العنوان حسني مبارك وترتيب الكراسي السياسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1982
مشاهدات 83
نشر في العدد 556
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 12-يناير-1982
* هل يقوم حسني مبارك بانقلاب أبيض أم يستمر على خطى السادات في السياسة الداخلية؟
* كيف تبدو الأحزاب السياسية على الخارطة؟ وما هي القوى الفاعلة في مصر؟
* الأحزاب اليسارية أسماء بلا مسميات والجماهيرية الكاسحة للإسلاميين فقط.
* النظام يريد كسبًا جماهيريًا لفتح ملف الفساد واستبدال أسماء جديدة ببعض مراكز القوى المكروهة مثل نبوي إسماعيل.
* ستلتقي سياسة مبارك بعبد الناصر والسادات في الفردية والاعتماد على الجيش.
كثيرون يميلون إلى الاعتقاد بأن حسني مبارك بدأ يقوم بعملية تدريجية في سياق انقلاب سياسي أبيض على الخارطة السياسية للقوى الحزبية ومراكز القوى الحاكمة داخل مصر. وأول ما يسوقه أصحاب هذا الاعتقاد من حجج هو ما لاحظوه من دعوة مبارك الخاصة بالانفتاح على الأحزاب والتجمعات السياسية وبناء وحدة وطنية يشارك فيها الجميع. على أن آخرين يعتقدون بخطأ هذا الاعتقاد معتبرين ما يقوم به حسنى مبارك لا يعدو أن يكون سياسة امتصاص للقوى الموجودة على الساحة المصرية. وإذا أردنا أن نقف على الحقيقة الفاصلة بين هذين الرأيين... بحيث نلقي الضوء الكاشف على الخارطة السياسية التي يقف وسطها حسني مبارك داخل مصر. لابد لنا عند ذلك من أخذ الملاحظات الثلاث التالية بالاعتبار:
* ثلاث ملاحظات:
ولعلها ملاحظات معينة تحدد لنا فيما بعد موقع حسني مبارك على الخارطة السياسية في مصر فنظرته إلى القوى السياسية المختلفة ومدى الاستفادة منها. وهذه الملاحظات هي:
1- شخصية مبارك وشخصية السادات:
تختلف شخصية حسنى مبارك عن شخصية سلفه المقتول بأن تربى تربية عسكرية بحتة لم تكن له خلالها صلة بالعمل السياسي كرئيس للجمهورية في الوقت الذي كان فيه السادات عسكريًا متصلًا بجذور السياسة في مرحلة ما قبل الاستقلال فقد كان عضوًا حزبيًا متنقلًا بين أشكال المعارضة السياسية أيام الملك فاروق. وكان مع الألمان ومع الحرس الحديدي. ولو أخذنا تاريخه وتربيته فسنجد أن الجو السياسي الذي عاشه جعله ذا صلة واسعة بالعمل السياسي على الرغم من وجوده كعميل للألمان داخل القوات المسلحة المصرية. وهو ما أشار إليه بعباراته الخاصة في كتابه «البحث عن الذات». وهذا يعني أن حسني مبارك ذو تكوين مختلف بشكل جذري عن تكوين أنور السادات. وإذا كان في زمن السادات مع سياسته ومنفذًا لها بحكم تسلسل القيادة فلن يكون بالضرورة كذلك بعد أن أصبح الرجل الأول بعد اغتيال السادات.
2- تبعية السياسة الداخلية للسياسة الخارجية:
على أن اختلاف الشخصيتين بجذورهما السياسية والعسكرية وظروف وجودهما على المسرح السياسي في مصر لا يكفي لتحديد موقع حسني مبارك من سياسة سلفه السادات بعد أن تسلم مكانه في قيادة الدولة. فهناك موقف دولي من مصر. وهناك ارتباط وولاء له أطره ومفاهيمه وعقابيله أيضًا. وهناك معاهدة مع البيت الأبيض وارتباط بسياسة خارجية معينة. ويخطئ من يعتقد أن سياسة مبارك الداخلية لن تكون متأثرة بسياسته الخارجية أو لنقل بالسياسة الخارجية وموقع مصر فيها «دوليًا»، لذا فعلى المحلل الدقيق أن ينتبه إلى ما يحصل من تغييرات في السياسة الخارجية لفهم ما ينشأ من تغييرات في الشكل والمضمون الداخلي. وحول هذه النقطة أجاب الخبير البريطاني «فيليب وندسور» على سؤال لمجلة «المجلة» بالقول:
«لقد نفى السادات عندما تسلم الحكم أن ينهج خطًّا مغايرًا لخط عبد الناصر» ولكن... «أجد من الصعب التصور كيف يستطيع أحد تغيير الوضع الداخلي في مصر، فالوضع الاقتصادي يعتمد على التمويل الخارجي، والتمويل الخارجي مرتبط بالأوضاع السياسية... وما لم يحدث تغيير سياسي على الصعيد الخارجي فإن الأولويات الداخلية ستعالج بنفس الطريقة التي عالجها السادات».
3- كامب ديفيد:
وبنود اتفاقيتي كامب ديفيد التي أعلن مبارك تمسكه بهما ما زالت تعتبر مدخلًا لفهم السياسة الداخلية للنظام الذي خلف نظام السادات. وقد حدد أحد المراقبين الإسلاميين للسياسة المصرية نهاية شهر «إبريل» القادم موعدًا فاصلًا لمعرفة منعكس وجود حسني مبارك على التجمعات السياسية ورسم الإطار الداخلي لها في منظور مبارك، وقد ذكر المراقب نقاطًا أساسية جعلته يذهب هذا المذهب هي:
* إن حسني مبارك مطالب من خلال بنود كامب ديفيد العلنية والسرية بفرض سياسة التطبيع السياسي والاجتماعي داخل مصر. وهذا يقتضي ضرب جميع مناهضي كامب ديفيد الحقيقيين.
* ما زال حسني مبارك متمسكًا بقانون الطوارئ الذي أعلنه السادات قبل مقتله وهذا القانون لا يعطي الفرصة لأي تجمع سياسي أن يمارس سياسة مستقلة. وكان السادات قد فرض هذا القانون على إثر لقاء في الإسكندرية في نوفمبر قبل الماضي تم بينه وبين مناحيم بيغن رئيس الوزارة اليهودية. وكان اللقاء خاصًا بمتابعة تنفيذ بنود كامب ديفيد ومراقبة ما نفذ من أشواطها.
* إن ارتباط حسني مبارك بوعد إسرائيل بالانسحاب من سيناء في شهر إبريل من هذا العام يلزمه بربط سياسة مصر بالسياسة الأمريكية التي ستشرف على الانسحاب الإسرائيلي المصرح به في الإعلام المصري والأمريكي. ومعنى هذا أن السياسة الأمريكية ستظل مؤثرة على الخارطة السياسة داخل مصر كما كان ذلك في عهد السادات.
* نتيجة هامة:
من هذه الملاحظات الثلاث يخرج المحلل بنتيجة أساسية مفادها أن حسني مبارك الذي يختلف عن سلفه السادات كحاكم سياسي ما زال موضوعًا على طبق سياسة السادات الخارجية التي تلعب دورها في رسم العمل على الإطار الداخلي للسياسة المصرية. وهذا يعني بالتالي:
1- إن حسني مبارك لن يستطيع أن يتحرك على المستوى الداخلي إلا في أضيق الحدود بحيث لا يمس الولاء الأمريكي وبنود كامب ديفيد.
2- إذا طرأ على الموقف الإسرائيلي بالنسبة لتوقيت الانسحاب من سيناء أي تغيير فإن ذلك قد يؤثر تأثيرًا مباشرًا على سياسة مبارك الداخلية بل قد يؤثر على وجوده كرئيس للجمهورية في مصر.
3- التزام حسني مبارك بسياسة السادات بالنسبة لكامب ديفيد والإرادة الأمريكية. لا يعفيانه- مهما حقق من مكاسب صورية لمصر- من محاسبة الشعب له على طريقة محاسبة الشعب للسادات.
وهنا تكتمل لدينا الرؤية الدالة على حقيقة موقع حسني مبارك على الخارطة السياسية والحزبية داخل مصر، بل إننا من خلال هذه الرؤية نملك أن نحدد موقفها منه. ولنبدأ أولًا بالكشف على الخارطة الحزبية في الداخل المصري.
* الخارطة الحزبية والتمثيل الشعبي:
قد لا تبدو الخارطة الحزبية في مصر واضحة المعالم والحدود بشكل قاطع. فهناك أحزاب رخص لها السادات. وتابعه في ذلك حسني مبارك. وهناك تجمعات وأحزاب خفية. وهناك تجمعات تعمل تحت أسماء وأحزاب مرخصة لا تمت إلى أيديولوجياتها بصلة. بل إن هناك شخصيات سياسية لامعة محسوبة على هذا الاتجاه أو ذلك لكنها لا تملك شيئًا من التمثيل الشعبي. ولتوضيح هذه الحقيقة الواقعة نسأل:
1- في أي حزب يمكننا تصنيف محمد حسنين هيكل كسياسي لعب على حبال كثيرة منذ عهد عبد الناصر وما زال على الطريقة نفسها حتى اليوم؟
2- وفي أية قائمة نصنف الشيوعيين وهم «قلة» يعمل بعضهم تحت غطاء حزب التجمع الوطني في وقت حظر السادات وخليفته مبارك ترخيصًا بمنح الشيوعيين حق العمل السياسي؟
3- وعلى أي منحى نصنف حزب الأحرار الذي أوجده أنور السادات ليقوم بدور المعارضة الشكلية ثم انقلب عليه ليتصالح مع حسني مبارك بعد ذلك؟
وعلى كل فإننا مضطرون للقول:
إن العمل الحزبي في مصر يمكن أن يصنف ضمن خطوط عريضة، ضمن أحزاب تبدو فيما يلي:
* الأحزاب:
1- الحزب الوطني: وهو حزب النظام الحاكم. ووريث حزب الاتحاد الاشتراكي يمثل السلطة القائمة والطبقة الهلامية التي ترافق الحاكم في كل العصور. وصفات هذا الحزب هي صفات كل حزب حاكم في العالم الثالث.
2- حزب الوفد الجديد: كان في الماضي يعبر عن الطبقة المالكة للأرض في مصر وكان يمثل البرجوازية المصرية إلى حد ما. أما الآن فقد تغيرت قواعده حتى كاد أن يصبح اسمًا بلا مسمى وأبرز شخصياته فؤاد سراج الدين الذي يعتبر نفسه شخصية تمثل شيئًا باعتبار الماضي. وقد انفرطت عناصر هذا الحزب من أول ضربة وجهها إليه السادات وانسحبت متشرذمة باحثة عن وجودها في الاتجاهات الحزبية المختلفة الأخرى.
3- حزب العمل: ويرأسه إبراهيم شكري وداخل الحزب بعض الشخصيات اللامعة المعارضة مثل حلمي مراد وقد قام هذا الحزب بدور المعارضة الشكلية بعد أن ورث حزب الوفد المنحل حيث انضمت إليه كثير من عناصر الوفد مما أعطاه بعض البريق وأوجد فيه قوى ضاغطة على الحكم وبهذا تخلى الحزب عن معارضته الشكلية إلى درجة محدودة بعد أن ساءت الأمور السياسية. ويوجد بعض كبار رجال هذا الحزب معتقلون بقرار السادات كالصحافي إبراهيم يونس.
4- حزب الأحرار: ويرأسه مصطفى كامل مراد وهو من الضباط الأحرار الذين قاموا مع عبد الناصر بحركته عام 1952 ويعتبر مصطفى كامل مراد صديقًا حميمًا للسادات وأعوانه ويعتبر المصريون أن هذا الحزب صوت من أصوات السادات تركه ليستقطب المعارضة لكنه لم ينجح في ما أسند إليه إلى أن سقط في الانتخابات.
5- حزب التجمع الوطني: ويرأسه خالد محيي الدين والحزب- كما صرح قياديون إسلاميون في مصر- لا يمثل أية نسبة محدودة من الشعب المصري وهو عبارة عن مجموعة أفراد غير متناسقين من يساريين وناصريين وماركسيين وتنظيمات شيوعية. وأبرز شخصيات هذا الحزب إلى جانب رئيسه. «لطفي الخولي والدكتور يحيى الجمل» وهم من الذين تتناولهم أجهزة الإعلام العربية والأوربية مضخمة من تأثيرهم على حساب الاتجاه الإسلامي. والواقع أن هؤلاء لا يمثلون أي موقع من مواقع القوى الشعبية. كما أن الحزب ليس بإمكانه أن يشكل اتجاهًا معارضًا لأي نظام مهما كانت صورته في مصر. وإذا كان لهم من تأثير على بعض أطراف السياسة الساداتية فذلك على الصعيد الإعلامي فقط. حيث كان الإعلام خارج مصر يساعدهم بتضخيم وجود القوى اليسارية داخل مصر وذلك في إطار لعبة «الشرق والغرب». وهم يؤيدون اليوم خطوات مبارك القمعية التي تجاوزت كل الحدود المألوفة بعد مقتل السادات.
* الإسلاميون:
ونرى ألا نرصفهم ضمن قائمة الأحزاب السالفة. فتلك هي أسماء بلا مسميات جوهرية. وينضم الإسلاميون ضمن جماعات متعددة تشكل التيار الرئيسي للشعب المصري. والمعارض الوحيد في الشارع السياسي داخل مصر. ولأننا لا نريد التفصيل في موقف الحركة الإسلامية من مبارك وموقفها منه في هذا العدد. فإننا نكتفي هنا بتعداد أهم الجماعات الإسلامية وهي:
1- جماعة الإخوان المسلمين وكان ينطق باسمها الأستاذ عمر تلمساني عبر مجلة «الدعوة» من خلال أيديولوجية إسلامية.
2- جماعة الجهاد.
3- جماعة التكفير والهجرة، الجماعات الإسلامية في الجامعات المصرية.
4- أنصار السنة المهدية.
وإلى جانب هذه الجماعات توجد «الجمعية الشرعية» وهي جمعية في أصلها رسمية وجدت لاستيعاب العلم الشعبي وسرقته من الحركة الإسلامية الفعالة. لكن رجال الجمعية أثروا تحديد طبيعة عملهم في الوعظ والتفقيه في أمور الدين مع عدم التدخل في العمل السياسي لتظل الجمعية ذات طابع شرعي محض.
* التمثيل الشعبي:
ويعتبر مراقبون في العواصم الغربية أن التيار الإسلامي في مصر هو التيار الشعبي الكاسح، وهو التجمع الوحيد الذي كان يخيف السادات ويخيف مبارك اليوم. بل إن اليهودية الدولية لا تخشى على نفسها شيئًا من مصر سوى هذا التيار لما يمثله من قوة شعبية عظيمة.
* شهادة هيكل:
بعد أن خرج محمد حسنين هيكل من السجن بقرار من حسني مبارك. أجرت معه صحيفة الشرق الأوسط السعودية لقاء مطولًا. ورد فيه قوله عن قدرات الأحزاب المرخصة في مصر:
«اليوم لا نستطيع أن نقول إن حزب الوفد يمثل شيئًا أما حزب التجمع فلا يوجد عندنا- في مصر- طبقة عاملة- ذات نظرة طبقية- وهناك جماهير من الطبقة العاملة.. ولا يستطيع أي حزب يساري أن يدعي أنه يعبر حقيقة عن الجماهير المنتمية للطبقة العاملة. على أن حزب التجمع في مصر ليس له قاعدة طبقية ولكنه يمثل مجموعة مثقفين بالدرجة الأولى ويمثل بينهم تحالفات باقية من حالة سابقة. لكن هل تستطيع هذه التحالفات أن تعبر عن قوة مؤثرة. الجواب: «لا» كما يقول هيكل».
ويضيف في مقابلته مع الشرق الأوسط:
«كلها تيارات.. مثلا حزب العمل.. ما هو الموقف الخاص بهذا الحزب؟ لا نعرف بالضبط.. وما هو الحزب الوطني؟ ما الذي يعبر عنه؟..» الشرق الأوسط 15/12/1981.
وهكذا يشهد هيكل أن الأحزاب المصرية «اللاإسلامية» لا تشكل إلا الصفر على المستوى الشعبي والحركي والأيديولوجي المعارض في مصر.
* من مع المعارضة؟ ومن مع النظام؟
من خلال تصريحات زعماء الأحزاب «اللاإسلامية» في مصر نقف على حقيقة مفادها أن جميع زعماء هذه الأحزاب يقفون اليوم إلى جانب حسني مبارك وعلى رأس أولئك جماعة ما يسمي بحزب التجمع الذين أعلنوا عن تأييدهم لإجراءات حسني مبارك ووقفوا معه «على طول الخط.. بحسب التعبير المصري». ونريد هنا أن نركز على تأييد حزب التجمع الوطني بالذات لإجراءات مبارك القمعية والقرارات الأمنية الداخلية الأخيرة والتي تجاوزت كل الحدود المألوفة ولعل السر في ذلك أنها تناولت أصحاب الاتجاه الإسلامي. حيث ما زالت السجون تغص بالإسلاميين. وقد قام نظام مبارك بتوجيه حملات التمشيط والتفتيش التي تشبه حملات سرايا الدفاع في سورية حيث عاثت فسادًا في القاهرة والإسكندرية وأسيوط واعتقلت المئات من شباب الجامعات المنتمين إلى الحركة الإسلامية بعامة.
وإذا انتقلنا إلى حزب العمل الاشتراكي الذي يتزعمه إبراهيم شكري فسنجد أن الحزب وقف بعض المواقف المعارضة لأسباب ثلاثة:
1- اعتقال النظام لبعض عناصره بسبب قانون الطوارئ ومنهم السيد حلمي مراد.
2- دخول عناصر من حزب الوفد الجديد في حزب العمل ليصبحوا قوى ضاغطة على إبراهيم شكري الذي كان يمثل معارضة شكلية.
3- شيوع الفساد السياسي والإداري في أروقة النظام.
لكن مواقف الحزب المعارضة تلاشت اليوم بعد لعبة مبارك الأخيرة في استيعاب الحركات والأحزاب السياسية على الساحة المصرية. وكان إبراهيم شكري زعيم الحزب يطالب مبارك بإجراء تغييرات داخلية في بعض مواقع المسؤولين بما يتناسب وأهداف المرحلة الجديدة «وقد أعرب في وقت قريب عن معارضته للرأي الذي يقضي بالإبقاء على بعض الأوضاع والقيادات كدليل على الاستقرار» مجلة المصور المصرية تاريخ 18/12/1981.
وإذا كان حزب العمل وقف موقفًأ نسبيًا من تأييد حسني مبارك في الأسابيع الأخيرة فإن مراقبين مصريين يعتقدون أن إبراهيم شكري وحزبه لابد أن يعودوا إلى معارضة حقيقية مرة أخرى. ويستلمح من تصريحات حلمي مراد ومن سياسة مبارك أن الحزب يؤيد دعوة النظام الجديد لإيجاد وحدة وطنية وذلك بشروط تقضي منح حزب العمل بعض الامتيازات الخاصة. وهنا لا نستطيع إيجاد شكل معارض حقيقي خارج الصف الإسلامي في مصر. وبالتالي فإن القوة الوحيدة التي تقف معارضة في وجه النظام هي القوة الإسلامية وجماهيريتها الواسعة.
* لعبة مبارك الجديدة:
على الرغم من أن حسني مبارك لا يملك المؤهلات السياسية التي كان يملكها سلفه السادات... والتي كان يلعب بها عبد الناصر من قبل. فإن الظرف السياسي. والتبعية التي يرتبط بها النظام للولايات المتحدة من ناحية. وكامب ديفيد من ناحية أخرى وضعت حسني مبارك أمام متطلبات السياسة الخارجية التي تقضي بالتالي:
1- إيجاد موازنة سياسية داخلية دون أن تميل الكفة إلى طرف ما.
2- الحد من النشاط الإسلامي.
3- تنشيط اليسار الخامل ليحل في الشارع «جزئيًا» محل المواقع الإسلامية الشعبية. وقد اقتضت هذه الموازنة أن يقوم مبارك بعملين أساسيين.
الأول: حل الوزارة القديمة وتشكيل وزارة جديدة.
الثاني: استقطاب زعماء الأحزاب والاتجاهات والتجمعات اللاإسلامية.
ولكي يزكي مبارك عمله في هذه اللعبة قام ببعض الإجراءات التي اعتقد أنها ستعطي موازنته نسبة ما من الشعبية والجماهيرية على طريقة عبد الناصر والسادات في بداية عهدهما، ومن هذه الإجراءات.
1- الإفراج عن بعض الأسماء اللامعة من الشخصيات السياسية التي سجنها السادات بقانون الطوارئ في نوفمبر من العام الماضي.
2- فتح ملف الفساد ووضع الإعلام المصري في جاهزية قصوى لتتبع هذا الموضوع.
3- إرضاء الجماهير الغاضبة على حكم السادات السابق بالسماح للإعلام بالتشهير ببعض أفراد عائلة السادات وتناولها من خلال موضوع الإثراء غير المشروع. وفعلًا فقد أثار الإعلام المصري قضايا تتعلق بجيهان السادات وعصمت السادات شقيق الحاكم الأسبق.
4- تقليم أظافر بعض مراكز القوى الداخلية كسبًا للجماهيرية أيضًا بإقصاء شخصية «النبوي إسماعيل» وزير الداخلية الأسبق إلى وزارة فنية في التشكيل الوزاري الأخير.
ويعتبر الإسلاميون أن هذه الإجراءات تدخل في باب امتصاص نقمة الشعب الذي يتحدث جهارًا عن الفساد والمظالم التي كانت سائدة في عصر السادات لكنها ستفقد جديتها في ذهن الجماهير قريبًا لأن لعبة إيجاد الموازنة الشعبية باستقطاب بعض الاتجاهات سوف تنكشف للعيان. لتبقي مراكز القوى جاثمة على صدر الشعب ولو تغيرت بعض الأسماء.
* الحاكم الفرد والجيش:
باستقصاء ما قررناه واستشهدنا به من وقائع عن الساحة الداخلية في مصر نصل إلى سؤال:
هل سيكون حكم مبارك شبيهًا بحكم عبد الناصر؟ أم شبيهًا بحكم السادات؟ أم أن لمبارك مستقبلًا متميزًا عن طريقة الرجلين؟
ولا بأس هنا أن نستشهد بما ذكره هيكل حول تقييمه للعملية السياسية في مصر. فقد أشار إلى أن هذه الحلقة من الحكم المصري لا تنفك عن حركة التاريخ في المنطقة... يقول هيكل:
«هذه هي الفترة التي يبدو فيها دور الرجل الواحد، والتي يبدو فيها دور الجيوش» وينفي هيكل وجود تنظيم قوي في مصر يستطيع الحاكم أن يحكم من خلاله واعتماد الحاكم الوحيد هو على الجيش فقط.
وإذا كان لهذا الكلام من معنى. فذلك كما يلي:
1- إن حكم مبارك هو حلقة من حلقات السلسلة التي بدأها عبد الناصر.
2- التغيير والاختلاف بين سياسة عبد الناصر وسياسة السادات كان تعبيرًا عن اختلاف نوعي بين المرحلتين. مع بقاء الرجلين في حكمهما معتمدين على الفردية والجيش والاختباء وسط مراكز القوى العسكرية والسياسية.
3- إن مبارك- وهو ضابط من الجيش- لن يتجاوز هذه الطبيعة في الحكم «الفردية- والاختباء» وسط مراكز القوى مهما تغيرت أسماؤها من فترة لأخرى.
4- وهذا يعني بالتالي أن مبارك سيصوغ موازنة مشابهة لموازنة عبد الناصر وموازنة السادات لتبقى العصا الغليظة في يده يستخدمها متى شاء وضد من يشاء.
5- على أساس من هذه السياسة سيظل الإسلاميون هم الهدف في أية سياسة قمعية يقوم بها النظام من جديد ولا سيما أنهم يشكلون القوة المعارضة الوحيدة في الفترة الراهنة.
سياسة مبارك في رأي الإسلاميين:
- التقت المجلة مع أحد الشخصيات الإسلامية «أ... م» في مصر وطرحت عليه السؤال التالي:
- ماذا عن سياسة مبارك الداخلية الجديدة؟
- وكان الجواب في نقاط محددة هي:
1- ما زال حسني مبارك- بالنسبة للجديد في السياسة الداخلية- حاكمًا لا لون له ولا رائحة تميزه عن سلفه السادات.
2- لم يزل مبارك متابعًا سياسة السادات في فرض القبضة الحديدية، بل زاد عليها بفرض قانون الطوارئ الذي أعلن بعد اغتيال السادات حيث يعمل القانون فعله حتى الآن.
3- الوجه الأمني للحكم هو البارز حتى الآن في الداخل. وذلك يعتبر استمرارًا لسياسة السادات. فأجهزة الأمن حرة التصرف داخل البلد. ووجودها هو البصمة الظاهرة على حياة الشعب المصري.
4- بدأ حسني مبارك بعملية احتواء اليسار المصري على الرغم من محدوديته. وهو احتواء ذو مقاصد إعلامية ولأجل محدد يدخل في مصلحة النظام مع مراعاة النظام ألا تأخذ شخصيات اليسار حجمًا أكبر منها بكثير. وهذا ما حصل مع هيكل الذي احتواه حسني مبارك مع السماح «لإبراهيم سعدة» وهو صحافي بارز في صحيفة مايو الناطقة باسم النظام أن يتهمه بالتجسس على زملائه الصحافيين. وأن يصفه بالميل إلى تأييد الفردية الفرعونية في الحكم.
5- تفريغ أشكال المعارضة من محتواها وإشغالها ببعضها من ناحية. وببعض المشكلات الثانوية التي نشرها مبارك في فتح ملف الفساد.
ويعتقد الإسلاميون أن هذه السياسة لن تخدم مبارك إلا في ظرف مؤقت. ولن يكون له من استقرار في الداخل إلا إذا اعترف بالوجود الإسلامي ومطالبته على الصعيدين الداخلي والخارجي. والإسلاميون ما زالوا عبر مجلتهم «الدعوة» التي تصدر خارج مصر مصرون على مطالبهم وأولها تحكيم الإسلام في جميع مجالات الحياة.