; قصة زواج سعيد تجسد المأساة.. العرب المهاجرون ورحلة الضياع في بلاد الغرب | مجلة المجتمع

العنوان قصة زواج سعيد تجسد المأساة.. العرب المهاجرون ورحلة الضياع في بلاد الغرب

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1263

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 19-أغسطس-1997

ليس صحيحًا أن الحكومات الغربية توفر للمسلم حرية كاملة في ممارسة شعائره ولا يمكن لأي مسلم ملتزم بدينه التأقلم مع حياة الغرب إلا مضطرًا 

 بعد أربع سنوات من رحلة البحث عن إقامة وجنسية في السويد، البلد الجميل النائم على كتف القطب الشمالي، تزوج صديقنا العربي المهاجر سعيد ابن الخامسة والعشرين من امرأة سويدية، تكبره بعشرين عامًا فقط؛ ولأن الزواج من امرأة إسكندنافية أسهل وأقصر وسيلة للحصول على جنسية بلدها، لا تسألوا سعيدًا أو آلآف الشباب العرب الذين سبقوه في هذه الرحلة عن ماهية هذه المرأة وسلوكها، أو عن عدد الأزواج أو العشاق الذين مروا عليها في حياتها الطويلة، ممن هم على شاكلة سعيد لتنعم عليهم بجنسيتها مقابل مبلغ معلوم، فالزواج من أجانب مقابل الجنسية أًصبح بالنسبة لكثير من نساء الغرب مهنة كأي وظيفة أخرى. 

لم أقابل سعيدًا منذ التقيته في المرة الأولى في أحد المطاعم العربية في ستوكهولم قبل أربع سنوات، حيث كان يعمل بعد دخوله السويد بطريقة دراماتيكية على نمط أفلام هوليود، أو حتى الأفلام الهندية المفرطة بالرومانسية، لكني مع ذلك أدرك الظروف التي أحاطت بزواجه، وأحيانًا أتعاطف مع حالته من خلال معرفتي بظروفه وظروف عائلته المعيشية القاسية، كما أحتفظ لنفسي بصورة كاريكاتورية للمرأة التي اتخذها زوجة لحين انتهاء مشروع الحصول على إقامة دائمة تؤهله للجنسية، والتي تستمر في العادة سنتين أو ثلاث سنوات، وهي قطعًا صورة غير جميلة. 

 وخلال مدة «مشروع» الزواج لا بد للزوج الأجنبي من الرضوخ لمطالب الزوجة المالية والاجتماعية وغيرها، وفي الغرب -عمومًا والسويد على وجه الخصوص- يقف القانون مع المرأة دائمًا، فكلمة واحدة منها أو شكوى على زوجها تكفي للزج برفيق العمر ذي العيون الزرق في غياهب السجن، فكيف إذا كان الزوج أجنبيًا قلقًا، وهو الذي يعد الأيام والساعات حتى تأتي لحظة «التحرير» ويحصل على الإقامة؟ أتصور سعيدًا الآن في شقتها ذليلًا خانعًا، وربما يستمرئ عبارات التحقير والبهدلة، يدفع ثلاثة أرباع راتبه لزوجته «كمبيالات المشروع»، ويعد لها الطعام العربي الذي تعلم طبخه في ذلك المطعم العربي المشهور في ستوكهولم. 

ولأن دوائر الهجرة في البلاد الغربية بدأت منذ فترة بمراقبة حالات الزواج هذه «بين المواطنات ومواطني دول العالم الثالث» عن كثب، وأصبحت تحقق فيها حتى تتأكد من صحة واقعة الزواج، لم يعد ممكنًا الزواج بالمراسلة مقابل مبلغ محدد، بل لا بد أن يكون الزواج صحيحًا وعمليًا، وفي السويد -كما هو في كثير من دول الغرب حيث ينعدم الحياء- يخضع سعيد -ومن هم على شاكلته- لأسئلة محرجة وبخاصة عن طبيعة علاقته بزوجته، وهي أسئلة لو وجهها أحد لعربي في مجتمعاتنا لسالت بسببها الدماء، وتخضع الزوجة لأسئلة مشابهة عن زوجها حتى يتيقن محقق الهجرة من صحة الزواج. 

زيجات منفعية

لسنا في محل مناقشة هذا المشروع من وجهة نظر شرعية، فديننا واضح وصريح في تحريم مثل هذه الزيجات المنفعية، لكنها ظاهرة قائمة وواقعة ينبغي على القائمين على أمور العرب والمسلمين تلمس أسبابها، ووقف تداعياتها، فهناك مثلًا شركات ووكالات تعمل في بعض الدول العربية تحت أغطية مختلفة، وظيفتها «الجمع بين رأسين» لأغراض الإقامة والجنسية مقابل بضعة آلآف من الدولارات يتم فيها اختيار «العروس» من كتالوجات معدة لهذا الغرض، وحين يقع الاختيار تأتي العروس وتعقد زواجها في البلد العربي؛ حيث إجراءات الزواج أسهل، ولا حاجة لشهادة عزوبية من الزوج، وبعد دفع العربون للزوجة، وتصديق شهادات الزواج وغيرها من الأوراق تحملها الزوجة إلى بلدها، وتقدم طلبًا لاستقدام زوجها حيث تبدأ مرحلة الابتزاز والإذلال. 

سعيد لم يتزوج في بلده؛ فقد جاء ستوكهولم أعزبًا وسيمًا، مفعمًا بالأمل والحماس، واختار أسلوب المغامرة في الدخول إلى ذلك البلد الإسكندنافي ليحقق -كما يقول- حلمه في حياة كريمة، فيها الكثير من الحرية والمال الذي افتقده في بلده، لم يستطع سعيد الحصول على فيزا لدخول السويد، لكنه حصل على فيزا لدخول جارتها، فنلندا بطريقة يعلمها محترفو التهريب والتزوير، وهناك سار حسب تعليمات الدليل العربي أو نقطة الاتصال التي حددت له والتزم بها. 

ركب سعيد باخرة ركاب من هيلسنكي إلى ميناء ستوكهولم، وهناك في الميناء لا توجد أنظمة دخول بوليسية، ولا طوابير تمتد لساعات أمام مكاتب تدقيق الجوازات كما هو الحال في دول العالم الثالث، والرابع، الأوربيون الزائرون في العادة لبلد أوروبي آخر يرفعون جوازاتهم أو حتى بطاقات هوياتهم من بعيد، ويلوحون بها لموظف الجوازات الذي يكتفي بابتسامة، أو حركة من رأسه ليأذن لهم في الدخول دون تدقيق أو طبع ختم الدخول، وبعضهم واثق بنفسه زيادة عن اللزوم فلا يكلف نفسه عناء إخراج جوازه أو هويته، ويعبر دون أن يوقفه أحد، أما غيرهم مثلنا الذين تبدو عليهم الملامح الشرق أوسطية فلا بد أن يتوقفوا أمام كتب الجوازات لبضع دقائق للتأكد من الفيزا، وتدقيق جوازاتهم. 

كانت قسمات سعيد و«سحنته» عربية واضحة، ولذلك فإن التلويح بالجواز أو الهوية على طريقة الأوروبيين فيه شيء من المغامرة، كما أنه لا يمكنه أن يتوقف أمام الحاجز حيث لا يحمل فيزا دخول، تلفت يمنة ويسرة وكان عليه أن يتصرف بسرعة، فركاب الباخرة يهرولون نحو البوابة خارجين، رأى امرأة شابة شقراء تسير ببطء مع طفلتها ذات الثلاث سنوات فأسرع نحوهما قبل أن تقتربا من الشرطي الواقف وسط الطريق يتفرس في وجوه القادمين ليوقف من يظن أنه قادم متسلل، اقترب سعيد من الطفلة الصغيرة وركلها بحركة سريعة من قدمه فوقعت على الأرض، توقف سعيد وانتشل الطفلة وهو يهدئها، ويعتذر من والدتها، وتبرع بحملها لها، ثم عبروا من أمام الشرطي وسعيد يداعب الطفلة ويلاطفها، وظن الشرطي أن الشاب زوج السويدية الشقراء ووالد الطفلة فلم يوقفه، وهكذا دخل الشباب العربي ستوكهولم مدينة أحلامه. 

غسل الصحون والطناجر

وفي المطعم العربي بدأ سعيد رحلة العمل في غسل الصحون والطناجر وجليها مقابل راتب اعتبره خياليًا بالنسبة لما يمكن أن يتقاضاه في بلده، ولم يكن يدفع ضريبة على دخله؛ لأنه يعمل بشكل غير قانوني وخلف الأبواب، مما وفر عليه حوالي نصف راتبه، وهكذا استطاع سعيد أن يحقق حلمه الأول بعد أن أمن لنفسه وظيفة «مجزية» وسكنًا تابعًا للمطعم مع عمال عرب آخرين، وصار يرسل لوالديه مبلغًا شهريًا لإعانة أسرته الفقيرة، وكان لا بد له أن يبحث عن وسيلة للحصول على الإقامة والجنسية السويدية. 

إن الحصول على إقامة دائمة في معظم دول أوروبا الغربية لا يمكن أن يتم إلا بثلاث طرق: تأمين عمل بشكل قانوني، أو باللجوء السياسي أو الإنساني، أو بالزواج من فتاة تحمل جنسية البلد الغربي، من الصعب أن يحصل عربي أو غيره على فرصة عمل في دولة أوروبية كالسويد وخصوصًا إذا كان طالب العمل لا يحمل مؤهلًا علميًا، أو خبرة؛ وذلك بسبب ارتفاع معدلات البطالة بين المواطنين والتي تصل في أوروبا إلى حوالي (10%) من مجموعة القوى العاملة المحلية، أما اللجوء السياسي أو الإنساني فكان محصورًا بجنسيات عربية محددة كالصومال والعراق، كما أنه لا بد لطالب اللجوء من تقديم مسوغات ومبررات قوية تقنع إدارة الهجرة بقبول طلبه، ولأن سعيدًا لم يكن صوماليًا ولا عراقيًا، ولم يكن يحمل مؤهلًا علميًا غير شهادة الثانوية العامة، لم يكن أمامه سوى خيار الزواج، وهو ما حصل بعد سنوات من مطاردة رجال الأمن والشرطة له في محطات القطارات والأنفاق. 

ولتبرير مغامرته -وإن كانت تستحق منه كل هذه المعاناة- زعم بأنه جاء باحثًا عن الحرية في بلاد الديمقراطية وحقوق الإنسان، إضافة إلى البحث عن عمل يوفر له ولعائلته لقمة عيش كريمة، ومع أنه غير ملتزم (على دماثة خلقه)، إلا أنه جادلني بأنه حتى المسلم الملتزم يستطيع في الغرب ممارسة شعائره الدينية بحرية كاملة، داعمًا رأيه بنكتة الشيخ عبد الحميد كشك –رحمه الله- حين كان يتحدث عن الاعتقالات العشوائية لشباب المساجد، والتهم الموجهة إليهم «ضبط متلبسًا بصلاة الفجر» ومع التسليم بصحة «نكتة» الشيخ كشك وانطباقها بشكل أو بآخر على بعض بلادنا العربية إلا أن المضايقات على الحريات في بلد سعيد لم تصل إلى حد تصيد «الفجريين» واقتناصهم في عتمة الليل، كما أن حسابات الربح والخسارة دنيويًا وأخرويًا ترجح –في كثير من الأحيان وليس كلها بالطبع- كفة لزوم العرب والمسلمين بلادهم. 

وليس صحيحًا أن الحكومات الغربية توفر للمسلم حرية كاملة في ممارسة شعائره الدينية؛ فكثيرًا ما يمنع المسلم من صلاة الجمعة بحجة أن وقتها يكون أثناء ساعات العمل الرسمي، ومسجد ستوكهولم -على سبيل المثال- لا يفتح أبوابه للمسلمين في جميع الصلوات، وليس مسموحًا حتى برفع الأذان فيه، وينطبق هذا المنع في كل الدول الغربية، وقبل هذا بالطبع هناك مظاهر الانحلال والتفسخ الاجتماعي والديني والأخلاقي في بلاد الإباحية والحريات اللامحدودة، التي لا يمكن أن تكون تربة صالحة لتربية أطفال العرب والمسلمين، وإذا ما سألت العائلات المسلمة في بلاد المهجر عن أكبر مشكلة تؤرقهم لوجدتها مشكلة مشتركة، وهي الخوف على أولادهم وبناتهم، خصوصًا إذا ما قاربوا سن البلوغ، مما يدفع كثيرين منهم إلى العودة إلى بلادهم حفاظًا على أطفالهم. 

     لا يمكن لأي مسلم محافظ على دينه التأقلم مع حياة الغرب إلا مضطرًا، وبعضهم يدفع ثمنًا غاليًا في سبيل ذلك، من الضحايا الذين تعرفت عليهم عربي مسلم قضى سنوات طويلة من عمره في أحد السجون الأوروبية بتهمة الشروع في قتل زوجته العربية، بعد أن أيقن من خيانتها له وسط أجواء الإباحية والحرية، ولأن الزوجة تعلم بأن أحدًا -وإن كان زوجها- لن يستطيع رفع يده أو صوته عليها محتجًا على سلوكها بسبب القوانين التي تشجع المرأة على الانحلال والانحراف وهناك الآلآف من مثل هذه القصص التي حدثت وتحدث بين المجتمعات العربية والمسلمة في الغرب، وهل يعقل أن يُحبس مسلم في أمريكا مثلًا، ويصادر منه طفله ليعيش في إحدى دور الرعاية، لأن جيرانه شاهدوه يقبل ويحتضن ابنه الصغير فاتهموه بالتحرش الجنسي؟ وكيف يتصرف الأب المسلم مع ابنته البالغة إذا ما رغبت بتقليد زميلاتها في المدرسة أو الكلية، وخرجت مع صديقها؟ فالقانون معها والوالدان لا يمكنهما منع الأبناء من ممارسة حياتهم بالطريقة التي يريدون، بل ويمكنهم ببساطة حبس والديهم بأي تهمة نعتبرها نحن في مجتمعنا المسلم حقًا للوالد على أبنائه. 

يوجد في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية حوالي عشرين مليون مهاجر مسلم منهم أكثر من (12) مليون عربي إضافة إلى المهاجرين أو المقيمين هناك بشكل غير قانوني، وغالبية هؤلاء هاجروا إما بحثًا عن فرصة عمل لم يجدوها، أو لم يستطيعوا الحصول عليها في بلاد العرب والمسلمين، أو هروبًا من اضطهاد حكوماتهم لهم، أو بسبب قمعها للحريات العامة، وانتهاك حقوق الإنسان. 

إن كثيرًا من هؤلاء المهاجرين من ذوي الخبرات والمؤهلات التي يحتاجها عالمنا العربي بدلًا من العمالة الأجنبية المكلفة، والتي أثبتت التجارب أنها أقل كفاءة وأهلية من الخبرات العربية والمسلمة في اختصاصاتها، وهناك الكثير من أصحاب الكفاءات العرب الذين غادروا منطقة الخليج بعد الغزو العراقي للكويت، وبسبب حالة الحرب بين الأشقاء العرب سافر هؤلاء إلى أستراليا وكندا والولايات المتحدة، ثم عادوا إلى منطقة الخليج بعد حصولهم على جنسيات غربية؛ أي بعد سنوات من رحلة ضياع لهم ولعائلاتهم في بلاد المهجر. 

    يستطيع وطننا العربي استيعاب الكفاءات المهاجرة بتطبيق سياسات التكامل الاقتصادي العربي الموضوعة على الأرفف منذ سنوات عديدة، وبتوفير مناخ مناسب من الحريات العامة، واحترام حقوق بني آدم، وحتى يتحقق هذا الحلم في وطننا العربي تظل العائلات العربية والمسلمة تحن وتتوق إلى العودة إلى بلادها لتمارس دورها، وتربي أبناءها تربية عربية إسلامية طالما افتقدوها في بلاد الغرب. 

الرابط المختصر :