العنوان المغرب - تراجُع شعبية أحزاب الحكم وتعديل حكومي يثير التساؤلات
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
مشاهدات 56
نشر في العدد 1423
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 24-أكتوبر-2000
تميزت الحياة السياسية المغربية في الأسابيع الأخيرة بتطورات عدة مهمّة كرست مجموعة من المعطيات والمستجدات، تمثلت في ثلاث محطات رئيسة أسهمت في توفير عناصر مهمة تساعد على استشراف آفاق الحياة السياسية في المغرب:
1- إجراء انتخابات جزئية لشغر بعض مقاعد مجلس النواب «الغرفة الأولى للبرلمان» التي كان مطعونًا في نتائجها منذ انتخابات ۱۹۹۷م أو أن أصحابها توفوا.
2- التعديل الحكومي الذي ادخل بعض التغييرات على تشكيلة الحكومة المشكلة في مارس ۱۹۹۸م.
3- تنظيم انتخابات تجديد ثلث أعضاء مجلس المستشارين «الغرفة الثانية للبرلمان» حسب دستور ١٩٩٦م الذي ينص على تجديد ثلث أعضاء المجلس كل ثلاث سنوات.
وهي محطات مترابطة مع بعضها، أدت إلى نقاش وسط النخبة السياسية وداخل أروقة الأحزاب والنقابات؛ لأنها كشفت بالملموس محدودية الرهانات التي كانت ملقاة على عائق حكومة عبد الرحمن اليوسفي وطاقمه، وقادت الفاعلين السياسيين والحزبيين إلى الانقسام حول «تجربة التناوب» كما يصطلح على تسمية حكومة اليوسفي، بين من نفض يده من إمكان نجاحها في ترجمة البرامج التي جاءت من أجلها، ومن لا يزال يناصرها ويحاول تحصينها والدفع بها نحو النجاح فيما تبقى لها قبل حلولموعد ۲۰۰۲م تاريخ إجراء الانتخابات المقبلة.
ضربة لأحزاب الحكم
كشفت الانتخابات الجزئية لمجلس النواب التي أجريت في الحادي والثلاثين من شهر أغسطس الماضي عن تراجع كبير في شعبية أحزاب الحكم، إذ سددت لها ضربة قوية ومثلت محاكمة سياسية لأداء الحكومة بعد ثلاث سنوات من عملها. فمن أصل ست دوائر انتخابية لم تفز هذه الأحزاب إلا بمقعد واحد، رغم أنها تقدمت في كل دائرة انتخابية بمرشح مشترك يمثل الأحزاب الأربعة المنضوية فيما يسمى بالكتلة الديمقراطية، وهي الأحزاب اليسارية الثلاث: الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يرأسه الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي، وحزب التقدم والاشتراكية لإسماعيل العلوي «وزير الفلاحة» و منظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي تساند الحكومة ولا تشارك فيها، إضافة إلى حزب الاستقلال ذي التوجه الليبرالي، وحظي هذا الترشح أيضًا بدعم حزبين يساريين آخرين من خارج الكتلة ومشاركين في الحكومة.
هذه النتيجة كانت صدمة كبيرة لأحزاب اليسار عمومًا، لترفع صيحات الإنذار من تفتت قاعدتها الانتخابية، والتحذير من الفشل الذي يمكن أن تمنى به في انتخابات ٢٠٠٢م التي تعتبر حاسمة لعديد من الأسباب، على رأسها بالخصوص ظهور الفاعل الإسلامي بقوة في الساحة ممثلًا في حزب العدالة والتنمية،واحتمال مشاركة الفصائل الإسلامية الأخرى فيها.
اللافت في نتائج الانتخابات الجزئية فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بمقعدين في الدار البيضاء وجدة، المقعد الأول عاد إلى صاحبه مصطفى الحيا الذي كان الفائز الحقيقي في انتخابات ١٩٩٧م، وتم تزوير النتائج لصالح مرشح من الإتحاد الاشتراكي، أما المقعد الثاني فقد عاد إلى محمد نهاري.
وكان هذا الفوز مناسبة لتعلو بعض الأصوات من داخل أحزاب اليسار للتحذير من الإسلاميين والتخويف من انتصارهم القادم؛ إذ ظهر الإسلاميون كمنافس حقيقي لما يسمى بالأحزاب الديمقراطية مرشح لأن يحتل صدارة المشهد السياسي. وقد أعلن أحد قياديي الاتحاد الاشتراكي قائلًا: «إن المنافس الإسلامي مرشح إلى مزيد من التوسع، في حين أن القوى الديمقراطية مرشحة إلى المزيد من التهميش ومزيد من الضعف والتراجع».
قضية التخوف من الإسلاميين تعود إلى وقت سابق عن هذه الانتخابات، بعد محطات سياسية عدة قادها حزب العدالة كان أبرزها الحملة القوية والمسيرة الشعبية في الدار البيضاء في شهر مايو الماضي ضد المشروع الحكومي الخاص بالمرأة، ومعركة التسليف الربوي والتطبيع مع الصهاينة، إذ مكنت هذه المحطات من قياس درجة القوة لدى الإسلاميين واختبار ساعدهم على إدارة المعارك السياسية. وكان من نتيجة ذلك أن ظهرت دعوات إلى تشكيل جبهة موحدة لليسار بفصائله كافة، والتعبئة لإنجاح المرشح المشترك في انتخابات ۲۰۰۲م، وتجاوز الخلافات الحزبية التي أفشلت مشروع المرشح الواحد في انتخابات۱۹۹۷م، وقد بدأت لجنة التنسيق في الاشتغال منذ الآن، وعقدت لقاءات عدة كان خطر الإسلاميين على رأس جدول أعمالها.
طبعة ثانية لحكومة التناوب
المحطة الثانية كانت التعديل الحكومي في النصف الثاني من شهر سبتمبر المنقضي، وقد كانت أبرز المحطات، خاصة وقد سبقها الكثير من الجدل والتخمين والكثير من الإثارة.
وكما كان منتظرًا اتجه التعديل إلى التقليص من عدد الحقائب الوزارية، من ٤٢ وزيرًا وكاتب دولة إلى ٣٣ حقيبة فقط، بينما حافظ اليوسفي على حقيبته كوزير أول، وتم نقل بعض الوزراء إلى قطاعات أخرى، كما تم دمج وزارات في أخرى، ولم يخرج التعديل عن الأحزاب السبعة المشكّلة للحكومة السابقة؛ إذ إن هاجس التوازنات الحزبية والحسابات السياسية ظل حاضرًا، وهذاما جعل العديد من الملاحظين ينعتون الحكومة بأنها مجرد طبعة ثانية لا جديد فيها.
لكن الجديد في التعديل هذه المرة هو منح عباس الفاسي -الأمين العام لحزب الاستقلال- حقيبة التشغيل والتكوين المهني والتنمية الاجتماعية والتضامن، وكان الفاسي من أشد منتقدي الحكومة على البطء في العمل وهزالة النتائج والابتعاد عن الملفات التي تتطلب الاستعجال، رغم مشاركة حزبه بست حقائب في الطبعة الحكومية الأولى، ويأتي إسناد هذه الوزارة إلى الفاسي في رأي الملاحظين لتوريط حزب الاستقلال وإسكات معارضته، وتحقيق أكبر قسط من الانسجام داخل أحزاب الأغلبية؛ بحيث لا يبقى هناك من يغرد خارج السرب.
أما الأمر الآخر الجدير بالإشارة فهو إبعاد كاتب الدولة في الأسرة والطفولة سعيد السعدي الذي كان المدافع الرئيس عن مشروع إدماج المرأة في التنمية العلماني التوجه والمضامين، بما يعني أن الملك محمد السادس أراد من ذلك دفن الخطة ووضع حد للجدل والنزاع الذي دام أكثر من عام بين الإسلاميين والعلماء من جانب والحكومة من جانب آخر، ولاحظ البعض في هذا الإبعاد رغبة الحكومة كسب وِد الإسلاميين في البرلمان واعتبروه هديّة إليهم.
حسب الكثيرين فإن التعديل الحكومي لم يأت بجديد على مستوى منهجية العمل،فقد أكتفى فقط بتغيير الوجوه والأسماء وحافظ على الخريطة الحزبية الحكومة الأولى، كما أن الكيفية التي تم بها التعديل أحاط بها الكثير من الغموض والسريّة، وصرح العديد من قادة الأحزاب أنه لم يتم استشارتهم حول هذه التعديلات كما حدث أثناء تشكيل الحكومة في ۱۹۹۸م، بل إن بعض الوزراء فوجئ بالتعديل ولم يعلم به إلا في التلفاز أو الصحافة، وعزى البعض هذه السريّة التي ضربت على التشكيلة الجديدة إلى تخوف الوزير الأول من إثارة حفيظة زملائه داخل حزيه وعدم رغبته في الخضوع للمساومات والمزايدات السياسية، خصوصًا أن اليوسفي يواجه انتقادات عنيفة من داخل الحزب الذي يقوده بسبب تلكئه في الحسم في بعض الملفات وفشله في تحقيق ما وعد به، وهو الأمر الذي مازال يؤخر موعد المؤتمر الوطني للحزب الذي لم ينعقد رغم المواعيد الكثيرة التي تم تحديدها في السابق.
فساد الحياة السياسية
المحطة الثالثة والأخيرة التي تمثلت في تجديد ثلث أعضاء مجلس المستشارين وعددهم تسعون مستشارًا كانت موعدًا آخر للنخبة السياسية لاكتشاف فساد الحياة السياسية، إذ كان استعمال المال قويًا لشراء ذمم الناخبين في الجماعات المحلية «الولايات» والغُرف المهنية والنقابات العمالية وخلال العملية الانتخابية تم إلقاء القبض على عدد من أعضاء الجماعات والغُرف والمستشارين لدفعهم رِشا، واعترف وزير الداخلية أحمد الميداوي بأن المال كان حاضرًا في الانتخابات، وهي أول مرة يعترف فيها وزير داخلية بهذا الأمر.
هذه الظاهرة كشفت خبيئة أن العمليات الانتخابية لا تتمتع بالمصداقية والنزاهة المطلوبتين، وقد يكون لذلك انعكاسات سلبية لدى الناخبين تدفعهم إلى العزوف عن التصويت، وظهر هذا العزوف فعلًا بشكل واضح في الانتخابات الجزئية لمجلس النواب؛ إذ إن نسبة المشاركة لم تتجاوز 10% في أحسن مستوياتها․
هذه المحطات السياسية الثلاث فعلت النقاش حول أزمة الحياة السياسية المغربية، ودفعت المحللين إلى الدعوة لإعادة هيكلة المؤسسات الحزبية وتجديدها وعصرنة خطابها السياسي وإجراء إصلاحات دستورية وسياسية جديدة ويشير بعض المصادر إلى أن انتخابات ٢٠٠٢م قد يسبقها تعديل للدستور يحظى بإجماع الأطراف السياسية كافة.