; حول مفهومي «الانحطاط» و«القابلية للاستعمار» (١ من ٢) | مجلة المجتمع

العنوان حول مفهومي «الانحطاط» و«القابلية للاستعمار» (١ من ٢)

الكاتب محمد بغدادباي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998

مشاهدات 56

نشر في العدد 1298

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 05-مايو-1998

كتب السيد غازي التوبة مقالاً في (العدد ١٢٦٢) من المجتمع، يتعرض فيه بالنقد لمقولتي «عصر الانحطاط»، و«عصر النهضة»، في تاريخ حضارتنا الإسلامية.

وأود هنا أن يكون الحديث موصولًا حول مفهوم «الانحطاط»، ومفهوم «القابلية للاستعمار» الذي قال به مالك بن نبي – رحمه الله – مع الالتزام بالتحليل العقلي الواقعي، بعيدًا عن كل تعصب لأي تيار فكري، كما أننا لا نريد هنا أن نتعرض بالنقد والتحليل للعهدين العثماني والمملوكي، ولا لـ «عصر النهضة» ونتائجها.

ولنبدأ مع مفهوم «الانحطاط» يعترض الأستاذ التوبة على تطبيق مقولتي «عصر الانحطاط» و «عصر النهضة» على تاريخ حضارتنا، لأن هاتين المقولتين مستوردتين أتي بهما «المتغربون» من الحضارة الغربية.

الملاحظ أن مجرد ذكر «عصر الانحطاط» أو عصر النهضة، يفهم منه وجود شيئين: تقسيمات وتسميات بمعنى أن هناك تقسيمات تاريخية معينة (مراحل زمنية متباينة) في حياة الأمم والشعوب تقع عليها تسميات معينة.

وبخصوص تاريخ حضارتنا، فإن رفض هذه التقسيمات ورفض إطلاق مثل هذه التسميات على مراحل الحكم العثماني والحكم المملوكي ينتهي – فيما بعد، كما يلزمنا الفهم – إلى رفض كل تقسيم وكل تسمية يتعلقان بتاريخ أمتنا الإسلامية.

فلو أن الرفض كان خاصًا بتقسيمات معينة في تاريخ حضارتنا، كالتي تعتبر، مثلًا، بأن «عصر الانحطاط» أو بداية التدهور يرتبط بفترة الحكم العثماني أو حتى بفترة الحكم المملوكي - كما يرى البعض - وأن التاريخ لـ «عصر النهضة» يبدأ مع رفاعة رافع الطهطاوي، فهمنا الموقف ولم نعترض عليه من حيث المبدأ، ذلك أن بعض هذه التقسيمات مقصودة وغير موضوعية تستند إلى خلفيات أيديولوجية معلومة.

 أما أن يكون الرفض للتسميات، بمعنى أنه لا يجوز إطلاق صفة الانحطاط على تاريخ أمتنا، فإننا هنا نشد الانتباه إلى أن هذه التسميات - وإن أسهب المستغربون في استخدامها - موجودة حتى في كتابات الإسلاميين أنفسهم، خصوصًا تلك المتصلة بحالة «الانحطاط» العام لحضارتنا، على كافة المستويات تقريبًا (الفكرية والثقافية والتعليمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وما ينجر عنها من أحوال صحية وظروف معيشية وأجواء ثقافية إلخ)، ويكفينا في هذا الشأن أن نذكر ببعض عناوين كتب هؤلاء المفكرين لتعرف إلى أي مدى يصدق وصفهم لواقع أمتنا، فنذكر مثلاً لأبي الحسن الندوي كتابه (أسباب انحطاط المسلمين)، ولمحمد الغزالي كتابه (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم)، والدكتور صبحي الطويل كتابه (الحرمان والتخلف في ديار المسلمين) ولشكيب أرسلان كتابه (لماذا تأخر المسلمون)، إلخ.

وأما أن يكون الرفض لكل تقسيم ولكل

تسمية بصفة عامة، بمعنى أن أمتنا لم تعرف انحطاطًا، ولا هي مرت بمراحل تاريخية متباينة في القوة والعزة، وفي الضعف والهوان، واعتبار تاريخ أمتنا «خطًا مستقيمًا ثابتًا)، لم تكتنفه انحدارات! – وبالنتيجة لا يمكن أن تكتنفه انحدارات! – فإن مثل هذا الموقف يكتنفه كثير من الغموض ويستعصي على الأفهام إدراكه!، ويبقى بعيدًا عن كل موضوعية ونزاهة.

 إنه من المعروف أن وصف مرحلة تاريخية ما من حياة الأمة – أي أمة – بالمنحطة أو المتدهورة أو المتخلفة وما إلى ذلك من التسميات، ووصف مرحلة تاريخية أخرى بمرحلة النهضة أو اليقظة وما شابه ذلك - ناهيك عن كل الاعتبارات الايديولوجية والعقائدية - ما هو في حقيقة الأمر إلا تعبير عن حالة أو وضعية الأمة العامة بما توحي به المؤشرات المتواجدة في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، وعليه، فإن مثل هذه التقسيمات الزمنية «المراحل التاريخية» الموسومة بمختلف هذه التسميات والمؤسسة على اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ما هي إلا تقسيمات منهجية، والغاية منها معلومة فهي تساعد على تفهم الصيرورة التاريخية لحياة الأمم وأطوار نشاطها وتمكنها وتراجعها وخمودها، كما تساعد على البحث عن عوامل التجديد فيها وقيامها من جديد.

كما أنه من المعروف كذلك، أن التقسيمات التاريخية بصفة عامة، في دراسة حياة الدول والمجتمعات، كان قد استخدمها العرب المسلمون في أبحاثهم ومؤلفاتهم قبل أن يستخدمها الغربيون، فقد كان الأب الشرعي لعلم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون سباقًا في هذا المجال عن غيره من الأوروبيين، من أمثال أوجست كونت القائل بفكرة المراحل الثلاث للإنسانية، وهاربرت سبنسر القائل بفكرة تطور المجتمع إلخ، بحوالي خمسة قرون تقريبًا، وذلك حين تكلم عن أطوار الدولة الثلاثة، أو بما يعرف بالدورة الحضارية، وحين تحدث عن أسباب قيام الدول وأفولها.

إذن فالتقسيمات التاريخية بصفة عامة ضرورية ومهمة في أي دراسة تاريخية: ضرورية، إذ إنه لا يمكن تصور أي بحث تاريخي يتعلق بحياة الأمم والحضارات بدون تقسيم تاريخ هذه الأمة أو تلك إلى مراحل زمنية معينة، ومهمة، لأن التجزئة الزمنية تساعد على فهم مختلف المراحل – كما ذكرنا – وعلى دراسة مميزاتها.

لكن على الرغم من ضرورة هذه التقسيم وأهميتها الدراسية إلا أنه لا يمكن أن نصفها بالموضوعية النزيهة، وإن وصف بعضها بالموضوعية نسبيًا، ذلك أن مجال الدراسات التاريخية والاجتماعية بصفة عامة شائك ومعقد، ولا يمكن الفصل فيه بصفة قطعية، لهذا نجد الكتابات في هذا المجال، وما تنطوي عليه من تقسیمات مرحلية تاريخية تختلف من كاتب لآخر ومن مدرسة إلى أخرى.

فالكتابات في هذا المجال إذن، تبقى كتابات نسبية تتفاوت درجة موضوعيتها ونزاهة أصحابها لأنها تخضع لخلفياتهم الفكرية ولانتماءاتهم الوطنية أو القومية أو العقائدية وكذلك لميولاتهم ورغباتهم الشخصية.

بناء على ما تقدم، يبدو أن أصل المشكلة لا يكمن في تلك التسميات الوصفية التي نطلقها على بعض مراحل تاريخ أمتنا، ولا في اعتماد تقسيمات مرحلية زمنية في دراسة تاريخنا، على قدر ما يكمن في أنفسنا وتصوراتنا.

حول مفهوم «القابلية للاستعمار» لمالك بن نبي

أدرج السيد غازي التوبة مفهوم «القابلية للاستعمار» في سياق حديثه عن مقولة عصر «الانحطاط»، وقد استهل كلامه في هذا الصدد بالتأسف على تفاعل الكاتب الإسلامي مالك بن نبي مع هذه المقولة «عصر الانحطاط» والتقعيد لها، وذلك عندما اعتبر سقوط الموحدين في المغرب إيذانًا بانحطاط المجتمع الإسلامي، وكذلك عند صياغته لمفهوم «القابلية للاستعمار» في أواخر منتصف القرن العشرين في أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر.

 في هذا المقام، لا نريد أن نخوض كثيرًا في مدى صحة اعتبار سقوط دولة الموحدين من قبل مالك بن نبي بداية الحالة انحطاط المجتمع الإسلامي (1)، هذه الحالة التي كان بن نبي يرجع في الحقيقة إرهاصاتها الأصلية البعيدة إلى معركة صفين سنة (٣٧ – ٣٨ هـ)، ونكتفي هنا بالإشارة إلى أن للمفكر رؤيته الأصيلة الخاصة، والتي فيها ما يبررها من اعتبارات تاريخية ومنهجية، مثلما فعل قبل ذلك العلامة ابن خلدون الذي استند إليه مالك بن نبي في صياغة وتطوير الكثير من المفاهيم المتعلقة بدراسة الحضارة.

ونشد الانتباه إلى أن تصورات مالك بن نبي المشكلات حضاراتنا كانت تصورات رجل عاش الإسلام بعمق، عقيدة وعملًا، وتمثل قضايا أمته ودافع عنها دفاعًا مجيدًا (۲)، لهذا فإنا نتساءل صراحة: ما جدوى صدق هذه التقسيمات التاريخية أو عدم صدقها في إنقاذ وتخليص مجتمعنا الإسلامي من مشاكله التي يتخبط فيها ؟!، وفي الوقت نفسه نستغرب من تأسف السيد غازي التوبة لتفاعل مالك بن نبي مع مقولة «عصر الانحطاط» وإدراجه لمالك بن نبي تحت الحديث عن «المستغربين» (۳).

 هذا عن «الانحطاط»، فماذا عن «القابلية للاستعمار»؟

صاغ مالك بن نبي مفهوم «القابلية للاستعمار»، أول ما صاغه في كتابه «شروط النهضة»، سنة ١٩٤٧م، وكان يقصد به ذلك المعامل الداخلي «النفسي» الذي يضاعف من تقليل شأن الفرد المسلم وقيمته، فيعجزه عن أداء دوره ورسالته التاريخيين المنوطين به كونه مسلمًا في هذه الحياة

وقد تلقى صاحبه عند صدور الكتاب وبعده، ردود أفعال عنيفة من تيارات فكرية شتى في داخل القطر الجزائري وخارجه، في العالمين العربي والإسلامي، تستنكر وجود مثل هذه العلة في أمتنا، ونحن هنا لا نريد التعامل مع هذه الردود، إنما نريد التعامل مع المفهوم وصلته بالمقال، وذلك عن طريق فهمنا له من خلال كتابات صاحبه.

إن المتتبع لإنتاجات مالك بن نبي الفكرية سرعان ما يدرك بأنها تحتاج إلى قراءة خاصة لأن مالك صاحب رؤية وبخاصة تنطلق من بحث أسباب الانحطاط ومن بحث أسباب عدم تحقيق الحركات التغييرية الأخرى في العالم الإسلامي للهدف المنشود، وكذلك لأن كتابات بن نبي ذات طبيعة تكاملية يجمعها خيط واحد، فقد تطرق المؤلف في دراسة ومعالجة وضع الأمة المتردي بالنظر إلى مشكلاتها في إطار كلي عام يحتويها ويربطها ببعضها البعض، هذا الإطار العام أسماه «الحضارة»، وجعله أساس كل تأملاته، فجاءت كتبه كلها معنونة بهذا العنوان العام «مشكلات الحضارة».

انطلاقًا من هذه الملاحظة، نستشف مزالق التعامل مع مثل هذه المفاهيم عندما تريد فصلها عن إطارها العام الذي وظفها فيه صاحبها، لأن ذلك يفقدها الكثير من مصداقيتها، وهو الشيء الذي وقع فيه الديد من أصحاب هذه الردود.

وللحديث بقية

---------------------------

الهوامش

1 – يحكم صاحب المقال على أحكام مالك بن نبي، المتعلقة بوضع مجتمع ما بعد الموحدين، بأنها أحكام غير سليمة وغير دقيقة، ويقول: «إن الأمة الإسلامية بقيت أمة فاعلة ستة قرون بعد التاريخ الذي حدده مالك بن نبي، ولم تعرف الأمة الإسلامية عوامل تعارض تعيق حركتها وتفجر كيانها»، ويضيف: «بقي المسلم مبدعًا فاعلًا مؤثرًا، وبقي المجتمع الإسلامي حيًا يؤدي دوره الحضاري» (ص ٤٠).

حول هذه النقطة، نعتقد بأن السيد غازي التوبة قد تسرع في إطلاق أحكامه هذه، وأسقط فهمه الخاص على تحليلات مالك بن نبي، ذلك أن مالك بن نبي كان يريد أن يبحث في التاريخ الحاصل عن مصدر العلل ذي الطبيعة المخفية لا المرئية الذي يبدأ في نخر كيان الأمة وإضعافها تدريجيًا، ليصل بها مد قرون إلى حالة من الانحطاط والتردي، كالمرض الذي يبدأ صغيرًا في جسم الإنسان لينتهي مستفحلًا، فيهزله ويوقعه.

ونحن لا نعتقد بأن السيد غازي التوبة يعارضنا لذا قلنا له بأن هناك كتابًا غربيين كثيرين يتنبؤون بانحطاط الغرب وسقوطه على الرغم من أن مؤشرات تنبئهم لا تبدو ظاهرة لذوي الأبصار لا البصيرة، وخاصة أن الغرب اليوم في أوج قوته وهيبته، ونذكر من بين هؤلاء الفلاسفة والكتاب، على سبيل المثال لا الحصر: كتاب تدهور الحضارة الغربية، لـ «أسوالد شينغلر»، ورواية الساعة الخامسة والعشرون لفيرجيل جورجيو، إلخ.

٢– إن العالم الإسلامي الذي ينتمي إليه مالك بن نبي قد شغلته وضعيته طوال حياته، فكان يحمل كل همومه أو أوجاعه حيثما ارتحل وأينما حل، فقد تخلى عن ممارسة تخصصه، بعد تخرجه مهندسًا كهربائيًا من أجل تكريس كل طاقاته للعمل التغييري، وقد تحمل في سبيل ذلك السجن في باريس والطرد من الوظيفة، كما تسبب في طرد أبيه من وظيفته مصدر رزق الأسرة الوحيد - والتآمر عليه وضربه ومع هذا كله لم يستسلم، بل بقى مؤمنًا بعقيدته وفكرته وبأمته ورسالته الخالدة، حتى آخر لحظة من حياته فقد تبسم - وهو على فراش الاحتضار - مستبشرًا، عندما أخبر بأن الجنود العرب المسلمون قد حققوا انتصارًا باهرًا على إسرائيل في الأسبوع الأول من حرب ۱۹۷۳م، وذلك عند تخطيهم لخط بارليف وقال قولة الرجل المؤمن الصادق الواثق فيما معناه: «سننتصر مثلما انتصرنا في بدر» .

٣– للتذكير فقط يعد مالك بن نبي من النخبة النادرة في الوطن العربي والإسلامي على امتداده التي قصدت ديار الغرب – وبخاصة فرنسا – لاستكمال دراستها، ولم تستغرب هذا إذا علمنا من جهة ما للجزائريين – آنذاك – من خصوصية عند فرنسا مقارنة بباقي الدول العربية الأخرى، وإذا تعرفنا من جهة أخرى، على أساليب الإغراء التي يعتمدها الغرب في استيعاب طلبتنا ومثقفينا واحتوائهم، أو أساليب التعطيل والعرقلة إذا اقتضى الأمر، في حالة استحالة الاستيعاب المرغوب فيه من قبل الغرب.

فعلى الرغم من كل هذه العقبات لم تنكسر شوكة مالك بن نبي، ولم يتزحزح إيمانه وعزيمته، بل بقي واقفًا، شامخ الرأس، مسترسخ العقيدة، فهل يجوز بعد هذا أن يقارن مالك بن نبي بطه حسين مثلًا، ناهيك عن مقارنته بسلامة موسى، أو شبلي شميل أو جورجي زيدان على سبيل المثال.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 32

127

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الاختلاط في الجامعات!

نشر في العدد 44

109

الثلاثاء 19-يناير-1971

لعقلك وقلبك (44)

نشر في العدد 46

110

الثلاثاء 02-فبراير-1971

لعقلك وقلبك (46)