العنوان أروع حضري عرفته البادية وأروع بدوي عرفته الحاضرة رحيل العجيلي.. المتواضع العظيم
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 29-يوليو-2006
مشاهدات 55
نشر في العدد 1712
نشر في الصفحة 44
السبت 29-يوليو-2006
افتقدته في ذكرى يوم مولدي الستين (الخامس من أبريل الماضي - السابع من ربيع الأول ١٤٢٧هـ )، كانت رسائله الأخيرة تشي بقرب رحيله: إغلاق العيادة -إجراء أكثر من عملية جراحية- فترات نقاهة طويلة - تقليل عدد الرسائل والمقالات - خطه الذي يكتب به صار أقل عناية من ذي قبل- ثم اعتزاله المجتمع تقريبًا؛ لدرجة أن الدولة السورية حين قررت مؤخرًا الاحتفال به، أجرت مراسم الاحتفال (ندوات - شهادات) في دمشق، ثم انتقل الضيوف إلى الرقة (مسقط رأسه ومقر إقامته) للتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم، فاستقبلهم وهو يعاني آلام ما قبل الرحيل.
كتب لي في رسائله الأخيرة أنه يفضل الجلوس أمام الحاسوب (النت) ليتجول في أرجاء المعرفة والأخبار والأحداث والشخصيات، وأنه يجد متعة في ذلك... وكان قد أخبرني أن ناشره الذي يتردد ما بين بيروت ولندن ينوي طبع مؤلفاته فيما يسمى الأعمال الكاملة، وأنه بصدد نشر ديوان ثان له، بعد ديوانه الأول الذي نشر عام ١٩٤٨م.
لم يكن رحيل عبد السلام العجيلي مفاجأة لي، فقد كنت أتوقع الأمر، بعد أن كف عن الكتابة إلي وإلى صديقنا المشترك «وديع فلسطين» الأديب الكبير المعروف، وصديقنا المشترك الآخر «الأديب سعد العتيبي» وكنت قد هاتفته في الرقة فوجدت رسالة مسجلة بصوته تخبرني أنه ليس موجودًا بالمنزل، ولكن سعد العتيبي استطاع أن يتصل بإحدى قريباته، فأخبرته أنه متعب ويقضي معظم وقته بالسرير، الصعوبة الحركة ووهن الجسد.
لقد ظل العجيلي لمدة تسعين عامًا على الأقل صحيحًا معافى بحمد الله، ولم يتمكن منه المرض إلا في السنوات الأخيرة، فقد كان منضبطًا في مأكله ومشربه. في الصباح يتناول القهوة باللبن، ويتناول وجبة واحدة في النهار.. وبعد ذلك لا يتناول طعامًا، ويمشي على قدميه، ويتجول في أرجاء الرقة بصورة شبه منتظمة، ولعل حياته في «البادية» أكسبته صلابة وقدرة على المقاومة البدنية، وإذا عرفنا أنه «طبيب محترف» أدركنا سر احتفاظه بحيويته هذا العمر المديد.
أخبرني أن أسرته لم تقيده في سجل المواليد إلا بعد خمس سنوات تقريبًا من مولده (سجلته عام ۱۹۱۸م. ولكنه على يقين أنه ولد قبل ذلك بخمس أو أربع سنوات: أي إنه من مواليد ١٩١٤م تقريبًا). وهذا هو سر اختلاف الصحف وأجهزة الإعلام في تحديد عمره، بعضها وهو الغالبية أكد أنه رحل عن ٨٨ عامًا، والبعض الآخر قال: إنه رحل عن ٩٣ عامًا، والطرفان على حق، الأول اعتمد على الوثائق الرسمية، والآخر أخذ بالمعلومات الشفهية.
بعد أربعين عامًا، أحسست بفقد ركن ركين من حياتي وواقعي، فقد تأثرت بالرجل إلى حد كبير، لدرجة أنني بقيت في قريتي التي ولدت بها لم أغادرها مع كل المغريات والأضواء التي تجذب أمثالي إلى التوجه نحو العاصمة (القاهرة) والإقامة بها، وذلك لأن العجيلي الذي يسمونه نجيب محفوظ سوريا؛ ظل في بلدته النائية على شاطئ الفرات، مع أنه طبيب ناجح، وأديب كبير، وعضو بمجلس النواب، ووزير تولى ثلاث وزارات: الصحة والإعلام والخارجية.
كانت الرقة هي وطنه المفضل والدائم والثابت. وكان يرى أن لأهلها حقًا عليه، وهو أول طبيب من أبنائها يدرس الطب ويعود إليها ويفتتح عيادته التي ظلت منذ تخرجه حتى رحيله مقصدًا للناس في الرقة والبوادي التي حولها، وظل هو يذهب إلى الناس حين يستدعونه لزيارة مريض أو مصاب في أي مكان داخل دائرتها.. وقد سجل كثيرًا من تجاربه مع المرضى وأحوالهم في أكثر من كتاب، من بينها «عيادة في الريف»، و«حكايات طبية» و على «هامش الطب» وشجعه على تسجيل هذه التجارب، إلحاح المجلات الطبية في لبنان ومصر وسوريا على استكتابه، وتناول مشاهداته في عالم المرضى والطب.
كانت بساطته الإنسانية دافعًا لي كي أحتذيه في كثير من الأمور، ورجل مثله تولى الوزارة وعرف النيابة كان يمكنه أن يتخذ لنفسه مسلكًا آخر مثلما يفعل كثير من أولئك الذين يظنون أن المناصب تفصل بينهم وبين عامة الناس، ولكن العجيلي ما نسي إنسانيته وتواضعه حين يتعامل مع البسطاء والفقراء والمرضى، وقد سجل كثيرًا من الطرائف التي حدثت من هؤلاء. وكثير منها سره، وأطلق ضحكاته، ومنها ما أثار أساه وألمه من أجلهم.
عرفني به الأديب الكبير «فاضل السباعي»، وكنت قد تجاوزت العشرين من عمري بقليل. سألته عنه فتحدث عنه بحفاوة وحب، وكتب لي عنوانه البسيط أيضًا (الرقة - سوريا)، وظننت أن رسالتي لن تصل إليه، ولكني فوجئت بالرجل يرد علي ويرسل إلى مؤلفاته، وتبدأ علاقة على الورق تستمر ثلاثين عامًا تقريبًا، حتى نلتقي لأول مرة في أواسط التسعينيات بمدينة الرياض، في أحد مؤتمرات الجنادرية. كان لقاء حميمًا ضم الأديب الكبير الدكتور «عبد العزيز الخويطر».. وزير المعارف الأسبق، الذي عرفت أنه من أبناء دار العلوم، أي أنه تجمعنا «الدرعمة» كما يقول خريجوها، واستمر اللقاء فترة طويلة، شرقنا وغربنا في أحوال العرب والأدب واللغة، وأسفت لأني لم أسجل هذا اللقاء الممتع المفيد
لم تكن رسائلنا شخصية بقدر ما كانت عامة، يطغى فيها الهم العام على الهم الخاص، وتبادلنا مئات الرسائل، وللأسف فقد أتي بعض أبنائي - حين كانوا أطفالًا - على كثير منها مع أوراق أخرى غالية ومهمة، ولكن الذي بقي منها يحرضني على نشرها في كتاب يستفيد منه الناس والقراء، ولعل صديقي «سعد العتيبي»، بحكم حرصه على أوراقه، هو الذي نجح في الاحتفاظ بما أرسله إليه العجيلي، مثلما يحتفظ برسائل الآخرين، في ملفات أنيقة ومرتبة، وقد أطلعني عليها، فأثارت إعجابي بها، وأسفي على أوراقي المتراكمة التي ينال منها أبنائي.
العجيلي العظيم.. نموذج للكاتب الذي يكتب ما يمليه عليه ضميره، لا ما يرضي الآخرين رغبًا أو رهبًا، لذا لم يستقر به الحال كاتبًا في مكان محدد، وكثيرًا ما نشر أعماله خارج بلاده، بل خارج العالم العربي، حين ضاق هذا العالم ببعض آرائه وأفكاره، التي كانت تصب غالبًا في البحث عن هوية الأمة، والحرص على استقلالها وحريتها وسيادتها، ولم يكن كلامه أو فكره حبرًا على ورق، بل طبقه عمليًا حين انضم إلى جيش الإنقاذ في فلسطين وحمل السلاح دفاعًا عن فلسطين في مواجهة العصابات الصهيونية عام ١٩٤٧، وعاش محنة القتال والخيانة والانقسام والهزيمة، وسجل كثيرًا من هذه الأحداث في كتابه الذي سماه «ذكريات أيام السياسة» في جزأين وظهر الجزء الثاني منه قبل الجزء الأول.
وإذا كانت كتبه التي تحمل مقالاته أو محاضراته أو محاوراته، قد عبرت عن مواقفه الفكرية بطريقة مباشرة، كما نرى في فلسطينيات، وجوه الراحلين، جيل الدربكة، في كل واد عصا ادفع بالتي هي أحسن، أحاديث العشيات، السيف والتابوت، سبعون دقيقة حكايات.. وغيرها، فإنه وظف فنه الشعري والقصصي والروائي لخدمة هذه المواقف.
لقد عبر عن هموم الأمة من خلال أشعاره، وكانت قصصه ورواياته مواكبة للقضايا الكبرى والأحداث الخطيرة التي مرت بها سوريا والبلاد العربية.. نجد معالجات لمسألة الهوية في «رصيف العذراء السوداء» و«قناديل أشبيلية» و«الخيل والنساء».. وتناولًا للهزيمة التي جرت في العام ١٩٦٧م، مع هموم أخرى عامة في «فارس مدينة القنيطرة» و«حكاية مجانين» و «موت الحبيبة» و«مجهولة على الطريق».... ثم عالج حرب رمضان في «أزاهير تشرين المدماة».. ومحنة القرى البدوية التي تضررت بسب إقامة سد الفرات في «المغمورون» وظواهر اجتماعية أخرى في «باسمة بين الدموع»، و«أرض الأسياد»، و«قلوب على الأسلاك»، و«ألوان الحب الثلاثة»... وغيرها من الروايات والكتب والمقالات (تجاوزت كتبه أربعين كتابًا عدا المقالات التي لم تجمع).
لقد كتبت عن معظم أعماله، وتمنيت ذات يوم أن يصدر لي كتاب عنه، وقد أعددت هذا الكتاب بالفعل، وقدمته إلى إحدى دور النشر الرسمية في السبعينيات من القرن الماضي، وللأسف لم تنشره دار النشر، ولم تعده إلى، وادعت أنه فقد ولم يعثروا عليه.. وبعد أن يئست من ترددي على هذه الدار فوضت الأمر لله، واكتفيت بما أنشره عن بعض أعماله بين الحين والآخر. وصف نزار قباني «عبد السلام العجيلي»، بأنه «أروع حضري عرفته البادية وأروع بدوي عرفته الحاضرة»، وهذا قول صحيح تمامًا، فعبد السلام العجيلي، كان ابن البادية المنتمي لم يهرب منها ولم يتنكر لها، وفي الوقت نفسه كان حضريًّا جمع بين ثقافة التراث وثقافة المعاصرة، وكان قارئًا نهما لا يكف عن القراءة بالعربية والفرنسية والإنجليزية، وقد أمدته رحلاته غربًا وشرقًا في شتى أرجاء العالم بالمزيد من الوعي والحركة للتاريخ والإنسانية، فضلًا عن تجارب عميقة ومهمة، أشار إلى كثير منها في مقالاته وقصصه ورواياته وكتبه.
ومن المؤكد أن نموذجًا راقيًا مثل العجيلي يحتاج إلى جهد كبير لتقديمه إلى الأجيال الجديدة، التي لا تعرفه، بوصفه نموذجًا للتواضع، وهو في قمة المجد والروعة. «إنني طبيب محترف وأديب هاو» ... وهو ما ينبغي أن نعيه جيدًا، فقد رفض أن يوصف باسم الأديب الكبير، أو الكاتب الكبير، وكان يقول قولوا: «عبد السلام العجيل» فقط .. ما أروعه من متواضع عظيم رحمه الله.