; دولة الخلافة والحركة الوهابية(524) | مجلة المجتمع

العنوان دولة الخلافة والحركة الوهابية(524)

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-أبريل-1981

مشاهدات 94

نشر في العدد 524

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 14-أبريل-1981

 الحلقة السابعة والخمسون

 إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة

دولة الخلافة والحركة الوهابية

 انتهت العلاقة بين دولة الخلافة والحركة الوهابية بإعلان الحرب وفشلت جهود الأمير في استمرار الصلح.

استعرضنا في الحلقة السابقة لرسالتي الأمير عبد الله إلى محمد علي باشا، وحللنا الرسالة الأولى وألقينا الضوء على أبعادها السياسية وانعكاس ذلك على بيان حقيقة العلاقة التي ربطت بين الدولة العليَّة والحركة الوهابية.

ثم سردنا الرسالة الثانية الموجهة إلى محمد علي.

وفي هذه الحلقة نبين أهمية تلك الرسالة، والتي تكمن في زاويتين كما أشرنا سابقًا:

الأولى: أنها تثبت مراسلة مفقودة بين محمد علي والأمير عبد الله يمكن استنباط مضمونها من هذه الرسالة.

والثانية: أن الرسالة تحمل الإجابة عن أسئلة من محمد علِي باشا، وتكشف عن خط الحركة الدعوِي والحركي والسياسي في تلك الفترة، وهذا كله يعطينا خيوطًا مترابطة توضح طبيعة العلاقة.

وفي سبيل ذلك سوف نقوم بعملية تجميع، وترتيب النقاط الجوهرية التي سنشكل منها موضوع رسالة محمد علِي باشا المفقودة.

ثم نستدرك إجابات الأمير عبد الله لنرى دلالتها وأبعادها، فلنبدأ ببيان مشتملات تلك الرسالة.

اشتملت رسالة محمد علِي على ثلاث نقاط جوهرية، فبعد المقدمة التي يبدو أنها عادية في أسلوبها بدأ بذكر النقطة الأولى: وهي قبوله ما تم من أمر الصلح بين ابنه طوسون والأمير عبد الله، وعلق قبوله للصلح بشرط ألا يظهر الأمير عبد الله ما يخالفه وألا يكون هذا الصلح مطية للمكر أو الخديعة، فالصدق والوفاء بالعهد من شيم المسلمين.

وهذا الشرط يشير إلى الصورة التي ارتسمت في مخيلة محمد علي وغيره عن الحركة الوهابية من سفك الدم والغدر ونبذ الطاعة وما إلى ذلك، وفيها نوع تهديد في نقض الصلح عند ظهور أية بادرة تشير إلى ذلك.

وهذا التهديد في ذات الوقت يشير إلى أن نية محمد علي في الاستمرار بالصلح قد لا تكون خالصة صادقة، فإن كثيرًا من الأحداث الجارية يمكن أن تبرر نقض الصلح الذي تبدو فيه كفة الأمير عبد الله راجحة، أو على الأقل يظهر فيه محمد علي مقصرًا في نظر دولة الخلافة دون تحقيق هدف القضاء على الحركة نهائيًّا ودك معقلها في الدرعية.

ولكن جواب الأمير عبد الله يجيب عن هذا التشكك بقوة، فيبين أن الغدر والمكر ليس من شيم المسلمين، وأنه سيلتزم بهذا الصلح، ويعبر في الوقت نفسه بما يشبه الشرط من جانبه أيضًا، فيطلب من محمد علي أن يرعى بدوره هذا العهد ويلتزم الحق فيه، فالرفق واللين في معالجة الأمر خير من الشدة، وفي ذلك مصلحة الطرفين، وهذا كله يشير إليه عبارة الأمير عبد الله التالية:

«وصل إلينا كتابكم وفهمنا ما تضمنه خطابكم، فوقفنا على معانيه وعرفنا المصرح به والمشار إليه فيه، وما ذكرتم من القبول لِما انبرم من أمر الصلح إن كان ما قلنا حقًّا وما حررناه محكمًا وصدقًا.

فنحن -بحمد الله- للمكر والخديعة مجتنبون، وللصدق والوفاء بالعهد عاملون، وليست الخديعة والمكر من شيم الكريم الحر، والصدق قد تقرر من سيرتنا عند البعد.

والفضل ما شهدت به الأعداء، وليس عندنا لكم إلا الصدق والوفاء فيما ظهر وخفي، فلكم منا العهد والميثاق أننا لما جرى بيننا وبينكم ملتزمون، ولأمر المعاقدة محققون.

 

فالواجب منكم مراعاة العهد بالتزام أحكام الحق، وإيثار أسباب الرفق لما في ذلك من الصلاح الشامل، والخير العاجل والآجل».

وأما النقطة الثانية التي تضمنتها رسالة محمد علي فهي ذكره الحروب التي خاضتها الحركة الوهابية، ويبدو أن كلام محمد علي لم يكن على سبيل التساؤل وإنما كان على سبيل التنفيذ لتلك الحروب، وهذا واضح من عبارة للأمير عبد الله: «وما أشرتم إليه من حروبنا السابقة».

وجواب الأمير عبد الله يومئ أيضًا إلى أن محمد علي تكلم عن عدم شرعية تلك الحروب وأنها لا تستند إلى دليل من الشرع، وبالتالي فهي تحمل معنى الخروج على الدولة العلية، وخصوصًا حربها لبلاد الحجاز التي تمثل مكة والمدينة، منها دولة الخلافة في الجزيرة.

 ولقد أجاب الأمير عبد الله عن موضوع الشرعية والخروج إجابة واضحة.

وقد سبق أن تعرض الأمير عبد الله في رسالته الأولى إلى محمد علي لموضوع الحرب بينه وبين الشريف غالب وأهل الحجاز، وذكر أنهم بدأوا بالقتال فقاتلهم، وتكراره هذا لعله يشير إلى أن محمد علي رد على هذه النقطة بأنهم مسلمون ويقيمون الصلوات المكتوبة، فما الدليل الشرعي الذي دعاكم إلى ما أقدمتم عليه من تغيير وقتال.

ومن هنا جاءت إجابة الأمير عبد الله بتقرير ما ذكره في رسالته الأولى من بدء القتال من طرف الشريف وأهل الحجاز، ومقابلة ذلك بالحرب من قبل الحركة الوهابية، وبين له أن حقيقتهم ليست كما ذكر، بل إن أكثرهم مضيعون للفرائض والأركان ومفسدون في الأرض، وقاطعون للطريق، وأنهم في جملتهم وعمومهم منكرون للبعث ودهريُّون يرددون قول أسلافهم الجاهليين، فلما أظهرنا الله عليهم حملناهم على فعل الخيرات وإقام الفرائض والأركان.

والمستند في هذا الفعل قوله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج:41)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، فنحن مخاطبون بهذا ما دمنا ظاهرين متمكنين وقادرين على تغيير المنكر بأيدينا.

ثم يعزز الأمير عبد الله إجابته عن هذا السؤال من زاوية ثانية حساسة بالنسبة للدولة العلية وبالنسبة لمحمد علِي أيضًا، وقد ألمح لها في رسالة سابقة وصرح بها هنا، وهي أن دولة الخلافة لا ترضى بالواقع الذي عليه الناس في الجزيرة وفي مكة والمدينة، وهذا عنده بمنزلة المقطوع به، وهو يعني بطريق آخر أن دولة الخلافة  ينبغي ألا ترضى بهذا الواقع، وسكونها ليس دليل رضا بقدر ما هو دليل عجز عن القيام بمعالجة الواقع، لأنها تعيش مشكلات وقضايا تستنزف كل قدراتها وإمكاناتها، وما دمنا نحن هنا قادرين على القيام بهذا الإصلاح والتغيير، فيصبح هذا حينئذ من ألزم واجباتنا، وهذا مفهوم قوله الواضح: «ولأننا نعلم علمًا قطعيًّا أن السلطان لا يرضى منهم بذلك، ولا يأمر بدخولهم تلك المسالك».

أما النقطة الثالثة والأخيرة، فهي موضوع الأمن في بلاد الحرمين (مكة والمدينة)، وقد صرح أنه يهتم بهذه القضية كثيرًا، وأنه يسعى في كل ما من شأنه مصلحة تلك البقعة المطهرة، وقد أسند محمد علي هذا الاهتمام والسعي في مصلحة بلاد الحرمين إلى نفسه دون الإشارة إلى أنها في حقيقة الأمر مصلحة دولة الخلافة في الدرجة الأولى، وأن ما يقوم به إنما هو امتثال لأمرها وتوجيهها والتصريح بذلك هذا محله المناسب، إلا إنه أغفله على ما يبدو، وهذا الإغفال يتناسب وما كان يطمح إليه محمد علي من مكانة ندية للدولة العلية ممثلة بسلاطينها، فهو القائد الذي لم يُغلب في حين كانت الهزائم تتوالى على دول الخلافة.

وما إغفال الدولة العلية لوالي الشام والعراق وهما أقرب إلى بلاد الحجاز منه، إلا إشارة إلى قوته وقدرته، ولو لم يرَ محمد علِي أن إخماد الحركة وضربها من مصلحته، لربما تعلل بما يصرف نظر دولة الخلافة عنه، أو على الأقل لا تكتفي بالصلح وإقراره -كما سبقت الإشارة- فمن منطلق القوة والاعتداد بالنفس يسند ذلك إلى نفسه ويغفل ذكر دولة الخلافة.

ولذا جاءت الإجابة عن هذا السؤال ذكية مفصلة مسندة كل ما يمكن عمله لصالح محمد علي ومصالحه، مؤكدة على الجوانب الأمنية التي تتولى الحركة الوهابية القيام بها وتعتبرها من مسؤوليتها المباشرة، وفي الوقت نفسه تهمل النيَّات الخفية كما أهملتها رسالة محمد علي، تاركة لمدلولات ومضامين العبارات السابقة تجيب عنها تلميحًا والتزاما بما قد يفوق الإجابة تصريحًا، وهذا أسلوب المخاطبات السياسية.

فقد صدَّر الأمير عبد الله رسالته بما يناسب ذلك حين قال: «إنه قد وصل إلينا كتابكم وفهمنا ما تضمنه خطابكم فوقفنا على معانيه، وعرفنا المصرح به والمشار إليه فيه»، ثم قال: «ومثلك وفقك الله ممن يستغني بإشارة التذكرة ويكتفي بلمحة التبصرة لما تأوي إليه من السياسة والتجربة».

وعلى أية حال فإن رسالة محمد علي حينما تناولت هذه القضايا الثلاث الحساسة وبأسلوب أقرب إلى التهديد منه إلى التساؤل، وإلى التشكيك بموقف وأعمال الأمير عبد الله أقرب منه إلى الصفاء وحسن السريرة، حمل ذلك كله على توقع نقض الصلح المبرم بين الأمير عبد الله وأحمد طوسون، وتوسيع رقعة الحرب، وهذا ما حدث فعلًا، فلم تفلح جهود الأمير في استمرار الصلح، كما لم تستطع على ما يبدو دولة الخلافة إيقاف محمد علي بعد تلك المراسلات السياسية أن يسير الجيوش بقيادة ابنه إبراهيم عام (1231هـ) واستمرت الحرب آجالًا، إلى أن استطاع إبراهيم دخول معقل الحركة في الدرعية في الثالث من ذي القعدة عام (1233هـ) وبعدها اضطر الأمير عبد الله إلى طلب الصلح، فأرسل إلى إبراهيم باشا وطلب المصالحة، وقبل إبراهيم المصالحة على أن يركب الأمير عبد الله إلى السلطان العثماني فيحسن إليه أو يسيء، وبعد يومين من المصالحة سافر الأمير عبد الله إلى مصر، ومنها إلى الأستانة حيث أعدم -رحمه الله- في ساحة أيا صوفيا.

وهكذا انتهت علاقة دولة الخلافة بالحركة الوهابية، في مرحلتها الثانية في عهد الأمير عبد الله، وتركت وراءها النار تحت الرماد، فأصَّلت العداوة في النفوس وقطعت أواصر الإخوة والحبال التي كان ينبغي أن تمد وتقوى.

ولم تحقق دولة الخلافة ما رامته من كسر شوكة الحركة الوهابية، فلم تهدأ الأحوال ولم يستقر معسكر محمد علي على قرار.

فقد أشاعوا الخراب والفزع في أركان الجزيرة وأخافوا السابلة والحاج، حتى ظهر تركي بن عبد الله ليقود جولات كثيرة مع قوات مصر وإسطنبول ويتخذ من الرياض عاصمة له، ولم تأت سنة 1243 حتى دخلت القصيم في طاعة الحركة الوهابية وتلاها عام 1244 دخول عمان في الطاعة وفي عام 1345 دخلت الإحساء في الطاعة ثم خلفه ابنه الأمير فيصل.

واضطر محمد علي إلى تسيير العساكر مرة أخرى، وبعد حروب طاحنة استطاعت تلك القوات استعادة القصيم وحائل والرياض واعتقلت الأمير فيصل عام 1245، إلا أنه استطاع الهرب عام 1259 واستعاد كل ما سُلب منه وأُعيدت البيعة إليه.

إلا إن إمارتي الرياض وحائل بقيتا متناظرتين لا تكاد الحرب تخمد بين آل سعود وآل رشيد، إلا أنه في عهد عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل 1902م استطاع بمعاونة الشيخ مبارك حاكم الكويت أن يستعيد الرياض من يد آل الرشيد، وكانت دولة الخلافة تميل إلى مناصرة آل رشيد، وقد ضم الأمير عبد العزيز الرياض في وقت كانت الدولة العلية مشغولة بالحرب البلقانية، فلما انتهت الحرب شرعت دولة الخلافة تفكر في أمر استرداد الرياض وما تحت يد الأمير عبد الرحمن بن فيصل ولو كلفها ذلك تسيير الجيوش.

وإن استعراض أحداث هذه المرحلة بين الحركة الوهابية ودولة الخلافة والواقع الذي عليه الحركة داخل الجزيرة وحال دولة الخلافة، يكاد يكون مطابقًا للواقع الذي كانت عليه الحركة أيام الأمير عبد الله قبل أن تُسير دولة الخلافة الجيوش الحربية.

فهل تكرر دولة الخلافة غلطتها الأولى في تسيير الجيوش؟ وهل تقف الحركة الوهابية موقف الند وتشهر السيف مرة ثانية في وجه دولة الخلافة؟ هذا ما نريد الكلام عنه لنكشف فيه عن تلك العلاقة الأخيرة، التي انتهت بسقوط دولة الخلافة ولفظت بعدها الأنفاس الأخيرة. 


الرابط المختصر :