العنوان علم الكيمياء ينقض نظرية التطور
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 30-أغسطس-2003
مشاهدات 54
نشر في العدد 1566
نشر في الصفحة 36
السبت 30-أغسطس-2003
«الحياة لا يمكن أن تنشأ إلا من الحياة». لويس باستير
الكون لا يكفي من حيث الحجم أو الزمن لتكون جزئية واحدة من الأنزيمات عن طريق المصادفات العشوائية
يزعم التطوريون أن الخلايا الأولية تطورت إلى خلايا تستطيع القيام بالتمثيل الضوئي.. ولكنهم لا يقولون كيف حصلت هذه القفزة العظمى
حلقة مفرغة ليس لها حل: الأحماض النووية هي التي تنتج أنزيمات البروتينات.. وأنزيمات البروتينات هي التي تقوم بإنتاج الأحماض النووية من جاء أولًا إذن؟ إنه التحدي الكبير للتطوريين
تناولنا في مقالات سابقة منها المنتج «۱۳۰۷ و۱۳۱۹» مناقضة علم الفيزياء لنظرية التطور، وتتناول هنا موضوعًا مهما أيضا وهو مناقضة علم الكيمياء النظرية التطور وهو موضوع لم يكتب عنه -حسب علمي- في الصحافة العربية حتى الآن وقد تتناول في مقالات أخرى مناقضة علوم أخرى لهذه النظرية التي يحاول أنصارها إبقاءها واقفة على قدميها...
كان من الضروري لأنصار فرضية التطور شرح وإيضاح كيفية ظهور الحياة على سطح الأرض، أي كيفية ظهور الخلية الحية الأولى حسب هذه الفرضية التي تدعي أن جميع المظاهر الرائعة لهذه الحياة على سطح الأرض وجميع أنواع الجمال والدقة والنظام المذهل الذي يزخر به هذا الكون أثر من آثار المصادفات العمياء!
وإذا استثنينا قلة نادرة فهذا هو الاتجاه العام لدى التطوريين لذا كانت فرضية التطور هي الفرضية العلمية الوحيدة تقريبًا التي تمهد للإلحاد وتيسر له السبيل، لأنها تدعي أنها تقدم تفسيرًا للحياة والكون دون الحاجة إلى الخالق، ولكن إن دققنا الأمر في ضوء الحقائق العلمية الحديثة نرى أن الفرضيات المقدمة من قبل أنصار التطور عبارة عن فرضيات خيالية وأوهام ألبست لباس العلم، ولكي نحيط بأطراف الموضوع نورد الفرضيات التي يقدمونها في هذا الخصوص ثم تشرح الحقائق العلمية التي تنقضها.
الفرضيات التي يقدمها التطوريون حول نشوء الحياة
يقول التطوريون إن الخلية الحية الأولى ظهرت في ظروف لم تعد الآن موجودة، فالغلاف الجوي في بداية عمر الأرض لم يكن مثل الغلاف الجوي الحالي، والأرض مرت بمراحل مختلفة في هذا الصدد حتى تم ظهور الحياة، والسبب الكامن وراء تأكيدهم على هذا الأمر هو أن الغلاف الجوي الحالي للأرض -لكونه محتويًا على الأكسجين- لا يسمح بالفرضيات التي يقدمونها لظهور الحياة.
المراحل المفترضة للأرض من قبل التطوريين
المرحلة الأولى: أي المرحلة المبكرة من عمر الأرض في هذه المرحلة كان الغلاف الجوي للأرض -على حد زعمهم- متكونَا من غازات مختزلة معظمها من الميثان CH4 والأمونيا NH3 والهيدروجين H2 وبخار الماء[1].
وقد يتساءل أحدهم عن الدليل الذي يقدمه هؤلاء عند عرض هذه الفرضية فنقول إنهم لا يقدمون أي دليل وسبب قولهم بذلك هو أنهم يتصورون أن هذا الخليط هو الخليط المثالي لفرضيتهم من جهة، ولكي يتجنبوا القول بوجود أي مقدار من غاز الأوكسجين في ذلك الغلاف الجوي لأنه سيهدم جميع فرضياتهم حول ظهور الخلية الحية الأولى.
المرحلة الثانية: نتيجة للتفريغ الكهربائي للبروق، ونتيجة للأشعة فوق البنفسجية والجزيئات ذات الطاقة العالية المنهمرة من الفضاء الخارجي على ذلك الغلاف الجوي تحولت الأرض إلى المرحلة الثانية، وهي المرحلة التي تكونت فيها جزيئات عضوية صغيرة كجزيئات السكر والأحماض الأمينية والتوكليدات Nucleotides وهي اللبنات الأساسية لجزيئات D.N.A والجزيئات R.N.A.
المرحلة الثالثة: بعد ملايين السنين تكونت جزيئات كبيرة من اتحاد الجزيئات الصغيرة التي تكونت في المرحلة الثانية، حيث تكونت جزيئات البروتينات والأحماض الأمينية: مثل.D.N. A والنشا.
المرحلة الرابعة: في هذه المرحلة اتحدت الجزيئات التي تشكلت في المرحلة الثالثة، وكونت Micro أو Coacervates مواد هلامية تدعى spheres وافترضوا أن هذه المواد كانت لها قابلية جذب جزيئات أصغر منها لتشكل معًا بني يمكن تسميتها الخلايا البدائية Proto – cells.
المرحلة الخامسة: في هذه المرحلة ظهرت الخلية الحية الأولى نتيجة امتصاص الخلية البدائية الجزيئات الملائمة للقيام بوظيفة إعادة الإنتاج ذاتيا وعاشت هذه الخلايا self-reproduction الحية الأولية في البداية على الجزيئات التي كانت موجودة في المراحل السابقة، ولكنها سرعان ما تطورت إلى خلايا تستطيع القيام بالتمثيل الضوئي وقامت هذه الخلايا بطرح Photosynthetic II غاز الأكسجين إلى الجو.. هذا الغاز الذي يحتاج إليه جميع الأحياء تقريبًا على سطح الأرض وقام غاز الأكسجين بتحطيم وتدمير جميع الخلايا البدائية والأولية التي تكونت في المراحل السابقة، أي ما أن ظهرت الحياة مرة بهذه الطريقة حتى اقفل الباب أمام ظهور الحياة بهذه الطريقة مرة أخرى، وذلك بسبب وجود غاز الأكسجين!
هذه هي قصة ظهور الحياة، أي ظهور الخلية الحية الأولى حسب السيناريوهات الخيالية الموضوعة من قبل التطوريين.
والمتأمل لهذه الفرضيات لا يجد فيها دليلًا علميًا واحدًا، بل مجموعة من الفرضيات بينها فجوات كثيرة، وعلامات استفهام عديدة لم يقوموا بشرحها أبدًا لأنهم لا يستطيعون، فمثلًا نراهم يقولون بظهور الخلية الأولى التي تستطيع إعادة الإنتاج ذاتيًا self-reproduction ولكن لا يقولون لنا كيف تمت هذه الخطوة الجبارة والخطيرة، لأن إعادة الإنتاج -أي التكاثر ذاتيًا- تحتاج إلى آليات معقدة جدًا، وتحتاج إلى وجود مئات الآلاف من الجينات حاملة الصفات في جزيئات DNA التي هي بمثابة مكتبة كاملة من المعلومات.
ونراهم يقولون بأن الخلايا الأولية تطورت إلى خلايا تستطيع القيام بالتمثيل الضوئي.. هكذا وبكل بساطة.. ولكنهم لا يقولون لنا كيف حصل مثل هذا التطور الكبير وهذه القفزة العظمى؟ فهذا الكلام لا يعد علميًا بأي معيار من المعايير، لأن التمثيل الضوئي معجزة من معجزات الخلق ولم يستطع العلماء حتى الآن القيام -حتى في أحدث وأكبر المختبرات العلمية- بتقليد التفاعلات المعقدة التي تجريها النباتات خلال عملية التمثيل الضوئي فكيف يمكن إطلاق مثل هذه الفرضيات دون تقديم دليل أو شرح الخطوات التي خطتها الخلايا لتكتسب مثل هذه القابليات المدهشة ولو استطاع العلم تقليد هذه التفاعلات لاختفى الجوع من على سطح الأرض، لأن الإنسان يستطيع آنذاك صنع مختلف الأغذية والفواكه والخضراوات في المعامل ولكن العلم لا يزال بعيدًا جدًا عن هذا الأمر.
والآن لنناقش هذه السيناريوهات حول التطور الكيميائي المزعوم:
طبيعة أول غلاف جوي للأرض: لا يوجد إجماع بين العلماء حول موضوع الغلاف الجوي للأرض في بداية عمرها ونشوئها، فالتطوريون يقولون -كما ذكرنا- بأن الغلاف الجوي كان يتكون من الميثان والأمونيا والهيدروجين وبخار الماء، ويخلو من الأكسجين بسبب معرفتهم بأن غاز الأكسجين يحطم كل جزيئة يحتاجها هذا التطور الكيميائي المزعوم، وكان دليلهم الوحيد في هذا الصدد هو أن جو كوكبي المشتري وزحل «ساتورن» يحتويان على الميثان والأمونيا، ولكن أكثر العلماء الحاليين يذكرون أنه لا يوجد أي دليل علمي على وجود مثل هذا الجو الاختزالي للأرض في بداية عمرها. فمثلًا يقول العالم الأمريكي أبلسون:
P.H. Abelson: The methane ammonia hypothesis is in major trouble with respect to the ammonia component, for ammonia on the primitive earth would have quickly disappeared…
أي: إن فرضية الميثان- الأمونيا تلاقي مشكلات كبيرة وصعوبات فيما يتعلق بمركب الأمونيا، لأن الأمونيا في مرحلة الأرض البدائية كانت تختفي بسرعة ومعظم علماء الجيولوجيا الحاليين يعتقدون أن جو الأرض البدائية كان يحتوي على ثاني أكسيد الكربون والنتروجين وبخار الماء وعلى كمية لا بأس بها من الأكسجين[2] فهذا هو ما يستنتجونه من دراسة الصخور الرسوبية الأولية للأرض.
ووجود مثل هذا الغلاف الجوي للأرض المحتوي على الأكسجين يقلب تمامًا جميع النظريات الموضوعة حول الأصل التطوري للحياة رأسًا على عقب.
ولو أردنا المزيد من التدقيق العلمي لهذا الموضوع فإننا نورد الحقائق الآتية:
أظهرت التحاليل العلمية أن جو كوكبي المشتري وزحل يحتويان على الميثان والأمونيا وينعدم فيهما الأكسجين.
مثل هذا الجو الاختزالي موجود في الكواكب الخارجية البعيدة عن الشمس أما أجواء الكواكب القريبة من الشمس كالمريخ والزهرة فتحتوي على ثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد الكربون بدلًا من الميثان.
غاز الأمونيا سريع الذوبان في الماء. لذا فإن وجد في جو كوكب كالأرض يحتوي على كميات كبيرة من الماء فإن معظمه سيذوب في مياه المحيطات والبحار والبحيرات ولا يبقى في الجو إلا كمية قليلة جدًا.
إن الأشعة فوق البنفسجية الآتية من الشمس تقوم بتجزئة الأمونيا وبخار الماء وتحرر الأكسجين من بخار الماء وهكذا فسيختفي غاز الأمونيا من جهة -إن كان موجودًا في الجو- ويظهر الأكسجين في الجو من جهة أخرى.
قال بعض العلماء إن الجو البدائي للأرض جاء من باطن الأرض بواسطة البراكين التي كانت تقذف مع الحمم كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء.
اكتشف العلماء خامات حديد متأكسدة في أقدم الطبقات الأرضية وكذلك كبريتات معادن مختلفة وهذا مؤشر واضح جدًا على وجود الأكسجين في جو الأرض منذ أقدم عهودها أي أن فرضية التطور الكيميائي المستند إلى غياب الأكسجين تنهار تمامًا.
يقوم الأكسجين بهدم وتحطيم الجزيئات البيولوجية المهمة مثل جزيئات D.N.A وجزيئات البروتين هذه الحقائق العلمية تبين استحالة تكون الجزيئات الحيوية الضرورية، وتقضي بالتالي على فكرة التطور الكيميائي للحياة التي تقدمها فرضية التطور.
ولكن الأوساط العلمية قبل خمسين سنة كانت تقبل فكرة وجود الجو الاختزالي للأرض- أي الجو الحاوي على غازات مختزلة كالأمونيا والميثان في عهدها المبكر، لذا نرى أن بعض العلماء حاولوا البرهنة على أن جزيئات مهمة وضرورية للحياة نشأت وتكونت من هذا الجو يفعل الشرارات الكهربائية للبروق ومن أهم هذه المحاولات التجربة الشهيرة التي قام بها العالم الأمريكي ستانلي ميللر S. Miller عام ١٩٥٢م.
تجربة ستانلي ميللر
وضع ميللر خليطًا من الأمونيا والميثان وبخار الماء في جهازه ثم مرر شرارة كهربائية في هذا الخليط مدة أسبوع واحد، وجمع ناتج التفاعل في المصيدة Trap الموجودة في أسفل الجهاز كان الناتج عبارة عن بعض الأحماض الأمينية مع بعض المركبات البسيطة الأخرى صفق العديد من علماء التطور وابتهجوا بنتائج هذه التجربة وعدوها دليلًا على أن الخلية الحية الأولى ظهرت بهذه الطريقة أي ظهرت نتيجة إفراغ الشحنات الكهربائية للبروق في الخليط الغازي للغلاف الجوي للأرض في مرحلتها الأولى من عمرها ولكن علماء آخرين عارضوا هذا الرأي وقالوا إن هذه التجربة لا تبرهن على شيء واستندوا في هذا إلى الأسباب الآتية:
أن عدد الأحماض الأمينية الناتجة من التجربة قليل ولا يكفي أبدًا لتشكيل وتكوين الخلية الحية الأولى، إذ يجب توافر جميع الأحماض الأمينية اللازمة لتكون الخلية الحية، وهي أضعاف هذا العدد.
إضافة إلى توافر العدد والنوعية الضرورية للأحماض الأمينية يجب توافر مركبات ضرورية أخرى لا يمكن الاستغناء عنها مثل السكر والبيرورين.... Purines الخ، بينما لم تتكون ولم تظهر هذه المركبات الضرورية كنواتج للتجربة، كما يجب وجود تراكيب combinations وسلاسل لهذه المركبات في الجزيئات الكبيرة كالبروتينات والكربوهيدرات و DNA و RNA وكذلك ظهور البنية المعقدة جدًا للخلية الحية التي تستطيع التكاثر ذاتيًا، وكل هذه الشروط غير موجودة في ناتج التجربة.
استعان ميللر للحصول على هذه النواتج في تجربته بوضع المحبس أو المصيدة Trap في أسفل جهازه لتجميع نواتج التفاعلات وهذا الجزء من الجهاز جزء حيوي جدًا، لأنه يحفظ هذه النواتج من عمليات التحلل بواسطة مصدر الطاقة أي بواسطة الشرارة الكهربائية، لأن الطاقة التي كونت هذه النواتج والمركبات تقوم أيضًا بتحليل وتدمير هذه المركبات بعد مدة والمحبس هو الذي يحفظ المركبات من التحلل مرة ثانية ولكن لا يوجد في الطبيعة من يقوم بمثل هذه المهمة أي أن هذه المركبات لا تجد فرصة في الطبيعة لكي تتراكم وتتجمع تمهيدًا للخطوة الثانية من التطور.
الاعتراض الأخير أو المشكلة الأخيرة في هذه التجربة، أنه بجانب تشكل مركبات مفيدة كالأحماض الأمينية وضرورية للحياة، تتشكل وتنتج مواد أخرى قاتلة وهادمة للحياة، فمثلًا لا تظهر السلاسل الصغيرة من الأحماض الأمينية المقيدة short chain left handed السراء فحسب بل تظهر أيضا وبكميات أكبر السلاسل الطويلة من الأحماض الأمينية ذات الأيدي اليمني «long chain and right handed» الضارة وظهور هذه الأحماض الأمينية الضارة والقاتلة لا يدع أي مجال للحياة، وهكذا شاهدت الأوساط العلمية فشل تجربة ميللر في تفسير نشوء الحياة، واعترف ميللر نفسه بعد سنوات بهذا.
تجربة سيدني فوكس
بعد سنوات تجددت أمال التطوريين بالتجربة التي قام بها سيدني فوكس Sidney Fox، فقد استطاع فوكس الحصول على جزيئات شبيهة بالبروتينات من تسخين حامض أميني نفي وجاف إلى درجة ١٥٠-١٨٠ م لمدة «٤- ٦» ساعات، لأنه كان يرى احتمال وقوع مثل هذا التفاعل بالقرب من حافات البراكين. ثم أذاب ما حصل عليه في ماء حار وترك المحلول ليبرد فلاحظ تكون كريات صغيرة mi-crospheres من جزيئات شبيهة بالبروتينات وبدا أن هذه protein- like molecules، وبدا أن هذه الكريات الصغيرة لها قابلية النمو والتبرعم مما شجع فوكس على الاعتقاد بأنه ربما عثر على الطريقة التي تشكلت بها الخلية الحية الأولى.
ومع أن بعض علماء التطور صفقوا لهذه التجربة وعدوها مفتاحًا لإيضاح ظهور الخلية الحية الأولى إلا أن معظم العلماء أبدوا شكوكهم حول التجربة وحول وجود أي علاقة لها بظهور الخلية الحية الأولى وكان ميللر من أوائل المعترضين فقد صرح هو ومعه لسلي أورجل Leslie Orgel بما يأتي:
If there were places such as poly- merizetion could be accomplished, then it would still be necessary to show how the amino asid were brought to the lava and the peptides removed in an efficient manner.
أي: «إن كانت هناك أماكن مساعدة لتشكل مثل هذه البوليمرات تبقى هناك مع هذا ضرورة الإيضاح وبيان كيف جلبت الأحماض الأمينية إلى قرب الحمم البركانية، وكيف نقلت الببتيدات من هناك بشكل كفؤ».
وقال العالم البيولوجي الأمريكي إن الجزيئات الشبيهة بالبروتينات التي حصل عليها فوكس في هذه التجربة تقضي على كل أثر للحياة.
وهناك حقيقة علمية أخرى هي أن مثل هذه الحرارة العالية التي استعملها فوكس في تجربته تقضي على نوعين مهمين من أنواع الأحماض الأمينية لا غنى للحياة عنهما وهما Serine وThreonine هذا علاوة على أن مثل هذه الحرارة العالية تؤدي إلى قلب نصف الأحماض الأمينية العسراء Left-handed إلى أحماض أمينية يمينية اليد Right-handed وهذا يعني القضاء على الحياة لأن وجود حامض أميني واحد من نوع اليد اليمنى يكفي لهدم جميع الفاعليات البيولوجية أي يحب أن تكون الأحماض الأمينية جميعها من النوع الأعسر في الخلايا الحية.
تحليل المرحلة الثالثة
لنلق نظرة متفحصة على المرحلة الثالثة حسب فرضية التطوريين.
ذكرنا أن الجزيئات التي حصل عليها ميللر كانت جزيئات بسيطة وبعيدة جدًا عن الجزيئات المعقدة الضرورية للحياة، ومثل هذه الجزيئات البسيطة تتشكل حتى في الفضاء الخارجي دون أن تكون لها أدنى علاقة بالحياة.
إن نظم الحياة «Living systems» نظم دقيقة ومعقدة جدًا وتعتمد على جزيئات معقدة التركيب تدعى الإنزيمات، وهي جزيئات كبيرة من البروتينات متكونة من سلاسل معقدة من الأحماض الأمينية ذات أشكال مختلفة. تقوم هذه الإنزيمات بتسريع التفاعلات الكيميائية الجارية في الجسم بمعدل ألف ضعف سرعة التفاعل عند عدم وجود الإنزيم وأحيانا عدة آلاف ضعف، وأحيانًا تقوم ببدء التفاعلات أيضًا، ولكل أنزيم تفاعل خاص، وقد تجتمع وتشترك عدة إنزيمات على التتابع الإكمال إحدى العمليات الحيوية، فمثلًا هناك العديد من الإنزيمات الضرورية في خلايا عضلاتنا لإطلاق الطاقة الضرورية التي تحتاجها هذه الحركات.
فهل تستطيع المصادفات العمياء والعمليات العشوائية تكوين مثل هذه الجزيئات البروتينية الكبيرة والمعقدة الخاصة؟ لقد قام العلماء بحساب نسبة وجود مثل هذا الاحتمال باستخدام قوانين الاحتمالات probability فأظهر هذا الحساب أن الكون ليس كافيًا لا من ناحية الحجم ولا من ناحية الزمن لتكوين جزئية واحدة من البروتين عن طريق المصادفات العشوائية أي لو كان الكون كله مملوءًا بالعناصر المكونة لجزيئة البروتين «وهي النتروجين والهيدروجين والأكسجين والكاربون» ولم يكن هناك أي عنصر آخر «علمًا بأن عدد العناصر المكتشفة حتى الآن جاوز المائة»، وحدثت تفاعلات عشوائية بين هذه العناصر بسرعة خيالية «مثلًا مليون تفاعل في الثانية الواحدة» لما كان عمر الكون «المقدر بـ ١٥- ٢٠ مليار سنة» ولا حجمه كافيين لتكوين جزيئة واحدة من البروتين.
وكما هو معلوم فهناك عشرون نوعًا مختلفًا من الأحماض الأمينية، والبروتين الاعتيادي يحتوي في المتوسط على « 200 - 500» حامضًا أمينيًا في سلسلة واحدة، فإذا قمنا بحساب عدد الأشكال المختلفة لمائتين فقط من الأحماض الأمينية وأنواع البروتينات التي يمكن تشكيلها منها نجدها مساوية لعدد هائل هو رقم عشرة مرفوعًا لقوة ٢٦٠ «أي 260١٠» أي رقم واحد وأمامه مائتان وستون صفرًا، ولكي ندرك مدى ضخامة هذا الرقم نقول إن العلماء يقدرون عدد الذرات الموجودة في الكون أجمعه برقم واحد وأمامه ثمانون صفرًا وليست جميع هذه البروتينات صالحة للحياة، بل عدد قليل منها فقط ولو اعتبرنا عمر الكون عشرين مليار سنة، ولو قمنا بتحويل هذا العمر إلى ثوان لحصلنا على رقم واحد وأمامه عشرون صفرًا فقط.
ولو افترضنا أن جزيئة بروتين واحدة تتشكل في كل ثانية من عمر الكون فإن فرصة تشكل جزيئة واحدة من بروتين صالح للحياة تبقى مساوية للصفر تقريبًا لأنها تكون مساوية لـ «1/10 140» أي رقم واحد مقسوم على عدد واحد وأمامه مائة وأربعون صفرًا، وهو عدد يفوق عدد الذرات الموجودة في الكون بأجمعه ببلايين البلايين من المرات، ويُعَد رقم واحد مقسومًا على رقم واحد أمامه خمسون صفرًا في الرياضيات مساويًا للصفر من الناحية العملية، أي أن هذا الاحتمال غير وارد أبدًا، لذا نرى أن العالم البيوكيميائي الروسي أوبارين A.1.0parin الذي يعد أبا نظرية التطور الكيميائي يقول:
The spontaneous formation of such an atomic arrangement in the protein molecule would seem as improbable as would the accidental origin of the text of Virgil’s Annelid from scattered letter type.
أي: «إن التشكل التلقائي لمثل هذه المنظومات الذرية في جزيئة البروتين تبدو مستحيلة كاستحالة الحصول على ديوان شعر فرجل أنلد -وهو شاعر ملحمي لاتيني- من الترتيب العشوائي للحروف».
المرحلة الرابعة
لنفرض المستحيل ونقول إن تطور البروميرات الموصوفة في المرحلة الثانية قد تحقق فعلًا، إذن فإن تحقق المرحلة الرابعة يكون سهلًا، ففي هذه المرحلة تتكون كريات شبيهة بالجلي gel كانت Concavervates like glebs الكريات الصغيرة التي حصل عليها فوكس في تجربته نوعًا من هذه الكريات وكان من رأي «أوبارين» أن هذه الكريات الصغيرة لو تركت مدة كافية في مكان صالح، وفي شروط ملائمة لاستطاعت امتصاص مواد كيميائية أخرى وزاد تعقيد تركيبها ومن الجائز أن الخلية الحية الأولى، ظهرت للمرة الأولى للوجود بهذه الطريقة. وأجرى. أوبارين تجارب شاهد فيها أنه يستطيع إعطاء بعض الأنزيمات إلى هذه الكريات، وأن نشاطها الكيميائي استمر.
ولكن علينا ألا ننسى الحقائق العلمية الآتية:
هذه الكريات ليست مستقرة، بل قلقة، وتنحل بسرعة كبيرة وبسهولة.
تشكُل هذه الكريات ليست اختياريًا ولا يمكن السيطرة عليه حسب قاعدة معينة، أو حسب هدف معين إذ يتم هنا اتحاد أي مادة ذات شحنة موجبة مع أي مادة ذات شحنة سالبة.
يتم امتصاص الأنزيمات الموجودة حوالي الكريات بشكل عشوائي، لذا تدخل الأنزيمات الضارة بجانب الأنزيمات النافعة.
أن الأنزيمات وغيرها من الجزيئات النشطة من الناحية البيولوجية الموجودة في هذه الكريات المسماة Coacervates ليست مرتبة ومنظمة كالتنظيم الموجود في الخلية الحية.
لا يوجد غشاء حول هذه الكريات كالغشاء الموجود حول الخلية الحية وغشاء الخلية الحية ليس غشاءً عاديًا، بل يملك تركيبًا معقدًا تنتهي إليه نظم التخاطب والاتصال الموجودة في الخلية أي أنه جزء مهم وحيوي جدًا وله دور ومهمة خطيرة في الخلية.
إن تم امتصاص أنزيم هادم للبروتينات إلى الكريات وهو إنزيم Proteolytic فإنه يقوم بمضغ كل بروتين موجود والقضاء عليه.
مثل هذه الكريات لا تملك قابلية التكاثر، أي ليست أمامها أي فرصة لإدامة بقائها.
أمام هذه الحقائق العلمية هل ترون وجود أي احتمال أو فرصة لتحقق فرضيات التطوريين في ظهور الخلية الحية الأولى حسب السيناريوهات الموضوعة من قبلهم؟ ... نترك الجواب للقارئ.
هناك صعوبة وعقبة أخرى أمام التطوريين في موضوع النشوء الذاتي أو الظهور التلقائي للحياة بالمصادفات العمياء وهي أن الأحماض النووية D.N.A وكذلك R.N.A تقوم بإنتاج أنزيمات البروتينات. ولكن أنزيمات البروتينات هي التي تقوم و... فمن D.N.Α بإنتاج الأحماض النووية البادئ أولًا.... وكيف؟ توجد هنا حلقة مفرغة مثل: هل الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة؟ فكيف يمكن والحالة هكذا توقع تكون ونشوء الأنزيمات -وهي بروتينات معقدة- تلقائيًا؟ وكيف يمكن كذلك نشوء جزيئات DNA -وهي بنك هائل للمعلومات- تلقائيًا وعن طريق المصادفات العشوائية؟
ولكي نوفر على التطوريين جهودهم وتعبهم في الركض وراء فرضيات خيالية وغير معقولة وغير صحيحة من الناحية العلمية حول كيفية ظهور الأنزيمات الضرورية للخلية نوفر عليهم التعب ونقول لهم: هيا... قوموا أنتم بإحضار جميع هذه الأنزيمات بشكل جاهز وضعوها بالكمية وبالنسبة التي تريدونها.. افعلوا هذا ولننظر إن كان هذا يفيدكم في شيء لقد قام بعض العلماء بمثل هذه التجارب فعلًا، ولكنها فشلت جميعًا.
يقول العالم التطوري «أوبارين» حول هذا الأمر:
If, for instance, one was to prepare an artificial mixture of all the enzymes which promote the separate reactions constituting the respiratory process, he would still fall to reproduce respiration by means of this mixture... for the simple reason that the reaction velocities will not be properly and mutually coordinated.
إن قام أحدهم بتحضير مزيج صناعي من جميع الأنزيمات التي تنشئ بنية وتركيب التفاعلات المستقلة في عمليات التنفس مثلًا، فإنه سيفشل في إعادة التنفس بواسطة هذا المزيج، وذلك لسبب بسيط وهو أن سرعة التفاعلات لن تكون متناسقة ومنظمة بشكل تعاوني فيما بينها.
إن غياب مثل هذا التناسق والتناغم بين التفاعلات الجارية أهم سمة تميز التفاعلات الجارية في المختبرات عن التفاعلات المتناسقة والمتساوقة الجارية في الخلايا الحية.
توجد في جزيئات DNA اربع مجموعات كيميائية قاعدية «Bases» هي Guanine رمزه G و Cytone ورمزه C و Adanineورمزه A و Thymine ورمزه T ومن تراص هذه المجموعات «التي يستطيع تشبهها بتراص الأحرف لتكوين كلمة ثم جملة» بأشكال عديدة جدًا ومختلفة تظهر الشعرات التي تعين الخواص الوراثية للكائن الحي وتستعمل سلاسل هذه المجموعات القاعدية في تصفيف الأحماض الأمينية وتجميعها من أجل صنع البروتينات المختلفة، ولكن لا يكفي لصنع أي بروتين وجود شفرات D.N.A بل يحتاج إلى أنزيمات خاصة وتتكون من بروتينات أيضًا، وكذلك إلى جزيئات عديدة من R.N.A التي تختار وتنشط كل حامض أميني.
أي أن هذه العمليات معقدة جدًا وتحتاج إلى نظام System معقد، ولكي يتم صنع جزيئة بروتين واحدة حسب التعليمات الموجودة في D.N.A تحتاج الخلية الحية إلى أكثر من سبعين نوعًا خاصًا من البروتينات، وإلى طاقة معينة، وبدون توافر أحماض أمينية والكمية اللازمة من الطاقة والنوعيات الخاصة من الأنزيمات فإن جميع هذه العمليات تقف وتتعطل.
فهل هناك أي احتمال أو إمكانية لأن تقوم المصادفات العمياء بإنجاز وتنظيم وتعيير كل هذه الفاعليات الدقيقة لإنتاج الخلية الحية الأولى؟ علمًا بأن العلماء فشلوا في صنع الخلية الحية في مختبراتهم الحديثة مع كونهم استعملوا جميع المواد والأنزيمات المختلفة لإنجاح هذه العملية.
وقد اعتقد بعض العلماء في السابق أن الفيروسات ربما كانت المفتاح لحل لغز بدء الحياة وظهور الخلية الحية الأولى والفيروس عبارة عن بروتين يحتوي على الحامض النووي Nucleic acid قد يكون هذا الحامض النووي DNA أو RNA وهذه الفيروسات لا تتكاثر إلا متطفلة على بعض الخلايا الحية حيث يقوم الفيروس بالالتصاق بخلية حية ثم يحقن فيها حامضه النسب تمت استعادة الخصائص الوراثية لتلك الخلية. وبهذه الطريقة يؤثر عليها ويصدر أوامره إليها لصنع جزيئات D.N.A العائدة له لكي تقوم هذه الجزيئات بصنع البروتينات للغلاف الخارجي للفيروس، وبهذه الطريقة يتم صنع فيروسات أخرى بواسطة الخلايا الحية التي تتطفل عليها الفيروسات وتغزوها.
فهل يمكن أن تكون الفيروسات هي الحلقة المفقودة، أو الجسر الموصل بين عالم الجماد وعالم الأحياء؟
لقد خطر هذا يبال بعض العلماء قبل أكثر من أربعين عامًا، ثم تأكد العلماء من استحالة هذا الأمر بعد زيادة معرفتهم بخواص الفيروسات، إذ تبين أن الفيروسات تكون خامدة وهامدة لا تبدي أي أثر للحياة، ولا تنشط إلا عند اتصالها بخلية حية إذن لا يمكن أن تكون الفيروسات وجدت أو ظهرت إلا بعد ظهور الخلايا الحية وقد أثبتت تجارب العالم الفرنسي لويس باستير أن «الحياة لا يمكن أن تنشأ إلا من الحياة».
[1] يتكون الغلاف الجوي الحالي للأرض من الغازات الآتية: 78.09% من النتروجين، 20.95% من الأكسجين، 0.93% من الأرجون، 0.03% من ثاني أكسيد الكربون وكميات ضئيلة من غازات النيون والكريتون والهليوم والهيدروجين والأكسينون والأوزون وكميات متغيرة من بخار الماء.
[2] Austin.S.A. Did the Early Earth Have a Reducing Atmosphere? Institute for Creation Research, San Diego 1982 р.418