العنوان أغا شاهی وزير خارجية باكستان السابق لـ«المجتمع»: لا أعتقد أن أحدًا من الحزبين الكبيرين سيحصل على الأغلبية-
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
مشاهدات 59
نشر في العدد 1069
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 05-أكتوبر-1993
·
الجماعة الإسلامية مرشحة لتغيير موازين القوى السياسية في البلاد
أغا شاهي ليس مجرد وزير خارجية باكستاني سابق،
وإنما رجل له وزنه على الساحة السياسية الباكستانية، إذ يعتبر واحدًا من المراقبين
البارزين للأحداث، وفي نفس الوقت هو شاهدُ عيان على فترة من فترات الحكم السابقة
في البلاد، وعلاوة على ذلك فهو يرأس المعهد الدولي الباكستاني، أحد معاهد الدراسات
السياسية البارزة في البلاد. التقته «المجتمع» كمحلل مستقل ومحايد تدعيمًا للرؤية
الشاملة لساحة الانتخابات الباكستانية، وكان هذا الحوار:
المجتمع:
كثير من الدوائر المتابعة للعملية الانتخابية في باكستان لا تتوقع حصول أي من
الحزبين الكبيرين على أغلبية كبيرة في الانتخابات، الأمر الذي يطرح سؤالًا عامًا
وهو: هل يمكن في ظل هذه التكهنات أن يتكرر نفس السيناريو الذي عاشته البلاد قبل
عدة أشهر خلت؟
أغا شاهي:
ليس هناك خيار آخر.. لأن البديل سيكون تدخل الجيش، وهذا من شأنه أن يقود إلى أزمة
أكثر خطورة في البلاد.. إذن دعنا نجري الانتخابات وننتظر ما ستسفر عنه، فربما يحصل
حزب ما على أغلبية كبيرة تمكنه من تشكيل حكومة قوية، وحتى ولو لم يحدث ذلك فإن فرص
التحالف مع قوى أخرى لتشكيل حكومة ائتلافية أمر وارد مثلما يحدث في كثير من بلدان
العالم الثالث.. في اليابان مثلًا الحزب الديمقراطي ظل يتمتع بأغلبية لفترة ٤٠ عامًا،
غير أنه في الانتخابات الأخيرة اضطر للتحالف مع غيره لتشكيل الحكومة.
المجتمع: ولكن حكومة نواز شريف
السابقة، رغم ما حظيت به من أغلبية كبيرة داخل البرلمان، إلَّا أنها لم تلبث كثيرًا
في السلطة حتى تعرضت للإقالة وحل البرلمان على إثر ذلك، وكان من بين العوامل التي
أسهمت في حل الحكومة هو موقف المعارضة التي كانت متمسكة بموقفها القائم على أن
حكومة نواز وصلت للسلطة بالتزوير، رغم ما قيل عن نزاهة الانتخابات وإشراف إدارة
انتقالية عليها أيضًا!
أغا شاهي:
ليس هناك خيار آخر.. وإنني أعتقد أن الإدارة الانتقالية الحالية ودور الجيش في
الإشراف على العملية الانتخابية، وهي ظاهرة جديدة في البلاد، سوف يحول دون وقوع أي
تزوير في الانتخابات، وبالتالي لن تكون هناك فرصة أمام أي قوىً سياسية لإثارة قضية
التزوير في الانتخابات لأن الشعب لن يسمح بها.
المجتمع:
الشارع الباكستاني فقد ثقته كما يبدو في الحزبين الكبيرين، خاصة بعد انفجار
الأزمة السياسية الأخيرة وما أثير حولها، إلى الحد الذي دفع بعض المراقبين إلى
القول إن البلاد في حاجة إلى بديل أكثر مصداقية وأكثر حرصًا على مستقبل البلاد؟ ما
تعليقكم على ذلك؟
أغا شاهي:
هذا ربما يكون صحيحًا، ولكن الصعوبة في إيجاد قيادة سياسية جديدة؛ أنت في حاجة إلى
قائد ذي شخصية كاريزمية، أنت في حاجة إلى قيادة تعمل لصالح البلاد بعيدًا عن
الأهواء والمصالح الشخصية، هذا النوع من القيادة يمكن أن يحل محل القيادة السياسية
الحالية إن وجدت، وهذه القيادة فضلًا عن هذه المؤهلات المطلوبة تحتاج كذلك إلى
أموال كثيرة لإنفاقها في العملية الانتخابية؛ لأنه للأسف إذا لم يكن لديك أموال
كافية لن تستطيع أن تكسب ولاءات أو أنصارًا.. أنت في حاجة إلى وسائل مواصلات.. في
حاجة إلى إطعام من يقومون بتنظيم العملية الانتخابية.. أمور كثيرة تتطلب أموالًا
كثيرة أيضًا. وفضلًا عن كل ذلك فإن أي حزب رغم ما يرفع من شعارات، فإنه لا يستطيع
أن ينجز عمل ما وعد به في فترة وجوده إلَّا نادرًا.. ومن هنا فليس أمام الشعب
إلَّا أن يقارن بين القوى السياسية ويختار أفضلها.
المجتمع:
الجماعة الإسلامية شكلت مؤخرًا ما عرف بالجبهة الإسلامية الباكستانية، وقد تردد
كثيرًا أن الجبهة قد كسبت تأييدًا كبيرًا في الآونة الأخيرة، فكيف ترون مستقبل هذه
الجبهة؟
أغا شاهي:
لا شك أن الجماعة الإسلامية من أفضل الأحزاب تنظيمًا، ولكن إجراءات الالتحاق
بالجماعة ومعايير التقييم عندهم صعبة، ولكن إذا نجحت الجماعة فعلًا في فتح الطريق
أمام القوى الأخرى للعمل معها دون التقيد بحرفية دستور الجماعة، وإذا ما نجحت في
تقديم برنامج انتخابي مقبول، فإن ذلك من شأنه أن يغير من معدلات القوى السياسية في
البلاد. وأعتقد أن هناك بوادر لهذا التغير في سياسة الجماعة الإسلامية خاصة بعد
تشكيل الجبهة الإسلامية، على أية حال فهناك أحزاب كثيرة تحدثت عن أسلمة المجتمع
لكن لم تتناول أسلوب تنفيذها بالمعالجة، لم تتناول هذه الأحزاب مثلًا كيف سيكون
نظام التعليم، والإدارة، والربا، وحقوق المرأة الديمقراطية.
المجتمع: ما جوانب الضعف التي
تعاني منها القوى الإسلامية الباكستانية- في تقديرك؟
أغا شاهي:
إن أبرز مكامن الضعف عند هذه القوى هو اختلافها فيما بينها، بالإضافة إلى انتقادهم
للكوادر التي تعتمد عليها في إدارة البلاد، وهذا ما يشكل مظهرًا عامًا بين مختلف
القوى الباكستانية سواء في التعليم أو الاقتصاد أو الصحة أو العمل السياسي... إلخ،
في الغرب كل حزب له كوادره التي يسعى إلى تفريغها للاعتماد عليها في المستقبل.
المجتمع: هل تتفق مع من يقول إن
الفارق الوحيد بين حزب الشعب الباكستاني وحزب الرابطة الإسلامية أن زعيم الأول امرأة
والآخر رجل؟
أغا شاهي:
لا أتفق مع هذا الرأي، فهناك اختلاف آخر وهو التنافس على القوة.. بينظير زعيمة
سياسية ويجب أن نقبل بذلك شئنا أم أبينا، إنها تحظى بأنصار كثيرين وشغلت من قبل
منصب رئيس وزراء وتمكنت من تحقيق أغلبية في البرلمان من قبل. بينظير بوتو ليست
الأولى التي تتولى هذا المنصب، ولكن سبقتها لذلك أنديرا غاندي وباندرانيكا.
المجتمع:
إنني أسأل عن المبادئ التي تحكم الحزبين ولا أسأل عن بينظير بوتو؟
أغا شاهي:
بالتأكيد هناك مبادئ تحكم الحزبين ولكن غالبًا ما يحدث تخل نسبي عنها أو مساومة
عليها بالقدر الذي يحفظ لهم البقاء في السلطة، ولكني يجب أن أؤكد على نقطة أساسية
وهي أن القوى السياسية الباكستانية لا تساوم على المصالح الوطنية في البلاد. فمثلًا
البرنامج النووي الباكستاني يتعرض لضغوط شديدة، ورغم ذلك فلا يقدر أحد على
المساومة عليه.
المجتمع:
هناك رأي يقول إن بينظير بوتو أكثر مرونة من غيرها فيما يتعلق بقضايا السلاح
النووي.. كشمير... إلخ، وإنها -أي بينظير- أكثر قبولًا لدى الهند من غيرها، وقد
لاحظت ذلك خلال زيارتي للهند مؤخرًا؟
أغا شاهي:
المرونة مطلوبة في المفاوضات، ولكن هناك حد لا يمكن النزول عنه، يمكن أن أكون مرنًا
في أسلوب التفاوض ولكن ليس على الحد الأدنى.. وحينما يعتقد الهنود أن بينظير بوتو
أكثر مرونة حول كشمير أو البرنامج النووي فهذا لا يعني صدق اعتقادهم؛ لأنه لا يوجد
أي زعيم وطني يساوم على المصالح العليا للبلاد. نعم إنهم يكرهون حزب الرابطة
الإسلامية الذي يتزعمه نواز لأن هذا الحزب هو الذي أدى إلى قيام دولة باكستان، لكن
ذلك لا يعني أن بينظير أكثر مرونة من غيرها فليس هناك ما يثبت ذلك، لكن يمكن القول
إن بينظير أكثر ذكاءً ولباقة، وإذا كانت الهند تريد كل شيء من باكستان ولا تتخلى
عن أي شيء، فإن باكستان أيًا كانت القيادة التي تحكمها لن تتخلى عن مصالحها
العليا.
المجتمع:
أبسط تشخيص للمعركة الدائرة اليوم في باكستان أنها صراع بين الإقطاع الذي يمثله
حزب الشعب وطبقة رجال الأعمال التي ظهرت مؤخرًا، فما حقيقة هذا التفسير؟
أغا شاهي:
تاريخيًا فإن الإقطاع في باكستان يشكل عنصرًا مهيمنًا على السياسة الباكستانية بما
لديه من مقدرة على حشد أكبر عدد ممكن من الناخبين، وبالتالي نجاحهم ودخولهم اللعبة
السياسية، وهذا من شأنه أن يحدد نوعية رئيس الوزراء القادم أو رئيس الدولة أيضًا..
نواز شريف يمثل الطبقة الجديدة من رجال الأعمال الصناعية، وهذه الطبقة من رجال
الأعمال تريد للاقتصاد أن يكون كامل التحرر، وأن باستطاعتهم تحويل باكستان خلال
سنوات إلى دولة مثل كوريا، وربما يكون ذلك ممكنًا، ولكن عمليًا -ولأن هدفهم
الرئيسي هو مضاعفة الاستثمار في ظل هذا الجو من الحرية وعن طريق اقتراض مبالغ
كبيرة من البنوك الحكومية وعدم دفع جزء كبير من هذه الأموال في الاستثمارات وإنما
اللجوء إلى استثمار عن طريق إعادة اقتراض هذه الأموال مرة أخرى، وبالتالي تظل هذه
الأموال متمركزة في يد قلة قليلة من رجال الأعمال.
لقد قامت هناك شعارات تقول في الماضي إن
اقتصاد باكستان محصور في يد ٢٥ عائلة إقطاعية، أما اليوم ومع هذه السياسة
الاقتصادية الحديثة التي ينشدها نواز شريف فربما يزيد عدد العائلات المسيطرة إلى
٤٥ عائلة أو ١٠٠ عائلة، ولكن ستظل الثروة متمركزة في النهاية في يد عدد قليل من
الشعب، وهذا من شأنه أن يقود إلى أضرار اجتماعية وخيمة وإلى اتساع الفوارق
الطبقية. إن غياب الوعي الاجتماعي لدى طبقة رجال الأعمال الجديدة، هذا الوعي الذي
أقصد به الجوانب الصحية والإسكان والتعليم... إلخ، يشكل عنصرًا هامًا في استقرار
المجتمع. ولذلك فإن الحرية الكاملة التي يريدها رجال الأعمال الجدد قد تؤدي فقط
إلى سيطرة السوق السوداء وتجارة المخدرات.
المجتمع:
في ضوء سير الحملات الانتخابية الحالية، في تقديرك من سيحصل على أغلبية في
الانتخابات؟
أغا شاهي: لا أعتقد أن أحدًا من الحزبين الكبيرين سيحصل على أغلبية.. وسيضطر أحدهما إلى التحالف مع قوى أخرى.. باختصار القيادة الباكستانية في حاجة إلى مزيد من الوعي والنضج.