; يا عزيزي.. إنهم يريدونها مهدومة | مجلة المجتمع

العنوان يا عزيزي.. إنهم يريدونها مهدومة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005

مشاهدات 82

نشر في العدد 1680

نشر في الصفحة 41

السبت 10-ديسمبر-2005

لا أدري والله بعد أن رأيت هذه الفوضى السياسية والانتخابية ماذا يريدون؟ وأي نظام ينفذون غربي، شرقي، إسلامي، ديمقراطي، مدني، ليبرالي... إلخ، ولا أعرف أي دولة يقصدون، وأي طريق يسلكون، وأظن أن الزفة التي تصنع لهم وأن كذابيها الذين يطبلون ويزمرون، وينافقون ويقبضون لا يعرفون شيئًا. ولا أظن أن الليبراليين الذين يتباكون على نجاح الإسلاميين، ويخافون على ضياع الديمقراطية ويدعون أنها في خطر، يقصدون مصلحة الوطن وخير الأمة ونهضتها خاصة في ظل هذا الهدم الذي أطاح بكل شيء، أطاح بنظرية تعدد السلطات التي هي أساس الحكم المدني والديمقراطي الذي يريدون ويدعون أنهم يعملون على إقراره.

١. أطاح بالسلطة التشريعية التي هي مصدر القرار، وتنتخب من الشعوب بطريقة سليمة تمكنها من تكوين جمعية تأسيسية تضع الدستور وتشرع القوانين وتراقب الأداء، وتكون منبعًا للسلطة التنفيذية التي يرتضيها الشعب ويوليها ويعزلها حسب تلبيتها لحاجاته ورغباته وقدرته على الإنجاز.
 ٢. فإذا انهدمت السلطة التشريعية بواسطة التزوير والتلاعب برأي الأمة انهدمت الأمة، وأصبحت لعبة في يد السلطة التنفيذية، تفعل بها ما تشاء، فتنهدم بذلك نظرية فصل السلطات- نظرية الحقوق الفردية إزاء الدولة «الحريات العامة».

 ٣. نظرية استقلال القضاء، وكفالة حق التقاضي للأفراد ورقابة دستورية القوانين.

4. نظرية قوة الرأي العام ونضوجه ومبلغ غيرته على صيانة الحقوق والحريات للأفراد والجماعات، وبوجهة خاصة المعارضة النزيهة المنظمة.

كل هذا يهدم إرادة الأمة، ويزور رغبتها ولا يحترم اختيارها. والأمة اليوم تتشبث بآخر معقل من معاقلها وهو القضاء، وهو الآخر يشنق، لأن قضاة مصر التي تجري فيها هذه المهزلة، هم آخر المعاقل في حماية مصالح الأمة، وهم ضمير مصر، وعندما ينتفض هذا الضمير بالصورة التي شاهدناها في نادي القضاة وشاهدناها في الانتخابات وهم يخوضون معركة شرسة ضد الحكومة والأمن، وضد البلطجة التي أتى بها الأمن ويحميها لمنع الناخبين من المشاركة والتصويت لصالح أحزاب المعارضة وخاصة الإخوان، فإن ذلك يعني أن الشعب المصري بدأ يتحرك نحو التغيير، ولن يتوقف إن شاء الله إلا بعد أن يزيل كل مظاهر العفن والتكلس الذي غلف مصر، وشل قدرتها وأغرقها في الفساد والقمع على مدى نصف القرن الماضي.
والنظام المصري الآن بات معزولًا وسط شعبه، فاقدًا لمصداقيته، الأمر الذي يجعل أيامه المقبلة حافلة بالقلاقل والاضطرابات لأنه فقد المصداقية، وفقدان المصداقية فقدان للهيبة، وفقدان المصداقية قد بلغ حد المهزلة وهي اللعب بالقضاء آخر المعاقل التي يجب أن تحترمها الأمة، إذ توافق الدولة على إشراف القضاء، ثم لا تأخذ بحكمه، والأدهى من ذلك أن تعتدي عليه وتجبره على التزوير، ومن هنا نسمع ونقرأ عن حديث المستشار محمد محمد يوسف- الوكيل العام بالنيابة الإدارية ووكيل إدارة المحاكم، ورئيس اللجنة رقم ٣٠ بدائرة المحمودية بالبحيرة، وهو يدلي بشهادته حول وقائع التزوير التي شهدتها اللجنة، مؤكدًا أن هذا التزوير حدث رغمًا عنه وعن أنف القضاة، وبتعليمات صريحة من جهات عليا.

وأكد المستشار يوسف الذي أدلى بشهادته خلال الاجتماع الذي دعا إليه نادي القضاة لدراسة الغش والقهر والاعتقال في لجان الانتخابات، أنه أكره على التزوير مع سبق الإصرار والتدبير، وأن ذلك كان بتعليمات واضحة من الأمن من جهات عليا، وأكره على اعتماد نتائج مزورة، وأنه لم تُجد استغاثاته برئيس اللجنة العليا للانتخابات، ولا إلى وزير العدل، ولا إلى رئيس الجمهورية: «أهانوني وأهانوا من كان معي، واليوم وبعد مرور عشرة أيام كوامل على إبلاغي بجريمة فريدة وهي إكراه قاض على التزوير بالكشوف وبالنتائج في اللجنة 30 دائرة المحمودية بحيرة، وهي جريمة يعاقب عليها بالأشغال الشاقة المؤبدة، وبعد صياحي وكثير من الاتصالات والاستغاثات ترهيبًا وترغيبًا، فاجأني من الوزارة رد: صوموا ولا تتكلموا، إن الكلام محرم، ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم. 

أولئك هم خفافيش الظلام، وزوار الفجر ومزورو الإرادات والسوس الذي ينخر في جسد الأمة». ثم يوجه كلامه إلى القضاة ويقول: «أتخشونهم والله أحق أن تخشوه، لا يرهبونكم فهم ضعاف أضعف من أن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لن يستنقذوه ضعف الطالب والمطلوب، وبئس أن يكون الظالمون هم أهل العدل، تلك هي مذبحة القضاة الحقيقية، فإلامَ تنتظرون؟ حديث كاذب، وأمانة مخونة، ووعد بالأمانة مخلوف».

تلك هي آية المنافق، ويجب أن يصيح القضاء ويقول قولته: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا» ثم يقول: «يا قضاة مصر أنا معتصم بالله ثم بكم، ثوروا لهذا الشعب المغلوب على رأيه، والذي لم يزل يثق في شرفكم، ويأمن حيفكم، وإني مستعد لأن أستقيل من الآن حتى ينصف المظلوم ويبدأ في تحقيق فوري عاجل لينصر الحق ويرد للمظلوم حقه واعتباره، وإني أدعو دعوة نوح عليه السلام: رب إن مغلوب فانتصر، فانتصر.. قضاة مصر انتصروا للحق، فأنتم نصبتم للحق، وبالحق، فتوكلوا على الله فإنكم منتصرون، وهم يتوكلون على الباطل والزور فهم مغلوبون». ثم ختم القاضي قوله بهذا النداء: 

«أناديكم يا قضاة مصر، يا معشر القضاة، يا ملح البلد، من يصلح الملح إذا الملح فسد؟».

ونحن نقول كذلك، ولكنهم يا عزيزي يريدونها فوضى ومهدومة ينعق فيها البوم، والغربان، وتسرح في جوانبها شياطين الفساد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 

الرابط المختصر :