بحالة الوفاق الدولي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حيث دخلت في مباراة الدول الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية وهي تطرح شعارات براقة الحقوق الإنسان في العالم!!

قمة موسكو وأحداث الساعة:

لعل المتتبع لأحداث الساعة التي أعقبت قمة موسكو في صيفنا المنصرم بين «ريغان وغورباتشيف» يرى ملامح الوفاق بين الدولتين شبيهة بملامح الوفاق بين الكبار في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث انتهى تأزيم الحرب العظمى إلى إطفاء الحرائق المشتعلة في أنحاء العالم.... ولو لبرهة... حيث بدّل المستعمر ثيابه العسكرية لخوض معارك النفوذ السياسي بدلًا من الاحتلال العسكري!! 

وإذا كانت انسحابات الجحافل العسكرية الجراراة من المستعمرات والمحميات هي النتيجة للانفراج في تلك المرحلة... فإن هنالك عدة مستجدات أفرزتها حالة الوفاق بين المعسكرين «الغربي والشرقي» التي تمخض عنها اجتماع موسكو المشار إليه.. ومن أبرز المستجدات التي برزت في منطقتنا:

1 - الانسحاب الروسي من أفغانستان... والذي تعتقد أنه كان أولًا بتأثير فاعلية الجهاد الأفغاني.. لكنه إلى جانب ذلك كان الانسحاب واحدًا من أوراق المساومة الروسية مع الأمريكان. 

2 - توقف حرب الخليج بين العراق وإيران على الرغم من مرحلة طويلة من الإصرار والتحدي الإيراني باستمرار الحرب.

3 - التطورات السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي وصلت إلى مرحلة إعلان حكومة المنفى مع إعلان منظمة التحرير بقبول كافة قرارات الأمم المتحدة الخاصة بتقسيم فلسطين. 

4 - تسخين القضية اللبنانية من جديد، والبحث عن مخرج استعماري جديد لها.

تكهنات فرنسية:

في إطار أزمات المنطقة العربية ومنها الأزمة اللبنانية، أبلغ مسؤولون فرنسيون جهات عربية رفيعة المستوى أن تفكيك لبنان أمر لم يعد مستبعدًا، وسيكون -على حد تعبير المسؤولين الفرنسيين- في سياق الجهود الخاصة بتسوية أزمة الشرق الأوسط.

ويضيف المسؤولون الفرنسيون قولهم: 

«لن يكون ذلك معزولًا عن ترتيبات تهز التكوين السياسي والجغرافي لبلدان عربية أخرى.

ويشير المتحدثون الفرنسيون إلى مخاوف فرنسية في أن يؤدي الوفاق الأمريكي - الروسي إلى حدوث تعديلات في خريطة المنطقة، وهو الأمر الذي لا يبدو على مستوى عال من الصعوبة بسبب هشاشة الوضع العربي الراهن».

من هذا نستنتج: 

1- أن هناك احتمالًا كبيرًا لحدوث تعديلات ما في الخارطة السياسية في المنطقة العربية.

2- أن تلك التعديلات ستمر من خلال معالجات الأزمات القائمة في المنطقة- مجتمعة.

مفاجآت:

على أن هنالك بعض التصريحات الغامضة أدلى بها بعض المسؤولين العرب - بحسب ما نشرناه في عددنا رقم «880» حيث «قال نائب رئيس دولة عربية: إن الأيام القادمة ستحمل مفاجآت لم يجربها خيال سياسي حتى الآن على صعيد مرحلة ما بعد حرب الخليج».

ويلاحظ الغموض الذي يكتنف هذا التصريح، إلا أنه يربط التغييرات بمرحلة ما بعد حرب الخليج، ولعله يستهدف من ذلك مقاصد عدة منها:

  • أن مرحلة المفاوضات قد تتضمن مساومات إيرانية أو دولية وذلك من أجل تغيير بعض الرموز السياسية التي ارتبطت بالقضية منذ بداية الحرب، وهذا يعني -إن نفذت تلك المساومات- أن الطرف العربي في القضية سيواجه احتمالات مستقبلية قد تحمل مفاجأة على صعيد المراوغة التي تقتضي تغييرًا ما في الرموز السياسية، وبعبارة أخرى فإن حالة الوفاق في الخليج قد لا تتم إلا بتنفيذ بعض مطالب الطرفين المتنازعين، والتنازل عن بعض المطالب الأخرى، ومعروف أن للإيرانيين إصرار مطلبي شخصي، ومن الملاحظ أيضًا هذه الحملة الأمريكية السياسية والإعلامية التي تستهدف المنهج السياسي والعسكري للرئيس العراقي صدام حسين.
  • أن ارتباط بعض الأنظمة بمثلث المشكلات «فلسطين - لبنان - حرب الخليج» يعني انتهاء ذلك الدور مع وضع حلول ما لهذه القضايا الساخنة، وبداية مرحلة الحلول قد تقتضي في ذهنية القوى الكبرى ضرورة وجود وجوه جديدة تمثل الدور الجديد. 

وهكذا اتفقت المصادر الفرنسية المشار إليها أعلاه مع نائب الرئيس العربي على أن التغييرات المنتظرة ستهز كيانات عدة ليست بمعزل عن القضايا الساخنة كقضية الشرق الأوسط، وهذا يقود إلى الوقوف أمام تصريح لمسؤول شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الألمانية الذي نقلت عنه القبس الكويتية يوم 15/9/88 قوله: «الشرق الأوسط مهدد بالبلقنة» وقوله إن المنطقة تعيش «ثلاثة براميل متفجرة» ويصف هذا المسؤول الألماني المنطقة العربية بقوله: 

«المنطقة والوضع السياسي فيها يشبه تمامًا الوضع السياسي الذي كانت تمر به منطقة البلقان قبل انفجار الحرب العالمية الأولى».

الموقف الدولي:

يعتقد بعض المراقبين أن التبدلات لا تتم إلا من خلال صفقات سياسية دولية تشترك في رسمها الدول الكبرى المتمثلة بـ«الولايات المتحدة - المجموعة الأوروبية - الاتحاد السوفياتي» ويبدو أن الاتحاد السوفياتي الذي يبدو مشغولًا بالإصلاحات الداخلية بعد أن أنهكت قواه الحرب الجهادية الأفغانية لن يكون ذا فاعلية في أي تغيير يتعلق بالمحاور السياسية القائمة هذا الاعتقاد في الوطن العربي، ويرجح ما ذكره مسؤول شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الألمانية من أن «موسكو ليست في وضع تستطيع فيه أن تفرض شيئًا... وفي الاتحاد السوفياتي ما يزيد على 60 مليون مسلم... وغورباتشيف يهتم حاليًا بالبناء الداخلي... ويصرف كل اهتماماته لتثبيت وضعه السياسي في الحزب والدولة».

ويبدو أن رصيد التغيرات المحتملة هو بيد الولايات المتحدة بالدرجة الأولى يلي ذلك المجموعة الأوروبية، وإذا كان موقف الولايات المتحدة بات واضحًا في معالمه فإن الموقف الأوروبي يميل إلى إنهاء التوترات القائمة على حد تعبير المسؤول الألماني الغربي الذي قال: «نحن في أوروبا عامة، نعتقد أن لا مصلحة لنا في استمرار التوتر» ترى... هل يعكس هذا الرأي الألماني الموقف الأمريكي أيضًا؟ وهل لذلك علاقة بنصيحة معهد السلام السويدي الموجهة لتجار الأسلحة الدوليين حيث طلب منهم -بعد أن هدأت شهية الكبار- أن يبحثوا عن البديل الاقتصادي الذي يحميهم من الإفلاس بعد أن توالت مبادرات السلام في مناطق الاضطراب في العالم؟

معالم التغيير:

على أن لوكيل وزارة الدفاع الأمريكي تصريحًا يقول فيه: «إن هناك تغييرًا هائلًا يحدث في العالم الآن»، وقد علل السياسي الأمريكي قوله بالإشارة إلى أن مناخ المواجهة في العالم آخذ في التغير..

على أن السؤال الذي يبقى مطروحًا هو:

- ما هي معالم التغيير على الخارطة السياسية أو الجغرافية؟

إن الإجابة على هذا السؤال تحديدًا شديدة الصعوبة... وإن كان التغيير من حيث المبدأ سيتم وفق ما أوردنا من أمثلة وشواهد وتصريحات وإيحاءات المسؤولين عرب ودوليين، إلا أننا باستنباط ما تضمنته تلك الأمثلة والتصريحات نستطيع أن نحدد المواقع الجغرافية التي يمكن أن تتعرض لتمحور سياسي جديد في أماكن بؤر التوتر، وهي:

1 - القضية اللبنانية والجهات العربية ذات العلاقة الوثيقة بهذه القضية. 

2 - القضية الفلسطينية وما يرتبط بها من أحزاب أو نظم سياسية. 

3 - حرب الخليج وطرفاها اللذان تتعثر بهما المفاوضات لشروط ومطالب قد يكون بعضها غير معلن!

وإذا كان المحور العربي الأشد قربًا من الاتحاد السوفياتي سيعيش في مراحله القادمة مع صديقه المنشغل بقضاياه الداخلية بعيدًا عن التأثير السياسي للروس فإن المتغيرات قد تطال ما كان يعتبر من الثوابت في هذا المحور، ومن الملاحظ أن بعض أصدقاء الاتحاد السوفياتي يستعدون لخلع البزة العسكرية «الماريشالية» بعد أن نسف غورباتشيف منهج لينين وسياسة ستالين في الاتحاد السوفياتي وطرح برنامجًا جديدًا كل الجدة على المجتمع الشيوعي من أجل إصلاحه!! وعلى أساس العلاقة بين بعض العرب والاتحاد السوفياتي فهناك من يرجح أن الموجة الجديدة المرتقبة ستمر على الرموز العربية اليسارية أو التي كانت تمارس سياساتها الداخلية وفق الأشكال اليسارية للنظم، وهنا يتولد سؤال آخر:

- هل انتهى دور العسكر على الخارطة العربية؟

- وهل ستشهد بعض الدول تغييرات سريعة بحيث يمنح شعبها هامشًا من الحرية البرلمانية؟ 

- ربما يحصل ذلك، وإذا كان هذا الهامش ملهاة جديدة لبعض شعوب المنطقة فهل يمكن أن تمرر مخططات البلقنة من تحت المستجدات المتوقعة؟

وكما قلنا فإنه ليس بإمكان أحد أن يجزم بالتأكيد على أية إجابة إلا أن مسار السياسية قبيل انتهاء «فترة الحكم للحزب الجمهوري الأمريكي» بدأ بالتحرك باتجاه انفراجات سياسية محدودة، ومن هنا يحلو للبعض الادعاء بأن التغيرات ستطال هذه المجموعة من النظم أو تلك.

  • مواطن البلقنة:

لقد حاول الاستعمار منذ عام 1920م أن يضع خرائط جغرافية خاصة ببعض الدول العربية التي كانت القوى السياسية فيها أكثر نشاطًا من غيرها، وعلى سبيل المثال فإنه منذ ذلك التاريخ قسّم سوريا إلى خمس دول... وهذا العمل لم يكن بالأمر الذي تفردت فيه فرنسا آنذاك، فقد كانت عوامل الوفاق بينها وبين حلفائها وعلى رأسها بريطانيا هي التي تحدد خرائط بلقنة المنطقة... والشيء نفسه يعكس نفسه اليوم بشكل عملي وإداري على الخارطة اللبنانية التي تتحكم ميليشيات الاتجاهات السياسية بإدارة مناطقها.. واللبنانيون يعرفون تمامًا أن كل منطقة تحكم ذاتيًّا من القيادة الموجودة فيها... فالنصارى مستقلون في مناطقهم وكذلك الدروز وأمل وعملاء إسرائيل من القوات اللبنانية في الجنوب... بينما الشمال تحكمه سوريا.

إن لبنان نموذج صارخ على بداية بلقنة المنطقة.. ولا يحتاج الأمر في هذه الدولة الصغيرة إلا الإعلان، ولعل مشكلة انتخاب رئيس الجمهورية كشفت التناقضات الموجودة بين الاتجاهات السياسية ثم الدول ذات العلاقة بالشؤون اللبنانية كفرنسا وأمريكا وسوريا.

على أن المراقب للأحداث خلال السنوات الماضية الثمانية الساخنة يلاحظ أن قضية البلقنة لن تقف عند الإجهاز على لبنان، فقد تحيي الولايات المتحدة وحلفاؤها وعملاؤها مشاريع تقسيمية متعددة... منها كما هو واضح الآن تقسيم فلسطين بناء على قرارات الأمم المتحدة لعام 1948م.. ويرى مراقبون إسلاميون أن مشروع البلقنة لعام 1920م في المنطقة العربية للنفوذ الفرنسي المشار إليها أعلاه قد تكون هي هدف الضربة الاستعمارية القادمة.

من ناحية أخرى... يلفت المراقبون الإسلاميون الأنظار إلى سؤال: لماذا بدأت أمريكا تتكلم باسم الأقليات العرقية كالأكراد في العراق وإيران... والتركمان في الحدود الجنوبية المتاخمة لتركيا على خط جغرافي يشمل ثلاث دول جنوب تركيا!!

إننا لا نملك إجابة محددة نجزم بها على شأن مستقبلي... لكن من المؤكد أن الولايات المتحدة تكاد اليوم تنفرد بجميع الأوراق المتعلقة بالسياق السياسي المطروح! على أننا نعتقد أن أي تغيير قد يطرأ لن يؤثر على خارطة دول مجلس التعاون الخليجي الموصوفة بالاستقرار السياسي بينما يميل معظم المراقبين إلى أن الضفة الشرقية للخليج هي الأكثر عرضة للتغيير لسبب أساسي وهو صراع الأجهزة الإيرانية المختلفة على وراثة الخميني المسن... وإلى أن يأتي ذلك الحدث فإن العواصم الغربية تؤكد بأن المرحلة القادمة ستأتي بمجموعات أكثر تفهمًا لخطوط السياسة الدولية ومعرفة كيف تستقبل الضيوف القادمين من البيت الأبيض الأمريكي.

الرابط المختصر :