العنوان الوجود العسكري الفرنسي في أفريقيا.. حجمه ودوافعه
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1978
مشاهدات 105
نشر في العدد 399
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 13-يونيو-1978
إلى متى تستمر الحرائق الموضعية في القارة السوداء؟
مع دخول القوات الفرنسية والبلجيكية مدينة كولويزي – لإنقاذ الرهائن الأوروبيين من أيدي ثوار شابا، أخذت –المسألة الأفريقية بُعدًا سياسيًا جديدًا، رفعها إلى مصاف القضايا العالمية ذات الأهمية البالغة. وقد أثار التدخل العسكري الفرنسي الكثير من الجدل حول حقيقة الدور الذي تلعبه فرنسا في أفريقيا، ذات الثلاثين مليون كيلو متر مربع. ولأول مرة ناولت الأوساط –وبصورة واسعة- حجم الوجود العسكري الفرنسي في القارة السوداء.
القوات الفرنسية:
وليس التدخل العسكري الأخير في إقليم شابا –وهو الثاني- هو المرة الأولى التي تبعث فيها فرنسا قواتها العسكرية إلى أفريقيا.. ففي ديسمبر عام 1962 اشتركت القوات الفرنسية المتمركزة في داكار، في السنغال، في القضاء على المحاولة الانقلابية التي قام بها نائب الرئيس السنغالي ماما دوديا ضد السلطة.
وفي فبراير عام 1964 أطلقت القوات الفرنسية سراح الرئيس الغابوني، ليون مبا، الذي اعتقله متمردون، وأعادته إلى السلطة. وتساهم القوات الفرنسية في التصدي للثوار المسلمين في تشاد منذ عام 1968، وفي العام الماضي توجه الجنود إلى زائير، للمرة الأولى للقضاء على محاولة جنود درك كاتنفا الاستيلاء على الإقليم. وما زالت القوات الفرنسية تضرب قواعد ثوار الصحراء -البوليساريو-، بحجة الدفاع عن الرعايا الفرنسيين في موريتانيا.
لقد بدأ الرئيس الفرنسي ديستان باستعراض مقدرته على التحرك العسكري في أفريقيا بعد فترة وجيزة من انتخابه رئيسًا للجمهورية عام 1974، وقد أعد الرئيس الفرنسي بالتعاون مع رئيس أركانه جيشًا من القوات الخاصة، السريعة الحركة قوامه 20.000 جندي، وبإمكانه الآن أن يحرك هؤلاء بسرعة.
ويبلغ عدد القوات الفرنسية العاملة في أفريقيا الآن –كما تقول مجلة نيوزويك- في عددها الصادر في 5 حزيران 10.000، مما يجعل فرنسا الدولة الثانية من حيث القوات العسكرية الأجنبية المتواجدة في القارة، مقابل 40.000 عسكري كوبي فيها، وهم موزعون كما يلي:
تشاد، وهي مستعمرة فرنسية استقلت عام 1960، ويوجد فيها حاليًا 1400 جندي فرنسي يقاتلون ثوار جبهة فرولينا، وقد صرح الرئيس الفرنسي في 29-4 أن قواته، هنا، مخصصة -لضمان أمن أولئك الذين يعيشون ويتعاونون معنا في هذا البلد-.
ويعتقد ديستان أن انتصار الثوار المسلمين في تشاد سوف يهدد النيجر وهي مصدر مهم لليورانيوم.
الصحراء الغربية، يوجد عدد من الجنود الفرنسيين في موريتانيا، يقدرون بمائة رجل، تقول المصادر الفرنسية إن مهمتهم الدفاع عن 200 فرنسي ما زالوا موجودين في مدينة زويرات، التي تعرضت لهجمات ثوار الصحراء، وتعتقد فرنسا أن قيام حكومة مستقلة في الصحراء –وهو ما تعتبره نصرًا للجزائر- من شأنه أن يهدد السنغال، الواقعة إلى الجنوب من موريتانيا، والتي تعتبر من أقدم -أصدقاء- فرنسا في القارة، ويوجد في السنغال 1200 جندي فرنسي يشنون هجمات جوية ضد البوليساريو.
جيبوتي، وهي مستعمرة فرنسية صغيرة استقلت عام 1977، تقع على مدخل البحر الأحمر، محتلة بذلك موقعًا استراتيجيًا بالنسبة للقرن الأفريقي، وخطوط التجارة النفطية إلى الغرب، وبذا تكون جيبوتي ذات أهمية خاصة، مما دفع فرنسا إلى الإبقاء على 4500 جندي فيها.
هذا إضافة إلى الجنود الفرنسيين الموجودين في زائير، والبالغ عددهم 1500، وهناك 4000 رجل متواجدون في جزيرتي مايوت ورينيون الواقعتين في المحيط الهندي، ويوجد 550 عسكريًا فرنسيا في ساحل العاج ومثلهم في الغابون، ولم نذكر الـ 1200 عسكري فرنسي العاملين في لبنان بطبيعة الحال.
دوافع التدخل الفرنسي:
ترى ما هي الدوافع التي كانت وراء اتخاذ القرارات القاضية بالتدخل العسكري من قبل الرئيس الفرنسي، حتى من دون الرجوع إلى مستشاريه أو أخذ موافقة البرلمان الفرنسي نفسه؟
يبدو أن الدافع الأول هو حرص ديستان على المحافظة على موارد فرنسا من المواد الخام من مستعمراتها الأفريقية السابقة، وبخاصة النحاس من زائير، والحديد من موريتانيا، واليورانيوم من تشاد.
ويريد الرئيس الفرنسي، أيضًا أن يثبت قوة مركزه السياسي من خلال –استعراضات القوة الخارجية وقد أظهرت بعض الاستفتاءات أن شعبية ديستان سجلت ارتفاعًا بعد قيام الطائرات الفرنسية بنقل القوات المغربية إلى زائير في أذار 1977.
ويعتقد ديستان أن سياسته تسد الفراغ الكبير في أفريقيا الذي سببه وقوف أمريكا موقف المتفرج من أحداثها.. وقد صرح وزير الخارجية الفرنسية أن الاتحاد السوفيتي استغل ضعف الوجود الأمريكي العالمي، وادعى أن ما تقوم به فرنسا إنما يهدف إلى مساعدة الأفريقيين للسيطرة على مشاكلهم..
ويرفض مخططو السياسة الفرنسية النظرية الشائعة الآن والقائلة بأن الروس والكوبيين يتعمدون الإبقاء على حالة الفوضى في القارة، مما يعرقل التنمية الاقتصادية التي يعتبرها المسؤولون الفرنسيون –أكبر ما تحتاجه أفريقيا-. ويضيف هؤلاء أن التنمية لا تحقق إلا عبر السلام، -وما نقوم به هو حفظ السلام-.
وعلى هذا الأساس أنشأت فرنسا علاقات تعاون عسكري مع 22 دولة أفريقية، وارتبطت بأربع منها بمعاهدات دفاع مشترك، وهي جيبوتي والسنغال، وغابون، وساحل العاج.
الأمن الأفريقي الجماعي:
وفي هذه الأثناء، عقد مؤتمر القمة الأفريقي –الفرنسي الخامس في 23-5، والذي حضرته عشرون دولة أفريقية ناطقة بالفرنسية، إضافة إلى فرنسا، وفي مسعى واضح للحصول على غطاء أفريقي للتدخل العسكري الفرنسي، اقترح ديستان إنشاء قوة أمن إفريقية مشتركة بحجة أن فرنسا لن يكون بمقدورها –أن تهب للنجدة جميع حلفائها المهددين بالخطر.
وواضح أن الاقتراح الفرنسي يريد إشراك دول أفريقية في القيام بدور –الشرطي الأفريقي- الذي تضطلع به فرنسا، لعل هذا يبعد رائحة –الاستعمار الجديد- بتعبير الرئيس معمر القذافي، عن التحركات الفرنسية.
وعلى الرغم من أن مؤتمر القمة الذي استغرق يومين قد كرس مناقشاته حول مسألة الأمن الأفريقي إلا أنه لم يتوصل إلى قرار نهائي حول قضية –القوات المشتركة- الرئيس الغابوني، عمر بونغو، والرئيس الموريتاني المخاتار ولد داده أيدا الفكرة بقوة أما رئيس جمهورية مالي، موسى تراوري، فقد قال إن أفريقيا بحاجة إلى التنمية الاقتصادية قبل كل شيء.
الملك الحسن الثاني كشف عن حقيقته المخاوف التي جعلت بعض الزعماء والأفارقة يترددون في الموافقة الفورية على إنشاء قوة الأمن. فقد عبر في حديثه إلى صحيفة الواشنطن بوست في 29-5 عن خشيته أن يكون لتشكيل هذه القوة رد فعل عسكري يتمثل بقيام الدول المتطرفة بإقامة جيوش ضخمة بمساعدة من المجموعة السوفياتية وقد أخبر ملك المغرب الرئيس الزائيري بهذا الموقف.
الموقف الدولي:
على الصعيد العالمي أحدث الدور الفرنسي، وأحداث القارة الأفريقية بصورة عامة، ردود فعل متباينة فالدول العربية انقسمت إلى قسمين أحدهما مؤيد للسياسة الفرنسية ومن هذه الدول، إضافة إلى المغرب وموريتانيا والسعودية، جمهورية مصر العربية. وقد حث الرئيس السادات، في كلمة وجهها بمناسبة الذكرى الخامسة عشر لإنشاء منظمة الوحدة العربية، الأفارقة على مقاومة التدخل الأجنبي.
أما الجزائر وليبيا فقد أدانتا بشدة التدخل الفرنسي، وقال الرئيس الليبي إن هذا التدخل لن يحمل الاستقرار إلى أفريقيا. ويعتقد القذافي وبومدين أن فرنسا تحاول محاصرة الجزائر وليبيا.. والمعروف أن الجزائر تساعد ثوار البوليساريو بينما تساعد ليبيا ثوار فرولينا، وقد تحفظ العراق على السياسة الفرنسية.
الاتحاد السوفياتي يرى أن فرنسا تقوم بدور مضاد للدور الذي تقوم به كوبا بدعم منه. وقد هاجم المسؤولون السوفيات التحركات الفرنسية.
الدول الغربية تداعت على دراسة الموقف في أفريقيا، وقد عقد مؤتمر قمة خماسي حضرته الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا وألمانيا الغربية وقررت إرسال مساعدات عاجلة لزائير ودعم بوتو بشرط قيامه بإصلاحات سياسية في بلاده، في محاولة لتحسين صورته أمام شعبه، لامتصاص النقمة الشعبية.
أما الولايات المتحدة فما زالت مترددة في القيام بدور عسكري مباشر لحفظ -الأمن- في أفريقيا ومواجهة الاتحاد السوفيتي. وهناك عوامل عدة تحكم الموقف الأمريكي، منها تجربتها المرة في فيتنام، وعوامل داخلية أخرى. وقد أعلن وزير الدفاع الأمريكي، هارولد براون، أن مصلحة أمريكا –لا تبرر إرسال قوات أمريكية محاربة إلى أفريقيا- على الرغم من استراتيجية لأفريقيا على المدى البعيد. إلا أن بعض المراقبين يتساءلون عن مدى أمريكا الإبقاء على موقفها –المتحفظ خاصة لو انتصر خط برززنسكي المتشدد-.
الصين الشعبية حددت موقفها من خلال صراعها -الأبدي- مع الاتحاد السوفيتي وترى الصين أن الروس يهدفون عمدًا إلى إضعاف الدول الأفريقية لشغلها بالنزاعات الداخلية ومن ثم الاستيلاء عليها. وبنظر الصين، فإن الهجوم على زائير يشكل علامة الخطر، لأنه يؤثر في المصلحة الاقتصادية لأوروبا الغربية التي تعتبرها الصين العقبة الكبرى في وجه التوسع الروسي. وانطلاقًا من هذا التحليل، اتفق الموقف الصيني مع مواقف الدول الغربية، فقد أعلن وزير الخارجية الصيني استعداد بلاده لتقديم مساعدات لزائير ومكافحة التغلغل السوفياتي والكوبي في المنطقة وتؤيد الصين إنشاء قوة أمن أفريقية مشتركة.
السلام أم الحرب؟ أفريقيا.. إلى أين؟
هذا هو السؤال الذي يشغل بال المراقبين الدوليين. ومن الواضح الآن أن حرائق أفريقيا مستمرة –وسوف تستمر -بالاشتعال.. ويبدو أن تصفية الحسابات بين الشرق والغرب أخذت منحى ساخنًا في أفريقيا. ولعل الوفاق الذي توصلت إليه موسكو وواشنطن في عهد كيسنجر لم يطبق إلا في مناطق معينة من العالم، يبدو أن أفريقيا لم تكن من بينها. وهذا ما يجعل البعض متشائمًا بالنسبة للمستقبل السياسي في أفريقيا. ومن المتوقع أن هذه القارة التعيسة سوف لن تشهد السلام والاستقرار إلا بعد عدد كبير من الحروب الموضعية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل