العنوان دعاة.. همّهم «الفرينجو» و«الأقوا»!
الكاتب رائد محمد بن جعفر الغامدي
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2004
مشاهدات 62
نشر في العدد 1587
نشر في الصفحة 43
السبت 31-يناير-2004
بداية أوضح معنى الكلمتين المبهمتين في عنوان المقال، ولا تستغرب أخي القارئ أن الكلمتين ذواتا أصل برتغالي وهي اللغة التي يتحدث بها أهل البرازيل، «فالفرينجو»، تعني الدجاج، و«الأقواء» تعني الماء. واسمح لي أن أزفر نفسًا ساخنًا تلجلج في صدري وأشعل فؤادي لأقول: إن مما يكدر صفو النفس ويضيق شرايين القلب أن تجد ثلة من صفوة المجتمع وهداة البشر بعدما منّ الله عليهم بنعمة الاستقامة والارتقاء لدرجة الدعوة إلى الله والاصطفاف مع جهابذة الدين الذين أفنوا أرواحهم ليعلوا دين الله في أرضه.. تجد هذه الثلة من النخبة قد حادت عن الطريق وسلكت فجاجًا تستحي الأعين النظر إليها.. تجد هذه الثلة قد تنازلت عن بعض ثوابتها فضلًا عن قناعاتها، فتبعت أذناب البقر ومالت مع المائلين أو نهجت نهج المتأولين في اصطيادهم للأقوال الشاذة التي لا تنبئ عن نفوس صافية نقية بعيدة عن الشهوات لاسيما الشبهات والأهواء.. تجد هذه الثلة التي كان لها ضجيج وجلبة في الساحات الدعوية بتوجيهاتها التربوية وكلماتها الهادفة ومواقفها المشرفة التي أرشدت شبابًا منحرفًا وهدت - بعد فضل الله- فئامًا من الأمة تقبل على الدنيا إقبال اللهث المتعطش لموارد الدنيا وحياضها، فلا تحكم عقلًا ولا تسترجع رشدًا ولا تتمثل معنى القدوة... فآه ثم آه.. كم والله يتقطع القلب على أمثال هؤلاء الذين فتروا وخارت عزائمهم الدعوية الإصلاحية فوجهوا طاقاتهم لحصد نبات أعجب الزراع، وبعدما كانوا فنارًا يرشد التائه والضال، أصبحوا من أتباع الدنيا.. والمصيبة تعظم والخطب يدلهم عندما يتحايل هؤلاء على الدين فيسيرون تصرفاتهم تبعًا لأهوائهم، وينسلخون من التورع ودرء الشبهات إلى زخرفة الشهوات بلباس الدين وسماحة الشريعة وشمولية الإسلام.
ودونك صورًا لهذه المشكلة المؤرقة:
أحدهم يقبل على التجارة والصفق بالأسواق، ويهمل الواجب العبادي الدعوي الذي خلقه الله من أجله ليبرر ذلك بسد ثغرة دعوية مهمة ليسخر من هذه الأموال التي يتاجر بها جزءًا للأعمال الإغاثية الخيرية أو المناشط الدعوية ويقول: لكم عليّ بنهاية هذه السنة أن أكفل كذا وكذا من مجالات الخير والاحتياج العام... وما إن ينخرط في تجاراته وصفقاته حتى ينخرط معها قلبه، فتدلف الدنيا إلى فؤاده وتنسل انسلال الإبرة في عمق البحر، فترى أنواع التهرب والتملص وصور الاعتذارات غير الواقعية، وآخر يسلك منعطف الزواج ولذائذه فتذوب نفسه الآبية التي كانت شعلة من النشاط ورمزًا للبذل والتضحية، فقد كان يتصدر المجالس بالحديث الإيماني وهموم الأمة وحمل لوائها، ثم ما يلبث ذلك الرجل الحديدي الذي تهاب لقاءه الأعداء، وتخشى مجيئه الليوث أن ينصهر في قالب الزواج والولع به ليغلف ذلك القالب الدنيوي بتأسيس أسرة مسلمة يبنيها ويحسن إنباتها ونماءها، ثم يتقوقع حولها!
وثالث ما إن يعلو مقامه ويتقلد منصبًا أو ينال مرتبة حتى تبدو على وجهه تقاسيم لم نعهدها من قبل وتتغير الأنفس، وتذبل العلاقات.. ويصبح الميزان المصلحة لا غير.
ورابع.. وخامس.. وهلم جرّا، والله المستعان.
والذي دعاني لهذا الحديث المر سماعي قصة داعية إسلامي ابتعثته دولته للبرازيل ليؤم المسلمين في المساجد، ويخطب بهم الجمع ويرشدهم ويعلمهم، ويكون المرجعية الدينية لهم في تلك البلاد، وأغروه براتب شهري لا يحلم به فهو يعادل عشرة أضعاف راتبه بدولته، وما إن حطت به الرحال في البرازيل، ومضت الشهور على مكوثه حتى انكشفت نيته المبيتة، فأصبح لا يظهر للناس والجاليات العربية والإسلامية إلا وقت خطبة الجمعة فقط، فما إن سئل: أين دورك الإيجابي المطلوب؟.. ولماذا لا تتعلم لغة أهل البلد ليسهل دعوتهم ومخاطبتهم؟.. حتى كان رده وجوابه أمرّ من سكوته قال أهم شيء يجب على تعلّمه كلمتين هي «الفرينجو» الدجاج، و«الأقوا» الماء، فهاتان الكلمتان مدار احتياجي اليومي!!
إن أمثال هؤلاء الذين رضعوا من صدر الدعوة وأكلوا من أرض الصحوة، وربوا عليها والتحفوا دثارها، وترعرعوا بين شبابها، ثم تنكروا لها أو أعرضوا عنها، وتنكبوا طريق مخلصيها العاملين بها، لهُو صنف يحتاج منا وقفة صادقة حتى نذكر منهم من سها ونوعي منهم من غفل، وننقذ منهم من غرق.. مع أنهم يُعدون عالة على العمل الدعوي وحجر عثرة له، إلا أننا لا ننسى من سار معنا في القافلة، «والمسلم للمسلم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». فالكلمة الصادقة، والدعوة الخالصة، والنصيحة الهادئة عوامل بناءة لإعادة الحائد وإرجاع الضال وهو منهج نسير عليه ونسلكه يحدونا الحادي:
إخوانكم لا شيء أغلى منهم لا شيء يعدلهم من الأشياء
لا تتركوهم للضياع فريسة ترك الشباب أساس كل الداء
ونذكرهم بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 168- 169).
الآن أستطيع القول إن النفس راقت بتنفيس بعض الشيء الذي أحرق الشغاف.. فيا ليت قومي يسمعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل