العنوان بين الأدب الروماني والإسلام
الكاتب أحمد الطحان
تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1973
مشاهدات 80
نشر في العدد 167
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 11-سبتمبر-1973
بين الأدب الروماني والإسلام
يقدمه: أحمد محمد عبد الله
تنوعت الكتابات- على ندرتها- في هذا المجال، وقد كان للأدب الفارسي بشكل خاص الجانب الأكبر من الاهتمام لاقترابه من الأدب العربي الإسلامي, حيث إن الأول قد أخذ من لون الأخير واصطبغ فيه فكان في حقيقته جديرا بالبحث والاهتمام والمقارنة، أما الأدب الرومي فإنه يندر الحديث عنه أو الاهتمام به, وذلك يعزى إلى التباين الحضاري الشاسع بين العرب والرومان وقد فتح المسلمون بلاد الدولة البيزنطية فتأكدت تلك الهوة ولا ريب، لقد أطال الأدباء العرب حديثهم عن الخيام وبالذات عن رباعياته وفلسفته في الحياة, ثم إنهم لم يغفلوا الحديث عن طاغور شاعر الهند فيلسوف الطبيعة والصفاء فيها، وكان ذلك ضمن دراسات مقارنة إلى جانب الحديث عن الأدب الأوروبي الحديث. والجدير بالذكر أن ضمن البعض من الأدب الروماني الكثير من نقاط الاتفاق الفكرية والإنسانية إذا ما قورنت بالإسلامي منها، والأدب- كما نرى- هو تعبير عن قيم ينفعل بها ضمير الأديب، فكما تكون القيم- ضمن ما يؤثر عليها من عوامل- يكون الأدب ويكون الفن، ولقد وقعت تحت يدي البعض من فقرات الأدب الروماني- على اعتبار أن قائلته رومانية- مع العلم بأن للقيم الإنسانية القيادة الأساسية في ذوقه ومبناه ومعناه, كان عمرو بن العاص يحاصر بلبيس عندما هرعت مارية- جارية أرمانوسة ابنة المقوقس حاكم مصر؛ لتصف وحشية الفتح والفاتحين بعد أن ضلل البطارقة مفاهيمها ووضعت بينها وبين الحقيقة جدارا، قالت الجارية شعرا:
«ستذوق كل شعرة منك ألم أيتها الشاة المسكينة»
«ستذوق كل شعرة منك ألم الذبح قبل أن تذبحي»
«قوني يا إلهي لأغمد فـي صدري سكينا يرد عني الجزارين»
«يا إلهي قو هذه العذراء لتتزوج الموت قبل أن يتزوجها العربي»
ثم توصلت مارية إلى حقيقة الإسلام، وتغير مفهومها عن الفاتحين؛ فما عادت تصف عمرو بأنه جزار يجر وراءه أربعة آلاف جزار، ولكنها بدأت تنقل حقيقة مشاعرها بعد الفهم:«على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها»
«تركها الأمير تصنع الحياة وذهب هو يصنع الموت»
«هي كأسعد امرأة ترى وتلمس أحلامها»
«إن سعادة المرأة أولها وآخرها بعض حقائق صغيرة كهذا البيض».
«على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها»
يمامة سعيدة، ستكون في التاريخ كهدهد سليمان نسب الهدهد إلى سليمان وستنسب اليمامة إلى عمرو واها لك يا عمرو، ما ضر لو عرفت اليمامة الأخرى.
يقول الواقدي: إن مارية قد أحبت عمرو بن العاص دون أن تراه, وبقيت تحبه حتى ماتت على ذلك الحب، وهي في فقرتها الأخيرة من «نشيد اليمامة» تذكر طرفا من قصة طريفة حدثت وعمرو بن العاص يهم بالرحيل إلى الإسكندرية؛ لقتال الروم فقد باضت يمامة على فسطاطه, و همت بأن تجلس عليه؛ ليفقس, وعندما أراد الجنود هدم الفسطاط رفض عمرو وقال:«قد تحرمت في جوارنا أقروا الفسطاط حتى تطير فراخها، فأقروه» ثم إن مارية ترمز بقولها: واها لك يا عمرو ما ضر لو علمت باليمامة الأخرى, ترمز إلى حبها لعمرو وعدم الكرامة بذلك لانشغاله العظيم بفنون الحرب والفتح، وعلى الجملة فإن في آداب الأمم الأخرى- كفارس والهند والرومان واليونان- فن، وفيها قيم معينة، كانت تمثل الواقع الاجتماعي والعقائدي والحضاري في غالب الأحيان، وإن في دراسة آداب تلك الأمم خير معين لنا على فهم الحقيقة الأساسية في كل فن رفيع، وهي أن الفن جزء من واقع الفرد وعرض لقيمه وأفكاره، عرض لا لمجرد العرض، بل عرض بدافع تلك القيم، بل وانطلاقا أساسيا منها وإليها.
فهمي مصطفى
دعوة للمشاركة
الأخوة والأخوات القراء، إنه لمما يشرفنا - في هذا الباب الأدبي - أن ندعوكم لمشاركتنا في المجالين الأدبي والفني كل في مجاله، هذا وإننا على استعداد لعرض المحاولات الأدبية في الشعر والقصة والمسرحية وبقية الأغراض الفنية الأخرى التي يرسلها لنا براعم الأدب الإسلامي الناشئ تمكينًا لهم من اكتشاف أخطائهم والتوجه نحو الوجهة الصحيحة في الغرض المعروض، كما وإننا نرجو من الأخوة الضالعين في الفنون والآداب يزودونا بنصحهم وإرشادهم وسنتبع دائمًا - بإذن الله - تصوراتنا الإسلامية في الرفض والقبول لتلك النماذج والإرشادات والله الموفق.
منهج للأديب
الكاتب الحق لا يكتب ليكتب، ولكنه أداة في يد القوة المصورة لهذا الوجود، تصدر به شيئًا من أعمالها فنًا من التصوير، وإذا اختير الكاتب لرسالة ما، شعر بقوة تفرض نفسها عليه، منها سناد رأيه ومنها إقامة برهانه، ومنها جمال ما يأتي به فيكون إنسانًا لأعماله وأعمالها جميعًا، له بنفسه وجود وله بها وجود آخر، ومن ثم يصبح عالمًا بعناصره للخير أو الشر كمـا يوجه، ويلقى فيه مثل السر الذي يلقى في الشجرة لإخراج ثمرها بعمل طبيعي يرى سهلًا كل السهل حين يتم، ولكنه صعب أي صعب حين يبدأ، هذه القوة هي التي تجعل اللفظة المقررة في ذهنه معنى تامًا، وتحول الجملة الصغيرة إلى قصة، وتنتهي باللمحة السريعة إلى كشف عن حقيقة، وهي تخرجه من حكم أشياء ليحكم عليها، وتدخله في حكم أشياء غيرها لتحكم عليه، وهي هي التي تميز طريقته وأسلوبه، وكما خلق اللون من الإشعاع تضع الإشعاع في بيانه، ولا بد من البيان في الطبائع الملهمة ليتسع به التصرف إذ الحقائق أسمى من أن تعرف بيقين الحاسة أو تنحصر في إدراكها.
وكثرة الصور البيانية الجميلة، للحقيقة الجميلة هي كل ما يمكن أن يتسنى من طريقة تعريفها للإنسانية، ولهذا ستبقى كل حقيقة من الحقائق الكبرى كالإيمان والجمال والحب والخير والحق، ستبقى محتاجة في كل عصر إلى كتابة جديدة في أذهان جديدة.
مصطفى صادق الرافعي
صور من حضارتنا
القضاء بين التشريع والتنفيذ
بينما كان سحنون ينظر في أمور الناس ويبت في شكاويهم، إذا بغلامه يخبره بأن القائد ابن الربيع عاد من معاركه منصورًا وقد سبى عددًا من حرائر النساء وأخذهن أسيرات إلى قصره!! وبينما كانت طبول الاحتفاء تقرع لموكب القائد المظفر، كان سحنون يفكر في ذلك مليًا، أرسل القاضي إلى القائد يخيره ببطلان ما أقدم عليه وأن الشرع يحرم ذلك ويعتبره اعتداء وكفرًا فما كان من ابن الربيع إلا أن رد رسول القاضي بشيء من الاستعلاء والآنفة، كان لابد لسحنون وهو القاضي الورع والمؤمن الذي لا يتهاون في دينه وشرعه أن يلجأ إلى سلطته، لإحقاق الحق وإبطال الباطل استعان القاضي بالأمير محمد بن الأغلب فلم يعنه فأرسل أعوان ديوانه إلى أطراف البلاد ونواحيها يطلب من المؤمنين تأييده والوقوف بجانبه لمقارعة ابن الربيع الذي أعلن عصيانه على شرع الله وقوانينه، لم تمض أيام ثلاثة حتى كان تحت تصرف سحنون ألف من الشباب المؤمنين المستعدين للقتال تجمعوا من أنحاء البلاد لإعانته على دينه ما كاد سحنون يفرغ من صلاة المغرب في جامع عقبة بن نافع الكبير حتى أخبر الناس بعزمه على استعمال القوة العسكرية لردع القائد ابن الربيع وتحرير الحرائر من النساء اللواتي سباهن على غير شرع الله وسنن رسول الله، كان الناس فريقين بين مؤيد ومعارض، فطلب سحنون من المؤيدين أن يجهزوا أنفسهم كجنود احتياط إذا ما لزم الأمر أما الفريق الآخر فقد أمره بالصدق وألا يرتكب معصية التشجيع على المنكر بعد القعود عن إزالته سادت البلاد حالة الاستنفار فأرسل الخليفة إلى سحنون يأمره بعدم استثارة الأمة وإثارة الفتن في البلاد فما كان من سحنون إلا أن كتب رساله إليه ضمنها خبر استقالته من القضاء وعزمه على تنفيذ حكمه في ابن الربيع قبل الاعتزال، مما جعل الخليفة يلزم منزله ثلاثة أيام مترددًا بين تأييد الشرع وتحمل سخط القائد القوي في أنحاء البلاد وبين سخط الله والحيلولة دون تنفيذ شرعه.
وقف القاضي سحنون يوجه جنده بادئًا في تنفيذ مهمته: إني قيامًا بالواجب الشرعي أمركم بأن تمضوا إلى دار ابن الربيع وتضربوها عليه فإذا فتح الأبواب أبلغوه سلامي وإني عزمت عليه أن يخرج الحرائر اللواتي سباهن، وإياكم أن تمكنوه من غلق الأبواب في وجوهكم فيجتمع هو وحراسه ومن معه ويدافعوكم ويمضي الأمر إلى إراقة الدماء، وأن هو لاطفكم ومانعكم وتمرد على إذني فاشغلوه حتى يلج سبعة من شيوخكم فإذا انتهوا إلى الباب الأوسط نادوا: أيها الحرائر المسبيات أن القاضي يأمركن بالخروج إليه، فإذا خرج الحرائر عن آخرهن فإنكم تحضرونهن إلى مجلسي.
ذهبت الكتيبة التنفيذية ونفذت الخطة وقد تمرد القائد فقبضوا عليه وحملوا السبايا إلى سحنون فأمر بإيداعهن بدار الحفظ.
جالت الأمور في القيروان وبقية أرجاء الدولة وكان الشعب في جانب القصر معارضًا لاعتداء القائد على شرعية الأحكام ووقوف الخليفة إلى جانبه فما كان من الخليفة إلا أن أقر سحنون على عمله وأرسل له برسالة تقول: إلى قاضي المسلمين سحنون، جازاك الله عن نفسك وعن المسلمين خيرًا فقد أحسنت أولًا وآخرًا فامض على أحسن نظرك واستقم كما أمرت، حقًا من عظم الله في نفسه أذل له عظماء خلقه.
أحمد محمد الطحان