; تحولات الاقتصاد العالمي وموازين العدالة الأمريكية.. احتكار أسواق الرفاهية وتكريس البؤس عالميًا | مجلة المجتمع

العنوان تحولات الاقتصاد العالمي وموازين العدالة الأمريكية.. احتكار أسواق الرفاهية وتكريس البؤس عالميًا

الكاتب رمضان عبدالله

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-1995

مشاهدات 79

نشر في العدد 1158

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 18-يوليو-1995

  • الولايات المتحدة تقود الحملة ضد العالم الثالث لشعورها بزيادة خطورته، وتستخدم صندوق النقد والبنك الدولي لضرب بنيته الاقتصادية.
  • صناعة البؤس رفعت ديون العالم الثالث إلى (١.٥) تريليون دولار و(١٠٢) مليار نسمة يعيشون تحت خط الفقر.

لقد قضت إرادة النظام العالمي قديمه وجديده، أن يكون دخول الدول النامية إلى «القرية العالمية» عبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وسياساتهما التي صممت لهذا الغرض ضمن ما يسمى «برامج التكيف الهيكلي» ولخمسة عشر عامًا خلت نفذ البنك والصندوق (556) برنامج تكيف هيكلي في ما يزيد عن (٧٠) دولة نامية، مبشرًا بالمعجزة التي ستحدثها «سابسsaps » من توليد للنمو والدخل، وتحسين موازين المدفوعات، وإزالة الفقر، فماذا كانت النتيجة؟ 

     لقد أدت برامج البنك والصندوق الدوليين إلى مأساة الركود الاقتصادي، فالمكسيك مثلًا بعد (١٣) سنة من «برامج التكييف الهيكلي» والإصلاح لم يشهد ناتجها المحلي أي نمو مقابل معدل نمو (٧%) سنويًا قبل سياسات التكيف في السبعينات، وبعد (19) برنامج تكيف زادت عام 1992م، مقابل (85) بليون عام 1982م انخفضت معدلا ت الأجور بنسبة (41%) في الفترة من1928م إلى 1988م، لقد وجدت الدول النامية نفسها في مصيدة التكيف التي ينخفض بها الاستثمار والاستهلاك والإنتاج، وتزداد البطالة والتضخم.

زيادة عبء ديون العالم الثالث:

كانت القروض التي يقدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للدولة النامية بمثابة ضمانة لدفع الديون، وتمكين هذه الدول من دفع الفؤاد، وبالتالي التحويل من العالم الثالث للبنوك التجارية الغربية، هكذا ازداد عبء ديون العالم الثالث من (785) بليون دولار عند بداية أزمة الديون عام 1982م إلى حوالى (1.5) تريليون دولار عام1993م، لقد (36) دولة أفريقية من بين دول القارة السبعة وأربعين لبرامج التكيف، ومازال الدين الخارجي لهذه الدول يعادل (11%) من إجمال ناتجها القومي، دفعت الدول المدينة مجتمعة ما يزيد عن (11.3) تريليون دولار بين 1982و1990، ومازالت مدينة في التسعينات بزيادة (61%) عما كانت عليه عام 1982، إن سياسات صندوق النقد الدولي بإرغام دول العالم الثالث بإلغاء الرقابة على أسعار صرف  العملات أدى إلى هروب رؤوس  الأموال  إلى الخارج والتي قدرت عام 1989م بما يزيد عن (700) بليو دولار، وطبقًا لتقرير صادر عن اليونيسيف UNISEF)) في عام 1988م فإن الديون والفؤاد على دول الجنوب بلغت  ثلاثة أضعاف إجمالي المساعدات المالية التي قدمت لهذه الدول من الدول الغربية والمؤسسات الدولية، وبخلاف المعلن عن أهداف البنك والصندوق أدت سياسات وبرامج التكيف إلى زيادة الفقر في دول العالم الثالث، فوفقًا لبعض الإحصائيات ارتفع عدد الذين يعيشون تحت خط الفقر في أمريكا  اللاتينية من (130) مليون عام 1980م إلى (180) مليون عام 1990م، كما أن أعلى (20%) دخلًا من السكان يكسبون (20) مرة أكثر من أدنى (20%) دخلًا، وفي أفريقيا يعيش (200) مليون نسمة من سكان القارة البالغ عددهم حوالي (680) مليون في فقر مدقع، وأقل تقديرات الينك الدولي تشاؤمًا تتوقع أن يزداد العدد بنسبة (50%) ليصل إلى (300) مليون نسمة سنة 2000م.

(1.2) بليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر: 

     وتختلف أرقام البنك الدولي عن إحصائيات الأمم المتحدة التي تعكس صورة قائمة للعالم؛ حيث تقدر الأمم المتحدة أن هناك (1.2) بليون نسمة في العالم الثالث اليوم (أي حوالي ضعف عدد ١٩٨٤م) يعيشون في فقر مدقع وجوع ومرض، وطبقًا لتقارير اليونيسيف وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP فإن عدد وفيات الأطفال تحت سن الخامسة في إفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية قد بلغ أكثر من (٦) ميون نسمة، عام ١٩٨٢.  

     إن أفريقيا –بفضل سياسات البنك والصندوق- مدمرة، لذا يقول أحد كبار اقتصادي البنك الدولي «لم نكن نعتقد أن التكلفة الإنسانية ستكون مرتفعة إلى هذا الحد، وأن المكاسب الاقتصادية منخفضة بهذا القدر».

     لقد قادت الولايات المتحدة الحملة ضد العالم الثالث من أن تزايد شعورها بما تسميه «خطر العالم الثالث» مذ عهد كارتر وأزمة الرهائن، إلا أن إدارة الرئيس الأمريكي ريجان هي التي تولت تصميم وهندسة سياسة التكيف التي عبرت عن نفسها في الاقتصاد الأمريكي بالاقتصاد الريجاني Reganomics  واعتمدتها في هجمتها الخارجية باستخدام البنك والصندوق كآلية لتفكيك الأجهزة والبنية الاقتصادية في العالم الثالث لضرب دور الدولة في الاقتصاد وترويج اقتصاد السوق الحر كنمط للقيم الرأس مالية، وقد تزايدت حدة هذه الهجمة بعد انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية.

      تنظر دول العرب عمومًا والولايات المتحدة على وجه الخصوص إلى التحولات الراهنة التي تشهدها اقتصادات العالم الثالث، وما ينجم عنها من تغير في طبيعة وآلية العلاقة بينهم وبين الغرب بقلق بالغ، وتعتبر ذلك خطرًا ماثلًا بتهدد رفاهيتها جرى ترويجه كشعار: «خطر العالم الثالث» وهو واحد في سلسلة أخطار يلوح بها الغرب كلما شعر بتهديد مصالحه مثل الخطر الإسلامي والخطر الصيني وغيره، وحقيقة  الأمر أن الغرب الذي كان يرى في الدول النامية مصدرًا رخيصًا  للمواد  الخام وسوقًا مربحًا لمنتجاته له أن يتغير، لكن النجاحات التي حققتها بعض الدول النامية لا سيما الأسيوية منها باتت تفرض نمطًا جديدًا من تقسيم العمل الدولي الذي يحتدم حوله الجدال في الغرب، يقول الاقتصادي الفرنسي موريس إلياس الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٨٨م إن التجارة الحرة مع الدول النامية ستؤدى الى بطالة كثيفة وعدم مساواة فاحشة في الأجور، حيث الإنتاج والوظائف تنتقل إلى دول منخفضة الأجور إما عبر زيادة الواردات، أو هجرة الشركات إلى الدولة النامية، وسيؤدي ذلك في نظره إلى «انفجار اجتماعي في أوروبا» يتقاضى العمال في دول كالصين والهند وأندونسيا (٥٠) سنتًا أمريكًا متوسط أجر الساعة مقابل (٢٥) دولارًا في ألمانيا أو (١٦) دولارًا في الولايات المتحدة.

      في ضوء ذلك فإن شركة مثل تومسون للإلكترونيات الفرنسية توظف في أسيا ثلاثة أضعاف ما توظفه من عمال في فرنسا، أما شركة المصنوعات الإيطالية فيلا Fila فقد نقلت أعملها إلى أسيا، ولم يبق في إيطاليا سوى (١٠%) من عمالها، مما أوجد ظاهرة جديدة في الاقتصاد الحديث بأن تجتمع التقنية العالية والإنتاجية العالية والجوة العالية مع الأجور المنخفضة، إزاء العلاقة التي سادت في الدول الصناعية تاريخيًا؛ حيث لازمت فيها ثلاثية التقنية، والإنتاجية، والجودة العالية أجورًا عالية أيضًا.

السوق المفتوحة في الدول النامية:

  ترصد بعض الدراسات الآثار التبادلية للنمو التجارة بين الشمال والجنوب وتخلص إلى أن نموًا بنسبة (1%) في الدول المتقدمة يمكن أن يؤدي إلى نمو بنسبة (0.7%) في الدول النامية، وأن النمو في اقتصاد الدول النامية بنسبة (1%) يمكن أن يؤدي إلى  (0.2%) في الدول الصناعية، وتبلغ صادرات الدول النامية (12%) من ناتجها القومي، فيما أن صادرات الدول المتقدمة للدول النامية تساوي (4%) من الناتج القومي، وهناك قناتان يؤثر عبرهما العالم الثالث على الدول الصناعية: الطلب على الصادرات، والعرض والمنافسة على الواردات، ومعروف أن الدول النامية سوق هام لمنتجات الدول الصناعية؛ حيث تستوعب (42%) من صادرات الولايات المتحدة، و(20%) من صادرات أوروبا الغربية، و(48%) من صادرات اليابان، وحيث تصدر الولايات المتحدة للعالم الثالث أكثر مما تصدره إلى أوروبا واليابان، فإن هذا ينطبق على أوروبا أيضًا التي تصدر للعالم الثالث ضعف ما تصدره للولايات المتحدة واليابان في فترة ثلاث سنوات (٩٠-١٩٩٣). زادت صادرات الولايات المتحدة النامية بنسبة (١٢%) سنويًا مقابل (2%) زيادة في صادرتها للدول الصناعية، في الفترة ذاتها زادت الواردات الإجمالية للدول النامية بنسبة (37%) مقابل زيادة (22%) للصادرات وبذلك عملت الدول النامية كقاطرة أخرجت الدول الصناعية من الركود الذي أصابها منذ بداية التسعينات.

دور الأنظمة الدكتاتورية:

     والمفارقة الكبيرة هنا أن الدول الصناعية -وعلى رأسها أمريكا التي روجت لاقتصاد السوق الحر في الدول النامية- ترى في النجاح الاقتصادي الذي حققته بعض هذه الدول خطرًا يتهدد رفاهيتها وازدهارها، لماذا إذن يتم ترويج اقتصاد السوق على أنه طريق الرخاء للفقراء إذا كان هذا الرخاء سيكون على حساب الدول المروجة له؟

     الإجابة على هذا السؤال ببساطة أن هدف فرض الاقتصاد الحر على دول العالم الثالث هو فتح أسواقها أمام المنتجات الغربية عبر سياسات تحافظ على العلاقة التقليدية بين الشمال والجنوب دون السماح للأخير بتحقيق أي إنجاز تنموي نهضوي ملموس؛ لذا فلا مانع لدى الدول الرأسمالية الغربية أن يتكفل بتطبيق الاقتصاد الحر أنظمة ديكتاتورية دون الحاجة لتوليفة الليبرالية الديمقراطية الرأسمالية، طالما أن المسافة لا تتعلق بالرجل الأبيض.

  في رسالة استقالة من مائة صفحة، وتحمل عنوان: «بلغ اليل الزبى» قدمها عام ١٩٨٨م الاقتصادي الكبير دافيسون بودو بعد خدمة (٢٢) سنة في البنك وصندوق النقد الدوليين، يقول بودو إن التقسيمات الإدارية داخل صندوق النقد تعكس علاقات إمبريالية وعنصرية- فلماذا تتبع جنوب أفريقيا القسم الأوروبي وليس القسم الأفريقي؟ ويضيف «إن هذا نتيجة منطقية للمزاج الدولي الذي ساد عام ١٩٤٤م حيث الرجل المتفوق والرجل الدون، فلا بد من تخليص وتعظيم الرجل الأبيض ونظامه، وإغفال الرجل الأسود البنى المستعمر وإلقائه جانبًا».

مسئولي النخب الحاكمة: 

     ويجب أن لا يفهم أن مسئولية تخلف دول الجنوب تقع بالكامل الغرب ومؤسستها الدولية، إن النخب الحاكمة في البلدان الفقيرة تتحمل المسئولية بالدرجة الأولى، وهى بالأحرى تشارك الغرب المسئولية ولا تعفيه منها، فهذه النخب تغرق بلادها في بحر من الديون والدكتاتورية والفساد، وتعانى من عجز شديد بعد الإخفاق الشامل في مجال التنمية والاستقرار الاجتماعي وشراهة عالية للقروض والمساعدات الأجنبية، هذه النخب مازالت في معظمها تحظى بدعم الغرب، لأنه يرى فيها حريصًا أمينًا لمصالحه على حساب أقوات المحرومين من الشعوب الفقيرة، إن وصفات صندوق النقد الدولي وما يسمى برامج الإصلاح في مناطة العالم الثالث تريد أن تضع عبء الديون على كامل الفقراء والشعوب عن طريق خفض الإنفاق العام، وإلغاء دعم السلع الأساسية، إن المسئول عن هذه الديون  بالدرجة الأولى هي  النخب الحاكمة التي استهلكتها دون تحقيق أية تنمية، واستدانتها أصلًا دون مشورة شعوبها، لقد أصبحت هذه النخب مستجدية للمعونات، وحكوماتها مفلسة، وشعوبها جائعة لا تملك ثمن الاستهلاك بعد أن ضلت طريقها إلى الإنتاج، ولا يعفي هذه النخب من الجرم ادعاؤها بأنها سقطت في مصيدة إغراء الاستدانة التي نصبتها  لها الحكومة والمؤسسات المالية الغربية. 

     مازالت سياسة الدول الصناعية الغربية تجاه بلدان العالم الثالث تقوم على دمج اقتصادات الأخيرة في السوق الرأسمالية العالمية عبر ما يسمى «العولمة» وترويج «القرية العالمية» التي يطلق عليها اقتصاديون غريبون «النهب العالمي»  وتنعكس عملية النهب في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وقوة نفوذ المؤسسات والهيئات الدولية غير الخاضعة للرقابة والمساءلة، وازدياد سطوة وانتشار الشركات متعددة الجنسيات كأخطبوط لاستعمار الحاضر والمستقبل، كما أن الدول الغربية تحاول خلق العراقيل في وجه أي جهود أو محاولات تستهدف كسر حلقات الفقر والتبعية والتخلف في العالم  الثالث.

     في فبراير (شباط) ١٩٩٥م فشل مؤتمر بروكسيل الذي جمع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي و(٧٠) دولة من أفريقيا والكاريبي والهادئ لمناقشة زيادة مساعدات الدول الأوروبية للدول النامية، وقد أفشل الاجتماع الذي لم يدم أكثر من عشر دقائق بشكل أساسي بريطانيا وألمانيا اللتان طالبتا بتخفيض حصصها في صندوق المساعدات، كذلك فشلت «قمة التنمية الاجتماعية» التي عقدت في كوبنهاجن عاصمة الدانمرك في مارس (آذار) ١٩٩٥م في المهمتين الأساسيتين لها، وهما: إلغاء الديون الخارجية لبلدان العالم الثالث، وزيادة مساعدات التنمية.

أوضاع الفوضى:

     لم تتجاوز مساعدات التنمية التي قدمتها دول منظمة التعاون OECD لدو ل العالم الثالث (0.35%) من الناتج المحلى للدول الصناعية.

    وقد دفعت الدول النامية ثمنًا باهظًا لذلك، يكشف عنه التقرير الخطير الذي صدر مؤخرًا عن الأمم المتحدة بعنوان: «أوضاع الفوضى» يقول التقرير الذي حمل العنوان الفرعي «الآثار الاجتماعية للعولمة» إن التوسع العالمي لقوى السوق العالمية قذف بالمجتمعات في أتون اضطرابات ونزاعات دموية، وإن الشركات متعددة الجنسية الموجودة خارج نطاق أية سيطرة سواء كانت محلية أو قومية أو دولية تملك حاليًا ثلث الثروات الإنتاجية العالمية، وإن سياسات المؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد مسئولة عن تفجير ثورات الفقراء، في كثير من البلدان النامية، ويضيف التقرير أن العالم يبحر نحو المجهول، وأن آثار العولمة تعصف بالأسر والأحزاب والمجتمعات الفقيرة والغنية على حد سواء.

 

الرابط المختصر :