العنوان الأيديولوجية القادمة لمواجهة الغرب
الكاتب جراهام فوللر
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أكتوبر-1996
مشاهدات 74
نشر في العدد 1221
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 15-أكتوبر-1996
من الطبيعي أن هناك فراغًا هائلًا نتج عن اختفاء الماركسية اللينينية السوفييتية من الخارطة السياسية العالمية، لكن هذا لا يعني بالضرورة اختفاء الفكر اليساري، وعليه يبرز السؤال: هل ما نحن بصدده أخلاقيات غربية أم هي مبادئ وأخلاقيات ومثل عالمية؟ وهل يتوجب على العالم غير العربي أن يمر بنفس التجارب والمعاناة حتى يصل إلى القبول التام بتلك المبادئ والمثل؟ أم أن هناك رايًا آخر يرفض ذلك النموذج الغربي ليس فقط لصعوبة تنفيذه، بل لمشاكله العديدة التي تعاني منها المجتمعات الغربية والتي تناولها الكاتب بريجنسكي (۱)، بالإضافة إلى المصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي تسببت فيها وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي« راجع كتب سوزان جورج (۲)، (٣)، وكيفين دانا (٤)».
رغم ذلك لا يسع المرء إلا أن يقبل الحقيقة التي تقول إن القيم التي ينادي بها الغرب هي في محصلتها قيم مقبولة وعلمية، فمما لاشك فيه أن الناس مهما اختلفت أعراقهم وجنسياتهم يتوقون إلى أن يكون لهم صوت مسموع في الأمور التي تخص حياتهم ومستقبلهم، وهو مفهوم الديمقراطية، كما أنه لا يوجد نظام سياسي أو اقتصادي له القدرة على إنتاج هذه الكمية من السلع الضرورية لهذه الكمية من الناس كنظام السوق الحر. من هذا المنطلق أحسب أن تلك القيم علمية وإن كانت هناك أسباب تاريخية أدت إلى ترسيخها في الغرب أولًا، ولكن هناك نقطة مهمة وهي أن مدى تعميم وترسيخ ذلك النموذج في العالم الثالث سيختلف باختلاف الثقافات والديانات والعادات الاجتماعية، وحتى في الغرب فإن لهذا النموذج في الغرب« أمريكا» سلبيات ومشاكل لا حصر لها. جعلت كثيرًا من الكتاب الأوروبيين يصرحون بأن نموذج المجتمع الأمريكي لا يصلح لأن يكون مثالًا يحتذى ويطبق أوروبيًا.
في واقع الأمر توجد عيوب كثيرة «عددها برجينسكي في كتابه المشار إليه أنفًا»، تحتاج إلى النظر فيها بتمعن وبعمق، هذا التفكير يجب أن يتناول الموازنة بين الحرية الفردية التي تكاد تكون مطلقة في المجتمع الغربي وحرية المجتمع، وكذلك التفكك الأسري والاجتماعي عامة، ومدى المسؤولية الاجتماعية للأفراد في مجتمع ليبرالي الحقوق الاجتماعية مقابل الالتزامات والواجبات الفردية تجاه مجتمعهم، وهكذا بدأ النقاش للنموذج الأمريكي الذي بدأ عاريًا تحت المجهر. هذا لا يعني أن العالم الثالث قدم نموذجًا أفضل بل العكس هو الصحيح فإن كثيرًا من دول العالم الثالث فشلت في اللحاق بركب الحضارة الحالي الذي أنتج على أعلى مستوى معيشي في تاريخ البشرية وكذلك في العلوم والآداب والحرية السياسية، ولكن في نفس الوقت فإن النموذج الغربي الحديث ابتكر أعتى النظم القمعية الديكتاتورية التي أفنت أكبر عدد من البشر - في العالمين الغربي والثالث – في تاريخ البشرية «راجع كتاب برجنيسكي»، ولسوء الحظ فإن العالم الثالث وجد أن من الأسهل اقتباس هذا الجانب المظلم من النموذج الغربي أكثر من الجانب المشرق وهو جانب الرفاه المادي، والحرية السياسية التي يفتخر بهما الغرب.
الجانب المظلم للرأسمالية والديمقراطية ونظام الأمة «الدولة»
يواجه العالم الثالث أزمات اقتصادية واجتماعية رهيبة، أهمها وأولها زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء وأسباب ذلك كثيرة منها طبعًا الازدياد المضطرد للسكان الذين ينزح كثير منهم من الريف إلى المدن الكبيرة سعيًا وراء وظيفة أحسن تلك الأزمات تجعل الدولة غير قادرة على مواجهة إلتزاماتها، مما يولد جماعات الاحتجاج والمعارضة، وهذا بدوره يقود الدولة لاستعمال القمع الذي كلما زادت حدته كلما زادت قوة المعارضة ونوعيتها من السلمي إلى العنيف، هذا ما كان من أول الأعمدة التي يقوم عليها النموذج الغربي «الرأسمالية». ثاني الأعمدة هو النظام الديمقراطي، وهو في واقع الأمر نظام ثوري بمعنى أنه يقلب كثيرًا من المعتقدات في العالم الثالث رأسًا على عقب، حيث يسيطر على النظام السياسي في تلك الدول في أطر عرقية، أو قبلية، أو دينية، وحيث توجد اقليات عرقية أو دينية هي التي تسيطر على مقاليد الحكم، بينما الأغلبية العرقية أو الدينية لا تصل إلى الحكم «انظر إريتريا، وأوغندا، ورواندا»، فأي تغيير ديمقراطي لتلك الأوضاع يعني تغييرًا اجتماعيًا حادًا، مما جعل الطبقة الوسطى المستنيرة تنحاز إلى تلك النظم الجائرة القمعية بدلًا من محاولة تطبيق الديمقراطية، الذي قد يقود إلى هزات اجتماعية وسياسية تأكل الأخضر واليابس.
ثالث الأعمدة التي يقوم عليها النموذج الغربي هو مفهوم الأمة - الدولة، هذا المفهوم الذي يقابله في العالم نموذج الإثنية والعرقية، وقد بدا ذلك واضحًا في أوروبا، حيث نشاهد التصدع المؤلم على أساس العرق، كما حدث ليوغسلافيا، وحيث تسعى مجموعات عرقية لإثبات حقوقها الإثنية والدينية والسياسية في شكل دويلات نامية. وهذا التفكك للدولة الكبيرة إلى دويلات صغيرة لا يمكن تفاديه «الشيشان، وروسيا»، إلا بأن تعترف الدولة الأم بالفوارق الإثنية العرقية والدينية لمواطنيها، ومن ثم تبتكر نظامًا فيدراليًا أو كونفدراليًا يشبع طموحات تلك الشعوب أو الجماعات التي كانت تنضوي تحت لوائها، وإلا فإن تلك الدول التي لا تقبل بالواقع ستظل عرضة للاضطرابات الأهلية والتدخلات الأجنبية والاستمرار في القمع الداخلي لرعاياها.
أما الضغوط الخارجية المتواصلة فيما يخص حقوق الإنسان، والمناداة المتواصلة لدول العالم الثالث للحفاظ عليها، يقود لنفس النتيجة وهي تفكك تلك الدول النامية، مما يجعلها تتهم الغرب بأنه يسعى لتفتيتها حتى يسهل السيطرة عليها، ويساهم الإعلام الغربي والجمعيات غير الحكومية NGO على زيادة الضغط، كل ذلك يجعل دول العالم الثالث تسعى نحو التكتل لتواجه مؤامرات والاعيب الإمبريالية الحديثة. بالإضافة لكل ذلك فإن الدول النامية تواجه تحديًا آخر في اتجاه التقليل من سيادتها الوطنية عن طريق تنامي نفوذ الهيئات والمنظمات، الدولية وفوق الدولية التي تستغل اهتماماتها الجديدة بحقوق الإنسان والمحافظة على البيئة وتأصيل الأفكار الديمقراطية وبقية الإلتزامات والأتفاقات الدولية التي تقيد سيادة تلك الدول وهو بالضبط ما يشكل هاجسًا لها، ومن ثم لا يبقى لتلك الدول إلا أحد طريقين: إما أن ترفض محاولة الدول الغربية في محاولتها لتدويل حكومات العالم الثالث عن طريق تلك القيود والقيم المفروضة عليها، والتي لم تجن منها دول العالم الثالث إلا مشاكل جديدة، أو أن تحاول دول العالم الثالث السيطرة على برامج نفس تلك المؤسسات الدولية، ورفض قرارات مجلس الأمن والاعتماد على أغلبيتها في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
الثقافة العلمية وقيم العالم الثالث
بقاء قيم العالم الثالث مهدد بهجوم ثقافي عالمي مهد له نظام الاتصالات والتسويق الحديث على هيئة أفلام وكتب وبرامج تليفزيونية، مما أدى إلى فقدان سيطرة تلك الدول على مجتمعاتها ومسخ هوياتهم ورموز ثقافتهم. وأعقب ذلك قلق وخوف من المستقبل للماديين - في تلك الدول - على مقدساتهم ومعتقداتهم مما أعطى مزيدًا من الدفع والتبرير والتسويغ للجماعات الأصولية التي تنادي بالأصالة الثقافية والحفاظ على القيم التقليدية والدينية، ورفض الثقافات الغربية، وبالتالي فإننا نستطيع أن نخلص إلى أن الصراع الدائر الآن ليس هو . كما يقول صاحب نظرية« صراع الحضارات» بروفيسور هنتجتون - صراع بين كنفوشيوس والمسيح والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو في الواقع أساسًا لصراع يقوم على عدم العدل في توزيع القوة والثروة والنفوذ بالإضافة إلى الشعور بعدم الاحترام والتقدير - الذي يبديه أفراد المعسكر الغربي لبعضهم البعض - ولا يبدوه للدول النامية، إن الثقافة هي في الواقع وعاء للتعبير عن الصراع وليست سببًا لذلك الصراع. ولذلك نجد كلمتي «الاحترام»، و«التقدير» تجري على ألسنة زعماء الأقليات المضطهدة في داخل الدول الغربية. وعليه فإن الغرب لا يستطيع تجاهل كل ذلك لأن قلاقل واضطرابات في جزء من العالم سيكون له مردود على دول العالم الأخرى بدرجات متفاوتة في شكل حروب محلية« الصومال»، ولاجئين، وحظر تجاري، وأسلحة تقليدية وأسلحة دمار شامل وهجمات إرهابية، كل ذلك ينبع من الفشل الداخلي للدول في العالم الثالث، ولذلك نجد أن أي هزات واضطرابات في أي مكان من العالم تكون لها إسقاطات على المجتمع الدولي شاء أم أبي.
وواضح أن مجرد إعادة توزيع الثروة غير ممكن، ولن يكون هو الحل، ولكن وجود الفوارق الاقتصادية الرهيبة يجب أن يعالج ذلك، لأن الغرب لن يتمكن من الحجر على الدول الفقيرة ومشاكلها إلى الأبد بنفس القدر الذي لا يمكن للدول الحجر على فقرائها وإقصائهم عن مجتمع الأمة. وهنا يجب أن نقف ونوجه تساؤلًا آخر: كيف ستكون المواجهة بين الأيديولوجية القادمة أو التالية وبين الغرب؟ هل ستمر الأيديولوجية القادمة بنفس مراحل الصراع الذي مرت به روسيا البلشفية أو الدولة الصينية الحديثة، أو إيران في صراعهم مع الغرب؟ أم أن دول العالم الثالث ستتحد في منظومة واحدة وتجمع قواها المواجهة الغرب في جبهة عريضة حتى يكون لها صوت قوي في المنظمات الدولية؟ الجواب يعتمد على نوع القيادة التي ستبرز من بين هذه الدول لتضطلع بهذا الدور الريادي، وكما قال جمال عبد الناصر عن الفترة التي أعقبت استقلال كثير من دول العالم الثالث «إن الساحة السياسية في الشرق الأوسط تملك دورًا هائمًا على وجهه يبحث عن بطل أو قائد» فهل يا ترى دول العالم الثالث وهي تعاني كل تلك الضغوط والمشاكل تشكل هذا الدور الذي يحتاج لقائد أو بطل أو أبطال للدفاع عن قضاياها؟
وهل يأتي ذلك المنقذ من منطلق يساري علمي أم منطلق قومي ديني؟ وما هي ملامح ومقومات القيادة القادمة مستقبلًا؟ إنني أرى أن النظام أو الدولة التي ترشح لقيادة العالم الثالث يتوجب أن يكون لها عمق تاريخي حضاري وشعور بعظمة حضارتها، ونوع من الاستمرارية لدورها التاريخي، كما يجب أن يكون لها دور تاريخي في مناهضة الاستعمار، وأخيرًا يكون لديها شعور بالإحباط لعدم تمكنها من ممارسة دورها في عالم اليوم نظرًا لرزوحها تحت نوع من أنواع الاستعمار الغربي. ونستطيع أن نقول بأن الدول التي تنطبق عليها تلك المواصفات هي الصين والهند و إيران ومصر وروسيا. إن الغرض من مقالتي هذه ليس هو تحضير« قائمة أعداء» بقدر ما هو محاولة زيادة وإرهاف حس الغرب بحجم وطبيعة المشكلة وللحيلولة دون خلق تجمع معاد للغرب. وعلى هذا فإني أتوقع تداعيات في العالم:
أولها: احتمال أن يفيق الغرب لنفسه ويراجع السبل التي حاول بها فرض قيمة الفلسفية والأخلاقية على العالم الثالث، ذلك لأن النموذج الغربي القديم ليس بالضرورة قابل للتسويق لبقية العالم.
ثانيًا : قد يدخل في مرحلة تطبيق نموذج الحداثة كل حسب ظروفه وإمكاناته، والدول التي تتبنى النموذج الاقتصادي قد تخلق لنفسها مكانة هامة في المجتمع الدولي، مما يدفع الغرب لمعاملتها على قدم المساواة.
وأخيرًا .. هناك الدول التي لن تستطيع اللحاق بركب الحضارة، وهؤلاء يتحتم على الغرب الإسراع لمساعدتهم وإلا أدى تخلفهم إلى جر العالم كله إلى مواجهة بين النظام الغربي والنظام اللاغربي. وفي النهاية فإن قيم الديمقراطية والسوق الحر تحتاج لتصحيح ومراجعة، وبما أن الغرب كان هو المنادي وأول من عمل بتلك القيم فيتوجب عليه أن يتولى عملية تصحيح هذه القيم ..
إن النموذج الغربي الحديث ابتكر أعتى النظم القمعية الديكتاتورية التي أفنت أكبر عدد من البشر في الغرب والعالم الثالث
الهوامش
1-Out of Control by Zbigniew Brzezinski.
2-A fate worse than Bebt by Susan George.
3-Faith and Credit.
4-50 years is Enough: the case Against the world Bank and IMF sait Kevin Danah.