العنوان الثورة التونسية تدخل التاريخ.. وتخشى من الغدر الدكتاتوري
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1936
نشر في الصفحة 14
السبت 22-يناير-2011
ربيع تونس: إذا الشعب يومًا أراد الحياة
ما لم تتحقق المعارضة من الضمانات الكافية لعدم عودة الدكتاتورية فإن بقاء الحزب الحاكم سيظل تهديدًا للحريات
لا ننسى أن بقايا نظام «بن علي» والجماعات التي ارتبطت به وأصحاب المصالح في بقاء التعفن لم يستسلموا بعد
يوم ١٠ صفر ١٤٣٢ ه، الموافق ١٤ يناير ٢٠١١ م، دخل العرب جميعًا التاريخ من بوابة تونس «إفريقية» كما سماها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، عندما دخلوها سنة ٥٠ ه، وبينهم العبادلة السبعة: «عبد الله بن عمرو بن الخطاب، وعبد الله ابن العباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي السرح، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن جعفر»، وأصبح أهلها مسلمين بنسبة مائة بالمائة.. فقد كان العرب خارج التاريخ، والدكتاتوريون «للأبد» ونظر إليهم الآخرون كمخلفات للتطور، ساهم العرب بذلك في الصورة المزرية للعربي في جميع أنحاء العالم.
من يهن يسهل الهوان عليه
ما لجرح بميت إيلام
الحلم يصبح حقيقة؛ أخيرًا تمكن شعب عربي لا يزيد عدد سكانه على ١٠ ملايين نسمة، وفي خلال شهر من المواجهات، من إسقاط أعتى دكتاتور عرفته البلاد العربية في نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الحادي والعشرين، مؤكدًا أن الشعوب العربية ليست أقل شأنًا من الشعوب الحرة التي تملك عزل حكامها وتنصيبهم وفقًا لإرادتها، ومن الآن فصاعدًا يمكن الحديث عن الثروة التونسية كما هي الحال بالنسبة للثورة الفرنسية، والروسية، والإيرانية، مع فارق عريض لصالحها وهي أنها ثروة الحريات، وليست الدكتاتوريات التي طبعت الثروات التي سبقتها، أو هكذا نأمل، ونود، ونحرص عليها.
لم تبدأ الثروة يوم ١٧ ديسمبر، ولكن احتراق الشمعة «محمد البوعزيزي» كانت القبس الذي أنار الظلمات، والنقطة التي أفاضت الكأس بما فيه، فقبل «البوعزيزي» سقط شهداء كثيرون من أبناء الحركة الإسلامية: «عثمان بن محمود، وسحنون الجوهري، والهاشمي المكي»، وغيرهم كثير يرحمهم الله جميعًا، وبعد ٢٣ سنة من المعاناة العامة للشعب، والخاصة للحركة الإسلامية، حتى سمى اضطهاد العناصر الإسلامية «حالات خاصة» تحاكم وتضطهد، ويضيق عليها، وتمتهن وتهان، باسم العبارة الكريهة، والتي تسلب بموجبها إنسانية الإنسان، وكرامته، وآدميته «حالة خاصة».
ولا شك، فإن الأحداث التي شهدتها تونس، بعد «استشهاد» البوعزيزي، كانت نوعية، ولم يسبق لها مثيل في تاريخ تونس الحديث، فلأول مرة يجتمع التونسيين على مطالب اجتماعية، سرعان ما تطورت إلى بلورة مواقف سياسية، طفحت بعبارات الرفض لبقاء «بن علي» في الحكم: «تونس حرة وبن علي يخرج برا».
كان تعامل الدكتاتور الهارب مع ثروة الشعب التونسي في البداية بطريقته المعهودة، وهي الوعد والوعيد، والتهديد بالمحاكمات عن طريق القانون الذي سنّه على مقاسه، ووصف المتظاهرين بشتى النعوت، حتى «الإرهاب» وصفهم به؛ وذلك لتبرير القمع واستدرار الدعم الغربي، ولكنه فشل في ذلك فشلاً ذريعًا، ولم تمض ٤ أسابيع على انطلاق الثروة التونسية، حتى بدأ «بن علي» يضعف، ويهوى، وبدا في «١٣ يناير» كنمر من ورق، حيث أعلن عن وصفها بإصلاحات، واعترف في خطابه الثالث خلال الانتفاضة الجماهرية، بارتكابه جرائم، لكنه سماها أخطاء، وحمل المقربين منه المسؤولية عن ذلك، مستخدمًا مقدمات صحيحة ولكن نتائجها خاطئة: «أنا لست شمسًا تشرق على الجميع»، ولكنه كان مسؤولاً عن كل جريمة كبيرة وصغيرة في البلاد بشكل مباشر أو غير مباشر.
وبعد الاتهامات التي كان يكيلها للشعب، بدأ باتهام المحيطين به بأنهم ضللوا، أو بتعبيره باللهجة التونسية: «غلطوني» وأعلن في خطابه يوم «١٣ يناير» أنه لن يترشح لانتخابات الرئاسة سنة ٢٠١٤م، وأنه أمر بتخفيض أسعار السلع الأساسية، كالزيت، والسكر، وما إلى ذلك، كما أعلن عن فتح الإنترنت، ورفض الرقابة عليه، وأن «المجال مفتوح للتغيير السياسي وللتظاهر السلمي».. ثم ما لبث أن أعلن عن انتخابات تشريعية مبكرة، وفي يوم «١٤ يناير» أعلن عن إقالة الحكومة، وإجراء انتخابات مبكرة خلال ٦ أشهر، ثم إعلان حالة الطوارئ، ومن ثم سيطرة الجيش على المطار وعلى المواقع المهمة في البلاد، كما أعفى مستشاره الإعلامي عبد الوهاب عبد الله.
كانت لحظة تاريخية، وما أكثرها في تونس هذه اللحظات منذ «١٧ ديسمبر» الماضي، وشهدت «الفضائية التونسية» تغييرًا بنسبة مائة في المائة، واستضافت شخصيات لم تظهر على التلفزيون منذ ٢٣ عامًا، لكن كل ذلك جاء متأخرًا جدًا، فالجماهير التي خدعها «بن علي» يوم «٧ نوفمبر ١٩٨٧م» بقوله: إنه «لا ظلم بعد اليوم، ولا رئاسة مدى الحياة»، ووعدها بالحرية والديمقراطية، ثم انقلب على أهم فصيل سياسي، الحركة الإسلامية، في حرب استئصالية هجرت وسجنت الآلاف، وقتلت العشرات تحت التعذيب، والقتل البطيء داخل السجون؛ لذلك ردت الجماهير على وعوده بمواصلة الثورة مطالبة الدكتاتور بالرحيل، وقد خرج في شكل مذلٍ سرًا من البلاد، دون أن يجد لدى من عمل لصالحهم طويلاً، ومنهم من ساهم في إيصاله للحكم «فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والكيان الصهيوني»؛ لم يجد لديهم مأوى فقد رفضت جميع هذه الدول إيواءه فلجأ إلى المملكة العربية السعودية.
تونس على مفترق طرق
تقف تونس اليوم في منعرج مهم، وعلى مفترق طرق، وفي لحظة فارقة، يمكن أن تحقق فيها حلم الانتصار الجماهيري عبر الثورة السليمة والتظاهر، دون لجوء للعنف «الثوري» كما حصل في الثورة الأمريكية، والفرنسية، والإسبانية، والروسية، وإلى حد ما الإيرانية، فضلاً عن حركة الدستور في بريطانيا، والتي ولدت «الماجناكارتا»، والتي لم تعرف بدورها تطبيقًا حقيقيًا إلا بعد مواجهات دامية ولكن مكاسب الثورة التونسية لا تزال في مرحلة الولادة، أو حتى المخاض؛ إذا لا يمكن الركون كثيرًا للتصريحات المعلنة للدوائر الرسمية في تونس، وهي تركة متعفنة، ومعقدة، وماكرة، لا يمكن أن تسلم بسهولة، وستحاول الالتفاف قدر استطاعتها على ما تعد وتبشر به في اللحظة الراهنة، وهو ما ينطبق أيضًا على القوة الدولية، مثل البيت الأبيض الذي أدان العنف ضد المدينين، ودعا السلطات في تونس لاحترام التعهدات التي قطعها الجنرال «بن علي»، وهي احترام حقوق الإنسان الأساسية، وعملية إصلاح سياسي، تشتد الحاجه إليها، وهو ما دعت إليه الحكومة البريطانية «احترام الحرية وحقوق الإنسان والتظاهر»، ووصفت المستشارة الألمانية ما جرى في تونس بقولها: «الوضع في تونس خطير للغاية، ويكشف أن الركود جعل صبر الناس ينفذ تمامًا» فهذه المواقف المعلنة لا يعني أنها نهائية، فغالبًا ما تعلن هذه الدول شيئًا وتضمر شيئًا آخر، وما يزيد من المخاوف هو أن فرنسا لا يمكنها أن تترك تونس لشعبها، رغم كل التصريحات.. فباريس لا تزال تنظر لتونس خاصة والمغرب الإسلامي عامة، على أنها مستعمرات خاضعة لنفوذها الحالي، وليست مجرد مستعمرات سابقة؛ لذلك أعلنت أنها كانت على علم بالإجراءات التي اتخذت في تونس، وهي تؤيد تولي «محمد الغنوشي» رئاسة الدولة خلفًا لـ«بن علي» «مؤقتًا» وهذا الإعلان يثير مخاوف من أن الدكتاتورية تعيد إنتاج نفسها بمساعدة فرنسية، كما جرت العادة في السابق.
وهناك أنباء غير مؤكدة، أن فرنسا نظمت انقلابًا غير معلن على «بن علي»؛ ولذلك لم تستقبله، حيث كان من المفترض أن يعلن الجنرال بنفسه أنه فوّض محمد الغنوشي بتولي زمام الأمور «مؤقتًا»، وكان ظهور وزير الداخلية التونسي الأسبق، المعروف بدمويته، ولا سيما في محاربة الإسلاميين «عبد الله القلال»، إلى جانب محمد الغنوشي، ورئيس مجلس النواب «فؤاد المبزع»، أثناء الإعلان عن فرار «بن علي»؛ كان من شأنه أن يعزز المخاوف من حصول انقلاب، بالتوافق مع قائد الجيش الجديد الذي نصّبه «بن علي» قبل رحيله، وهو رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في تونس، وقد قوبل تولى محمد الغنوشي رئاسة البلاد «مؤقتًا» بانتقادات حادة من الجهات القانونية والسياسية، وقال رئيس حركة «النهضة»، الشيخ راشد الغنوشي: «هذه مغالطة دستورية كبيرة، فكيف يقول شخص بأنه سيكلف نفسه بنفسه بتولي مسؤولية القيام بمهام الرئيس بدون تفويض من أي شخص أو جهة». ثم تولى فؤاد المبزع الرئاسة وعاد محمد الغنوشي لرئاسة الحكومة!!
تونس بعد الدكتاتور
لا ننسى أن بقايا نظام «بن علي»، والجماعات التي ارتبطت به، وأصحاب المصالح في بقاء التعفن السياسي الذي كان سائدًا، لم يستسلموا بعد، كما أن التصريحات المعلنة للقوى الدولية، وتربص القوى الإقليمية والعربية بحركة التغيير لن تتوقف، بل ستعمل هذه القوة على إجهاض ثورة تونس، وعلى إعادة الدكتاتورية إليها كما حدث في موريتانيا وغيرها... وهناك قوى يسارية عاشت كالقطط في المراحل السابقة من حاويات القمامة السياسية للنظام، وهي تستشعر الجوع، والغبن في حالة تم تنظيفها تمامًا، وهي مرتبطة بالخارج للحفاظ على ما تسميه مكاسب وقد رأينا في ندوة «الفضائية التونسية»، كيف استمر تشكيك اليسارية «سلوى الشرفي» بمصداقية الإسلاميين وإيمانهم بالديمقراطية، في صالة المكياج مع المذيع «سامي الفهري»، وقد فاجأها على الهواء مباشرة بما رغبت في كتمه عن المشاهدين، وخلافاً لمختار الطريفي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وسلوى الشرفي، ووزير الظلم «العدل» السابق البشير التكاري، لم تتحدث عن حق الإسلاميين في الوجود السياسي، سوى المناضلة والحقوقية بشرى بالحاج حميدة ولذلك، فإن المعارضة التونسية عمومًا، والإسلامية خصوصًا يجب أن تكون متحفزة سياسيًا في المرحلة القادمة، وبلورة موقف سياسي يتمتع بالقوة اللازمة لمنع الالتفاف على مطالب الشعب، وحتى لا تعود الدكتاتورية من النافذة بعد طردها من الباب، وهذا يتطلب بقاء الشعب في الشارع، والتزام الصبر في «ربع الساعة الأخيرة» بتعبير الشيخ راشد الغنوشي؛ حتى يتحقق نداء الشعب «يسقط حزب الدستور، يسقط جلاد الشعب» وبالتأكيد، فإنه ما لم تتحقق المعارضة من الضمانات الكافية لعدم عودة الدكتاتورية؛ فإن بقاء الحزب الحاكم سيظل تهديدًا للحريات، كما كان في السابق، كما يجب وقف كل من يحاول تنصيب نفسه وصيًا على الشعب باسم الدولة والتي ليس من حقها إعطاء شهادة ولادة أو شهادة وفاة لأي اتجاه سياسي مهما كان لونه ومرجعياته وشعاراته واختياراته، وما لم يعترف بالاختلاف وبضرورة تنظيمه بشكل سلمي، وهو واجب الدولة لا محالة.
ولذلك فإن تونس تعيش فرحة لم تكتمل بعد، ما لم تشكل حكومة ائتلافية من كافة الأحزاب، وما لم يستقل محمد الغنوشي من الحزب «الحاكم»، وما لم يعرف مصير عصابات النهب، التي تذكرنا بدور الاستخبارات الجزائرية في مواجهات الجزائر في تسعينات القرن الماضي، ولا يعرف إن كان محمد الغنوشي هو الحاكم الفعلي، أو هو كما كان، دمية تحركها قوة خفية قد تكون الجيش، أو قوة في الأمن تابعة لوزير الداخلية الأسبق عبد الله القلال؛ مما يجعل من رحيل كل الذين ارتبطوا بالنظام وساعدوه على ظلمه، وحل الأجهزة الأمنية الخاصة، ضرورة لنجاح الثورة، واطمئنان الشعب على حريته وكرامته ومستقبله.. فلا معنى لرحيل الدكتاتور وبقاء الدكتاتورية، فسقوط الدكتاتورية يعني سقوط النموذج الأمني، سقوط الحداثة المزيفة، سقوط الظهير الصهيوني، وسقوط الذين يقفون مع الاستبداد والدكتاتورية.
فقد رأيناهم على الفضائيات كالحي الوجوه يرهقهم الذل، وتخزيهم لعنة التاريخ.. كانت هذه قصة الانتفاضة في تونس، من الإصلاح إلى الثروة إلى الدولة النموذج الحقيقي بعون الله، فتونس ناضجة اليوم بما لم يسبق له مثيل، لو صدقت كل الأصوات التي سمعناها تتحدث عن أخطاء سابقة، وعن فتح العقول والأذهان للتنافس الشريف على إقناع الشعب بخياراتها في كنف الحرية والمسؤولية وتكافؤ الفرص في كل المؤسسات والمجالات المتاحة في البلاد، وإنهاء حالة الإقصاء والوصاية على المجتمع، بما يضمن حلولاً ديمقراطية دائمة في تونس.
إن تونس جديرة بأن تتحول من مثال للاستبداد والدكتاتورية، إلى التعددية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.