العنوان الاقتصاد الإسلامي.. مفاهيم ومرتكزات (291)
الكاتب د. محمد أحمد صقر
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1976
مشاهدات 66
نشر في العدد 291
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 16-مارس-1976
مبادئ عامة لتوجيه الموارد في الاقتصاد الإسلامي «الإنتاج والرفاهية»
يعمل النظام الاقتصادي الإسلامي من خلال الرؤية الشاملة للكون والإنسان والحياة. وهذه النظرة المتميزة هي التي تجعل الاقتصاد الإسلامي متميزًا عن غيره.
والنظرة الإسلامية الشاملة تنطلق أساسًا من خلال معايير وموازين ومقاييس وأحكام وتشريعات وردت في القرآن الكريم والسنة المطهرة أو ما يعرف باسم «الشريعة الإسلامية» والشريعة تأمر بالأعمال والنشاطات الإنسانية المرغوب فيها والنافعة حقًا وتصفها بأنها «حلال».
ولا تقبل بأعمال ونشاطات أخرى وتصفها بأنها «حرام» «1»، إذا الاقتصاد الإسلامي من مهامه الرئيسية تنظيم النشاطات الإنسانية في مجالات الإنتاج والتبادل والاستهلاك مسترشدًا بقاعدتي الحلال والحرام وما يتفرع عنهما.
ويمكننا تقسيم الإنتاج إذن إلــــــــــــــى نوعين:
- الإنتاج الاقتصادي المباح.
- الإنتاج غير المباح.
والإسلام لا ينظر إلى الإنتاج النافع كمسألة ثانوية في حياة الفرد -والمجتمع- بل يعتبره واجبًا لا يكمل الواجب الديني بدونه، بل أنه يضفي على العمل المنتج قيمة أخرى تتعدى العائد المادي -على لا شكل أجور وأرباح- تتمثل في المردود النفسي، فتصبح للعمل قيمة جمالية تغذي في الإنسان نوعًا من الشعور الوجداني بالانتماء والتكامل مع الشيء المنتج بحيث تترقى العملية الإنتاجية إلى الأفضل لأن الأفضل مرغوب لذاته «۱».
والقاعدة الذهبية التي يتمسك بها الاقتصاد الإسلامي والتي تجعله متميزًا عن غيره ابتداء، هي أن الموارد الاقتصادية يجب أن تتوجه وتتركز في إنتاج السلع والخدمات التي تشبع الحاجات السوية للإنسان. فالرفاهية هنا لها مفهوم ومضمون يختلف عن المفهوم والمضمون السائد في النظم الأخرى، فليس كل ما يشبع حاجة أو رغبة قابلًا للإنتاج. إن الرفاهية في الإسلام تتشكل حسب طبيعة الذوق والميول والنفسية التي تصوغها وتكونها المفاهيم الإسلامية.
وهذا الحصر لمفهوم الرفاهية ومضمونها يعطي الموارد الاقتصادية في أي وقت، وتحت أي مستوى فني للإنتاج، مقدرة أكبر لإشباع الحاجات الإنسانية الضرورية وغيرها اللازمة لتحسين مستوى العيش.، ذلك لأن تطلعات الإنسان للاستهلاك النامي تظل منضبطة في إطار الحلال والحرام.
وهذا الإطار من شأنه أن يسد منافذ الشهوات والتطلعات الضارة للاستهلاك والتي تستنزف جانبًا من الموارد النادرة «1».
يقول الرسول الكريم «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه». والواضح أن التحريم لم ينصب على شارب الخمر وحده، بل شمل كل النشاطات الاقتصادية الأخرى التي تجعل شربها ممكنا على عمليات الإنتاج وتسويق الإنتاج إلى المرحلة النهائية في الإنتاج بحيث لا يستطيع القاموس الاقتصادي المعاصر أن يضيف شيئًا.
وقياسًا على هذا يحرم كل إنتاج ضار بصورة مباشرة يماثل في آثاره الضارة الخمر وأي محرم ورد فيه نص.وقد يكون الإنتاج مباحًا في حد ذاته كإنتاج الأقمشة والأطعمة، ولكن المؤسسة التي تقوم بالإنتاج -والبيع- قد تستغل السوق وتمارس سياسة احتكارية، وهنا لا يحرم الإنتاج في حد ذاته وإنما يحرم الفعل اللاحق- أي لا بد أن تراعى المؤسسات المنتجة والموزعة أحكام الشريعة. وقد يمتد التحريم إلى الطريقة التي يتم بموجبها تشغيل العناصر النادرة في العملية الإنتاجية -كأن يوظف رأسمال بالربا- سعر الفائدة «1». وعلى هذا فإن العملية الإنتاجية في الإسلام لا بد أن تكون متكاملة ذاتيا من حيث المضمون والشكل أي:
أن يقع الشيء المنتج -والسلعة أو الخدمة- في دائرة الحلال. «۲» وبلغة فنية، في نطاق الاقتصاد الإسلامي يراعى مبدأ الإيراد الاجتماعي كمقياس رئيس يخضع له الإنتاج وليس الإيراد الشخصي فقد يحقق إنتاج سلعة معينة ربحًا شخصيًا للمنتج «۲» لكن هذه السلعة تلحق أضرارًا كبيرة بالمجتمع. والأضرار التي يضعها الاقتصاد الإسلامي في الحسبان ليست الأضرار المادية فحسب، لكنها قد تشمل أضرارًا أخرى كالمساس بعقيدة المجتمع وأخلاقه.
وفي الدول الرأسمالية فطن نفر من الاقتصاديين والباحثين الاجتماعيين مؤخرًا إلى خطورة الاعتماد على مقياس الإيراد الشخصي وحده في توجيه الإنتاج والموارد- وأخذوا ينبهون إلى الأضرار الأخرى التي يلحقها المنتج -أو المؤسسة المنتجة- كتلوث البيئة، وإفساد الهواء وتسميم مجاري الأنهار واندثار الثروة السمكية بفعل الفضلات التي تقذفها المصانع في الممرات المائية، وغير ذلك. تلك الأضرار التي تعتبر نفقة اجتماعية باهظة لا يدخلها صاحب المشروع ضمن نفقات الإنتاج التقليدية «1».
ومن هذا التصور فإن سلامة الأوضاع الاقتصادية لا يمكن الاستدلال عليها دائمًا باستخدام معدل النمو -أي زيادة الإنتاج- كمقياس، إذ أن المهم النظر إلى طبيعة هذا النمو وتركيب السلع، وإذا ما كان هذا النمو يتم على حساب استنزاف الطاقات الموجودة -العادية والبشرية- بمعدل غير سليم. وإذا ما كانت نوعية السلع المنتجة تحقق مزيدًا من الرفاهية الاقتصادية التي تنسجم مع مضامين ومعطيات المثل والأخلاق الإسلامية؟
الملكية ودورها في البنيان الاقتصادي.. مقارنة بين النظم:
تعتبر قضية الملكية وما يترتب علها من المعالم البارزة التي تميز نظامًا اقتصاديًا عن أخر، وبالنسبة للنظام الرأسمالي فإن أهم خصائصه، حرية التملك، وحرية الاختيار في مجالات الإنتاج والتوظف «العمل» والاستهلاك «۲». وفي ضوء هذه...
«1» هنالك ميزة رئيسية للقيم Norms & Values الإسلامية تجعلها تتفوق على القيم في النظم الأخرى.
فإذا كان للقيم دور في تسيير الاقتصاد فإن القيم الإسلامية أجدر بتحقيق نتائج أفضل من غيرها لأنها تتشكل من عنصرين:
ا- القيم الأصلية الثابتة التي تبنى على النصوص الواردة في القرآن والسنة.
ب- القيم المترتبة عليها أي القيم الإنسانية التي يضيفها فهم الإنسان واجتهاده. ولما كان الإسلام غنيًا بالقواعد المحددة -الثابتة- فإن مجال التحيز والخطأ المحتمل في الجانب الإنساني للقيم أقل مما يجعل تأثير القيم على النظام الاقتصادي من وجهة تحليلية أكثر إيجابية بينما النظم الأخرى- لأنها وضعية أساسًا ولا تستند على معايير إلهية ثابتة تعتمد بشكل شبه كامل على التجربة الإنسانية، فإن مجال الخطأ والتأثير السلبي أوسع.
«1» هذا المعنى متضمن في حديث للرسول عليه السلام «إن الله يحب إذا أتى أحدكم عملًا أن يتقنه».
«1» بالنسبة لاستقصاء نظريات سعر الفائدة ونقدها في الفكر الاقتصادي والتعليم الدينية أنظر:
محمد أحمد صقر- المصارف في ضوء التشريع الإسلامي. بحث ألقى في أسبوع ندوة التشريع الإسلامي الذي انعقد تحت إشراف الجامعة الليبية بمدينة البيضاء عام ۱۹۷۲، خاصة الجزء الأول من البحث وأنظر كذلك بحثًا شاملًا عن «الربا» للعلامة الجليل المرحوم الأستاذ محمد أبو زهرة، ألقي في نفس المؤتمر المذكور، وانظر: M.N. Siddiqui Banking without Interest «Islamic Publications Ltd., Lahore».
«2» بالطبع فإن مجال الإنتاج الحلال واسع وكبير، ومجال الإنتاج المحرم محدود وقد أشار القرآن إلى الخمر، وعلى أية حال يخضع الإنتاج المباح إلى تقدير المجتمع متمثلًا فيما تضعه الدولة من لوائح وقوانين وسياسات لتشجيع إنتاج باستخدام وسائل عديدة- وعدم تشجيع إنتاج آخر، والمقياس الأساسي هو تحقيق الصالح العام الذي حرص الإسلام على إبرازه.
«1» تسمى هذه الآثار بوفورات الإنتاج أو عدم وفورات الإنتاج External Economics and Dis Economics وكان التحليل الاقتصادي يركز على جانب الوفورات الاقتصادية على المستوى الجزئي دون النظر من وجهة كلية.. وهناك أمثلة كثيرة تثبت كيف أن الإسلام يراعي مبدأ الإيراد الكلي الاجتماعي. من المعروف فقيًا لو أن بئرًا للماء لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال المرور بأرض يمتلكها شخص آخر، فإنه يلزم شرعًا بمنح ممر وطريق إلى من يرغب في الوصول إلى الماء. ولا يستطيع المالك أن يحتج بأن الأرض تخصه هو.. وحادثة أخرى نستلهمها من إرشاد الرسول الكريم ووصيته حول حسن الجيرة، فلو أن شخصًا أتى بفاكهة -أو أي شيء مشابه- نادر كفاكهة أول الموسم، فعليه أن يراعي وضع جاره بحيث إن لم يطعمه منها، لا يليق به أن يترك أبناءه مثلا لتتمتع باستهلاكها على مرأى من أبناء الجار، فقد يؤدي ذلك إلى إيذاء الجار، أي قد تنتج عن هذا التصرف أثار غير حميدة اجتماعيًا منها: التأثير السلبي على رفاهية الجيران. والمثل الثاني يبين أن رفاهية المستهلك لا تتوقف فقط على كمية ونوعية السلع التي يستهلكها، بل إنها تتأثر سلبًا أو إيجابًا بما يستهلك الأخرون، وهذه قضية لم يفطن لها الاقتصاديون إلا مؤخرًا.. وهكذا يتبين أن الإسلام يراعي مبدأ التداخلية Inter-dependence في الإنتاج وفي الاستهلاك.
George N. Halm, Economic System: A Com-parative Analysis, Holt, Rinehart and Wins-ton, Ltd., New York, p. 15