; السلطان «أردوغان» العثماني: ماذا يريد؟ | مجلة المجتمع

العنوان السلطان «أردوغان» العثماني: ماذا يريد؟

الكاتب عبد الرحمن فرحانة

تاريخ النشر السبت 26-يونيو-2010

مشاهدات 65

نشر في العدد 1908

نشر في الصفحة 66

السبت 26-يونيو-2010

استمعوا للسلطان العثماني الجديد ماذا يقول على إثر تعدي قراصنة تل أبيب على «أسطول الحرية» في المياه الدولية في عرض البحر المتوسط:

«لقد تعبنا من أكاذيب إسرائيل» «إن تركيا ليست دولة يتيمة يمكن أكل حقوقها، وبقدر ما تكون صداقة تركيا قوية فإن عداوتها أقوى».

إن كنتم لا تفهمون التركية أقولها بالعبرية «لو ترتساح» «لا تقتل» وهي أهم الوصايا الدينية «اليهودية». 

«ما يجري يجعل الناس تعتقد بأن نجمة داود باتت تشبه الصليب المعقوف».

«قضية فلسطين وغزة والقدس والشعب الفلسطيني قضية مهمة بالنسبة لتركيا، وهي لن تدير ظهرها لهذه القضية». 

«إن مصير «القدس» ليس مختلفًا عن مصير «إسطنبول» «ومصير «غزة» ليس مختلفًا عن مصير «أنقرة» متعهدًا بعدم تخلي تركيا عن الفلسطينيين وحقوقهم، حتى لو تخلى العالم عنهم.

إنه صوت عثماني جديد يفكر بالتركية، ويتكلم بالعربية، ويتحدى «مدللة الإمبراطور» في الشرق «إسرائيل» وبلهجة فوق العادة، لهجة نسيتها «تل أبيب» منذ فترة طويلة: بعدما تدجن العرب منذ أن اجتاحهم إعصار «الكامب» صوت عثماني يحكي لغة عربية أحرجت الناطقين بها.

قراءة في هذا التحول التركي؟

- التحول التركي لم يكن مجرد قراءة استراتيجية لتوازنات القوة، بل كان توغلًا في عمق المجال الحيوي لتركيا بحسب نظرية الدكتور أوغلو وزير الخارجية، التي سماها «العمق الاستراتيجي» بأبعادها الحضارية والتاريخية والاقتصادية.

- ضرب العراق خلق ميوعة جيوسياسية في المنطقة تخلله ضعف النفوذ العربي، وفي قلبه الدور المصري الذي تراجع المستويات تركت فراغًا بالمنطقة استدعى أطرافًا إقليمية أخرى لملء الفراغ، والحراك التركي و«أسطول الحرية» جزء منه هو ترجمة ميدانية للتموضع الإقليمي الجاري، وما جرى في عرض المتوسط ما هو إلا تناطح إقليمي بين «أنقرة» و«تل أبيب»

- الترحيب العربي بطيفية المعتدل والممانع بـ «أنقرة» سهل لها الدخول عبر سورية، وذلك بعدما تيقن الأتراك أن البوابة الأوروبية مغلقة في وجوههم، فعادوا لعمقهم الشرقي؛ تلك العودة التي تحل لهم أزمة الهوية، وتوفر لهم مجالًا حيويًا متناغمًا مع حضارتهم ومصالحهم الإقليمية.

- ويحسب الباحث «مايكل ويرز» الباحث في معهد «مركز من أجل تقدم أمريكا للأبحاث» الذي يرى تفسيرًا داخليًا للتحول التركي، إذ يقول: إن مركز التأثير في تركيا يتركز الآن في شرق ووسط البلاد، بما يعني أن «الأناضول الجديدة» أي المناطق الأسيوية في تركيا هي الكتلة المؤثرة في خارطة توزيع القوى السياسية الداخلية التركية. 

ولكن، إلى أي مدى سيتسع التناطح الإقليمي بين «أنقرة» و«تل أبيب»؟

التوقعات تشير إلى أن سيناريوهات التناطح بين الطرفين سوف تتسع إلى مرحلة التوتر داخل المنظمات الإقليمية والدولية، بما في ذلك مجلس الأمن، وسيتحرك اللوبي اليهودي في الغرب للتشكيك في مكانة تركيا الاقتصادية للتأثير على زخم الاستثمار وحركته داخل تركيا، وربما يتحرك الإعلام ل «شيطئة أنقرة» وتصويرها على أنها أدارت ظهرها للغرب واتجهت لإيران وقوى التطرف في المنطقة، فضلًا أن الأيدي الخفية «الإسرائيلية» ستحرك عناصر حزب العمال الكردستاني المناهض لتركيا، ناهيك عن الملف الأرميني، وملفات أخرى متعلقة بالإثنيات المركبة الخارطة المجتمع التركي، كقضايا الأكراد والعلويين وغيرهم.

أما الرد التركي فسيتقدم خطوات أوسع من ذي قبل، لكنه ربما لن يوغل في التطرف، وسيبقى محسوبًا وفق معادلات تتصل في العلاقة بـ«واشنطن» التي تحرص على «دوزنة» العلاقة بين حليقيها في المنطقة، مضافًا لذلك الساحات والمواضع التي يمكن أن توجع «إسرائيل» من خلالها أنقرة، وربما يأتي الاجتماع الأمني الذي ضم - بالإضافة إلى أردوغان كلا من وزراء الدفاع والأمن، وقادة أركان الجيوش البرية والبحرية، كمؤشر على حذر السلوك التركي.

مع ذلك، ارتفعت وتيرة العداء بين الطرفين إلى وتيرة عالية، إلا خفضت «أنقرة» العلاقات مع «تل أبيب» وربطت تطبيعها بفك الحصار عن «غزة»، والشرط الأخير مطلب جريء، ربما تجاوز الحسابات، ويشير إلى جدية تركيا في موقفها السياسي والأخلاقي، ولعل هذه العقدة بالذات ستؤزم العلاقة بين الطرفين إلى مدى ربما غير متوقع.

أما ماذا يريد السلطان الجديد؟

إنه يريد أن يمارس دوره الإقليمي بطريقته الخاصة؛ مستخدمًا أوراقه بحسب الحاجة، وفي الوقت المناسب لتحقيق أهدافه الاستراتيجية؛ دون خوف أو مجاملة لأحد؛ حتى لو كان «امبراطور واشنطن» أو «مدللة الإمبراطور» في الشرق.

السلطان الجديد؛ يريد أن يعلمنا كيف نقول: «لا» ل«تل أبيب» و «واشنطن» وأنه يمكننا فعل ذلك، ويشرح لنا كم هي واسعة المساحة الرمادية بين إعلان الحرب على «إسرائيل» أو الاستسلام الكامل لها.

الرابط المختصر :