; الأسود والأرانب.. والمعادلة الصعبة (العدد 1712) | مجلة المجتمع

العنوان الأسود والأرانب.. والمعادلة الصعبة (العدد 1712)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 29-يوليو-2006

مشاهدات 53

نشر في العدد 1712

نشر في الصفحة 37

السبت 29-يوليو-2006

من جملة الأسئلة التي تُطرح للإجابة عنها معرفة الصواب من الخطأ، والصحيح من فاسد، قولهم: في أي الشعبين تحب أن تكون: شعب من الأسود، يقوده أرنب، أم شعب من الأرانب يقوده أسد؟ ولكني لغرابة السؤال ودلالته طرحته على بعض العقلاء فأجابوني: بأنه يستحيل على أي من الفريقين أن ينتصر!! ولكني لم أكتف بهذه الإجابة، وطرحت السؤال مرة أخرى، على بعض الصغار، فذهلت للإجابة!! وكذلك لاهتمام الصغار بأشياء لم يلتفت إليها الكبار، وهي عين الصواب، حيث قالوا في صوت واحد: الأسود ستأكل الأرانب!! 

إذا لن تكون هناك جيوش ولا قيادة ولا انتصارات بعد ذلك، وقد نبهني هذا الأمر إلى سؤال آخر طرحته على الصبية بعد أن أنست إلى إجابتهم، فقلت لهم: وإذا لم يستطع جيش الأسود أن يأكل الأرنب القائد؟، قالوا: إذن هؤلاء ليسوا أسودًا بل فئران، ثم قلت لهم: وجيش الأرانب الذي يقوده أسد، هل من الممكن أن يتعايشوا ويسالم الأسد القائد أمته من الأرانب؟ أم سيكون جزارًا لهم، ومفترسًا فاتكًا، قالوا: بل سيكون كذلك، قلت: ولماذا؟ قالوا لأنه وحش مفترس يعيش على لفتك وليس له قلب أو عاطفة إنسانية، وليس عنده وازع من أحد أو خوف من الله، فقلت: نعم أيها الصغار، لقد أجبتم وشفيتم أفدتم، بفطرة سوية، ونفس صافية وبراءة غير ملوثة.

هذه قصة الشعوب المتخلفة، والأمم المهضومة الكسيرة المأكولة، فهي إما فئران تزعم أنها أسود لا تستطيع أن تعيش حياة العزة والكرامة، أو تمارس أدوار البطولة! أو أرانب تسمن لتروق للآكلين، أو تكون طعمة الطاعمين، ومتاعًا للمتوحشين، وإن كانت في بعض أحوالها، ترفع صوتًا، أو تتظاهر ببعض البسالة والشجاعة عند الأمن، أو بشيء من الجرأة والإقدام في الرخاء، ولكنها عند الفزع تتصاغر، حتى تدخل كفئران وأرانب الجحور، وتسلم ساقيها للريح لا تلوي على شيء، جريًا على قول القائل:

في الهيجاء ما جربت نفسي...ولكن في الهزيمة كالغزال

وما أصدق القرآن الكريم حين يصور هذا الصنف أفضل تصوير فيقول: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا  يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (الأحزاب: 18-20).

كما أن الأمثال تحكي قصة القادة الأرانب الذين يتصدرون الشعوب المنحوسة الذاهلة عن نفسها وعن أهدافها ومصالحها، ولا ينفع هؤلاء الأرانب إدعاؤهم صولة الأسد، ولا تقلدهم الأوسمة والنياشين والمناصب كالأبطال والقادة، والقلوب ضامرة والعزائم خائرة، ترى في وقتنا الحاضر، أن العداء للإسلام يشمل هؤلاء جميعًا، وأن التنسيق لحربه يتناول أفعال وجهود هذا وذاك ممن يخشون على نشاطهم الحرام، وأعمالهم المجرمة، وأفعالهم الآثمة، ولذلك فبالإضافة لقدرات الإسلام الذاتية، هناك في قدرات المسلمين العاملين للإسلام قيادات وشعوبًا دلالة على تأكيد إسلامية الرد في مواجهة الصدمات شرقية كانت أو غربية، خيانية كانت أو زناديقية، وجميع الانتفاضات التي سادت البلدان الإسلامية في عشرات السنين الأخيرة كانت إسلامية بصورة حقيقية رغم صبغة الأزياء التي ألبستها. ولهذا فالمحاولات الاستعمارية التي مازالت مستمرة إلى اليوم سواء كانت بأيد غربية أو محلية والترويج لتغريب البلاد الإسلامية، ستلقى الفشل الذريع.

يقول: «هيلين دانكوس».. «إن ألف سنة من التربية الإلحادية لا تستطيع أن تستأصل جذور الإيمان من كيان الإنسان، ولن يتم ذلك إلا بتغيير التركيب البشري نفسه، وبعبارة أصح قتل الإنسان، وذلك لأن نزعة التدين مغروسة في جبلة الإنسان عمومًا، فكيف بالمسلم الذي يحمل مؤثرات دين ليس كالأديان»؟ 

ولهذا يعلم خسران وبوار العداء للإسلام ورجاله، وتعرف نتائج الحملة على الإسلام ودعاته.

وليت هؤلاء المساكين من بني جلدتنا يعرفون عاقبة أمرهم وجهودهم فيقلعون عن عنتهم في معاداتهم لدينهم ومنهجهم، وعن محاولة تشويهه والنيل من رجاله وتعاليمه. 

يقول بوازار: «الإسلام يمثل بالنسبة لمجموع المسلمين قوة معنوية عجيبة، وحافزًا اجتماعيًا لم يستخدم إلا جزئيًا»، ثم يقول: «إن فكرة العلمنة فكرة غريبة على المجتمعات المسلمة، إن هذه الأمة ما عرفت يومًا الانفصال والثنائية بين ما هو مادي، وما هو روحي، وديني، أو دنيوي، فالكل يتوحد في عقيدة استطاعت أن تلبي حاجات الإنسان فردًا وجماعة، وإن كانت بعض الدول الإسلامية تبنت العلمانية، فإن ذلك على مستوى الحكومات والقيادات غربية الصنعة، أما على مستوى الشارع المسلم، فإن قوى الإسلام كل يوم في ازدياد» .

لقد كان بعض المفكرين الغربيين صريحًا للغاية من أمثال «ليوبولد فايس» و«اتيين دينيه»، و «إميل درمنغم» و «بوازار» إذ يقررون: أن أسباب تخلف المسلمين هو موقفهم من الإسلام، وبعدهم عن تعاليمه الدينية الإسلامية، فانحطاط المسلمين السياسي والاجتماعي كان موازيًا لنسيان مبادئ الإسلام الصحيح، ولم ينشأ عن شيء آخر، وإن أتباع محمد لو نهضوا وأفاقوا من سباتهم لرجع لهم عزهم السالف وتاريخهم المجيد، فلسنا بحاجة إلى إصلاح على الإسلام، ولكننا في حاجة إلى إصلاح موقفنا من الإسلام». 

ويوجه أحد الغربيين سؤالًا فيقول: «أيهما خير للشعوب الإسلامية: نهضة إسلامية قوية خلقية دينية اجتماعية في الشرق، وعلمية بالطبع، أم فساد خلقي وانحلال ومادية جافة مستعارة خاضعة تكون ذيلًا وعميلة للغرب؟ ثم يقرر فيقول «الإسلام هو القادر على صياغة المستقبل ليس لأهله فقط ولكن للبشرية جمعاء لأنه نقطة البدء الجديدة، أمام الإنسانية الناهضة»، وصدق الله ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: ١٤٣).

الرابط المختصر :