العنوان هيمنة مرشد الثورة.. وسيطرة التيار المحافظ.. أشواك في طريق إيران.. خاتمي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997
مشاهدات 52
نشر في العدد 1261
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 05-أغسطس-1997
لا يوافق على شعار «تصدير الثورة» ومنطقه في السياسة الخارجية.. الحوار لا الصدام.
متحمس لتحسين العلاقات مع الغرب، ومقتنع بأن جوهر الصراع هو مع أمريكا، وليس لديه تنازلات في هذا الصدد.
*أصوات الملايين العشرين.. هل يضطرها اليمين المحافظ إلى التعبير عن نفسها عبر الشارع الإيراني؟
* ميثاق خاتمي مع الشعب.. رسالة تطمين لمؤيديه ورسالة تحذير لليمين.
* التليفزيون يرد طلبًا لخاتمي بإجراء حوارات مع الجماهير على الهواء مباشرة بحجة أن مثل هذا الطلب لم يرد في القانون!
الثاني من أغسطس.. كانت إيران على موعد مع تسلم رئيسها الجديد محمد خاتمي مقاليد السُلطة رسميًا في البلاد.
وبعيدًا عن الغبطة العارمة وشبه العارمة التي عمّت الشارع الإيراني، عندما أعلن رسميًا عن تحقيق خاتمي فوزًا ساحقًا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وبمنأى عن وقع المفاجأة الذي أنتاب معظم الأوساط السياسية والرسمية والإعلامية والإقليمية والدولية لفوز المرشح المستقل، وفشل مرشح قوي النفوذ والتأثير، بل قوي الحكم في البلاد رئيس البرلمان علي أكبر ناطق نوري، وبمعزل عن التوصيفات والتساؤلات التي بدأت ولم تتوقف عما جرى.. هل هي ثورة شعبية جديدة، أم ثورة سلمية، أم انتفاضة جماهيرية، أم عملية تجديد للثورة، أم محطة طبيعية.. وإن كانت نوعية في تاريخ نظام الجمهورية.. إلخ.
وعلى هامش التقويمات التي لا يبدو أنها ستجد لها نهاية في القريب العاجل للحقبة الماضية من عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني، وبالتالي تحديد الإيجابيات والسلبيات والنقائص، وما هو ثقل التركة التي خلفها رفسنجاني لخاتمي، وما يمكن أن يكون لها من آثار إيجابية أو تداعيات سلبية على مشروعه الطموح، والبديل الذي بشر به في برنامجه الانتخابي.
بعيدًا عن كل هذه الملاحظات تستدعي اللحظة التاريخية الراهنة التي يتسلم فيها خاتمي مهامه رسميًا كرئيس للجمهورية الإيرانية للسنوات الأربع المقبلة على الأقل، أن يجازف المراقب بتوقع ماذا يمكن أن يحقق هذا «السيد» القادم من الحوزة العلمية والجامعة الأكاديمية، والمنطلق من رحم تيار سياسي كان الأكثر فاعلية في محيط قيادة الثورة، لكنه كان الأكثر تهميشًا عن الحكم في السنوات الأخيرة، فانتخابات ٢٤ مايو الأخيرة شكلت منعرجًا في التاريخ السياسي المعاصر لنظام الجمهورية، وتكفي نظرة بسيطة بل ضيقة، لما حفلت به وسائل الإعلام العالمية من تغطية للانتخابات وما حُبلت به التقويمات السياسية الشعبية والنخبوية والرسمية للنتائج «المفاجئة» وما تزال التحليلات تتناول الحدث استشرافًا وتوقعًا، حتى ندرك أن ما هو متوقع من خاتمي- شخصًا وعهدًا، داخليًا وخارجيًا- هو كثير، ولعل ذلك يشكل أحد أهم التحديات التي سيواجهها الرئيس الإيراني الجديد، فالتوقعات تكاد تكون خيالية لدى البعض، والرجل لا يملك عصا سحرية لاعتبارات موضوعية قبل أن تكون ذاتية، وهو أولًا وأخيرًا رئيس إيران البلد المتعدد القوميات والمذاهب، والمتنوع سياسيًا على المستويين الشعبي والسلطوي، والذي يُثبت التاريخ أنه بلد التحولات البطيئة، حتى وإن كانت هبّات شعبية فجائية.
وتأسيسًا على ما تقدم، يبدو السؤال المحوري- وقد صادق مرشد الثورة على قرار الشعب بانتخاب خاتمي، وأدى الرئيس اليمين الدستورية أمام مجلس الشورى الإسلامي، والجميع ينتظر هوية فريق سلطته التنفيذية- ما المتوقع من خاتمي داخليًا وإقليميًا ودوليًا؟ وماذا يمكن أن يحقق الرجل سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا وفي علاقاته مع المحيط والإقليم والعالم؟ وحتى الحركات الإسلامية التي لا يزال البعض في إيران- وهي مفارقة- ينظر إليها على أنها الرصيد الشعبي الإستراتيجي لإيران الثورة، على الرغم من أن الموضوعية تقتضي التقرير بأن خاتمي سينفتح عهده وعلاقات الحكومة الإيرانية بعدد كبير من الحكومات المعادية لأجل المشروع الإسلامي الإيراني، هي أوثق بمسافات بعيدة من أي حركة إسلامية في العالم، اللهم إلا تلك المرتبطة عفويًا وفعليًا بالقيادة الدينية والسياسية في إيران؟!.
السلطة التشريعية
المرشد الأعلى «الولي الفقيه»
مجلس الخبراء - مجلس صيانة الدستور
مجلس الشورى الإسلامي «البرلمان».
خاتمي يدشن عهده قويًا.. ولكن!
ثلاثة عناصر أساسية- لكنها قد لا تكون الرئيسة والمحددة- تميز خاتمي وتمنحه رصيدًا قويًا يساعده على أن يبدأ عهد «الخاتمية» بكثير من الثقة.
الملايين العشرون التي حققها في الانتخابات أولًا، وشخصيته ثانيًا، وبرنامجه ووعوده ثالثًا، إذ لا يختلف اثنان في إيران- الموالاة والمعارضة- على أن النسبة العالية من الأصوات التي حصدها خاتمي في الانتخابات الرئاسية تشكل رصيدًا يساعده على فرض رؤاه الإصلاحية التي طرحها برنامجه الانتخابي وانتصر بها، ويدرك خاتمي هذه النقطة جيدًا، ويقول أعضاء في فريقه الاستشاري: إن أحد الأساليب التي سيتوسلها الرئيس الجديد في علاقته مع الشعب، هو التواصل المباشر والمستمر في إطار من الشفافية، وسيحاول أن يتجنب- قدر الإمكان- التعامل من فوق ضمن منطق «هيبة الدولة» و«ضرورات الحكم»، وسينزل إلى الشارع، ويتحاور ويتحادث مع الناس بشكل مباشر، وأشاروا في هذا الصدد إلى الزيارة المفاجئة التي قام بها خاتمي مؤخرًا إلى معسكر الشباب، وبقي وقتًا طويلًا إلى جانبهم، وتجاذب معهم أطراف الحديث، وأنصت طويلًا إلى آراء واقتراحات للشباب والشابات، ولفتوا إلى أنه بادر إلى تقديم «تقرير» إلى الشعب عبر شاشة التلفزيون، أوضح فيه ماذا فعل منذ انتخابه حتى الآن، وأكد أنه سيشكل حكومة قوية ومجددة ومبتكرة، تحمل أفكارًا جديدة، ليستطيع أن يحقق مطالب الشعب في أكثر من مجال، لكن أهم ما تضمنه تقريره هو توجيهه مناشدة «صريحة» للشعب بأنه سيكون «باستمرار» في حاجة ماسة إلى دعمه ومساعدته، أي أن خاتمي لمّح إلى أن طريقه ستكون محفوفة بكثير من الأشواك، وأن جهات دينية وسياسية وغير مدنية لا تزال تتمتع بنفوذ في النظام، ولا تتفق وتوجهات خاتمي الثقافية والسياسية وحتى الاقتصادية، ولا يبدو أنها ستستسلم لما جرى في ٢٣ مايو بل يظهر جليًا أنها سوف تشحذ أسلحتها لتعد العدة لانتخابات ۲۰۰۱م، هذا إذا لم تكن تخطط لإجراء انتخابات رئاسية استثنائية، أي قبل موعدها المحدد بعد أربع سنوات، لسبب أو لآخر.
وكمثال على أن خاتمي لن يكون طليق اليدين في كل شيء، فإنه طلب قبل شهر من مؤسسة الإذاعة والتلفزيون أن تخصص له مسافة زمنية على الشاشة المرئية دوريًا كل أسبوعين؛ ليتحاور مع الشعب في برنامج يبث مباشرة على الهواء، يتلقى خلاله مكالمات المواطنين هاتفيًا، ويرد على أسئلتهم واستيضاحاتهم، وعلى أن تخصص كل حلقة لفئة من المواطنين مرة للشباب، وأخرى للنساء، وثالثة للطلاب، ورابعة للموظفين وهكذا.. لكن إدارة التلفزيون لم تستجب لطلبه، وتعلّلت بأنه لا يوجد في القانون الداخلي للمؤسسة بند يسمح بأن يتحدث رئيس الجمهورية مباشرة على الهواء على شاشة التلفزيون!.
ولم تقل إدارة التلفزيون أن القانون الداخلي يمنع هذا الأمر؛ لكنها شددت على أن القانون لم يشر إلى طلب مماثل!! وربما يتساءل المرء: ما الذي يجيز لمؤسسة إعلامية رسمية أن ترفض طلبًا لرئيس الجمهورية؟ والجواب أن هذه المؤسسة تابعة لمرشد الثورة، وليس للسلطة التنفيذية أو أي جهة حكومية.
وهذا المثال السالف الذِكر يشير في حقيقة الأمر إلى مسألتين أساسيتين الأولى: أن النظام في إيران لا يزال أشبه بالجُزر الحاكمة، فهناك مؤسسات إعلامية وسياسية واقتصادية على هامش الحكومة، لا على هامش الدولة، وهي ترتبط بالمرشد، وليس لأحد في النظام سُلطة عليها، وأخرى على صلة بجهات دينية متنفذة في النظام، بل إن كل الأجهزة العسكرية ليس لرئيس الجمهورية أن يديرها أو يوجهها لا من قريب أو بعيد، ومؤخرًا، منعت الأجهزة الأمنية المفكر الإسلامي الإيراني الدكتور عبد الكريم سروش من السفر للمشاركة في مؤتمر فكري دولي نظمته جامعة أوكسفورد بلندن، وعلى الرغم من تدخل الرئيس رفسنجاني وإصداره «أمرًا» بتمكين سروش من السفر، إلا أن طلبه لم يُنَفّذ!!، يحصل هذا الأمر مع رفسنجاني الذي يُعد واحدًا من أبرز رموز الثورة والنظام والدولة، ولا توجد جهة دينية أو غير دينية أو حتى سياسية تجاهر بمعارضتها له أو لسياساته، فما بالك بخاتمي الذي جاء إلى كرسي الرئاسة بعد معركة ضروس مع اليمين المحافظ، التيار الأقوى في النظام، ومع مرشح هذا التيار ناطق نوري الذي حظي بدعم صريح وعلني ومباشر من أهم قوى ومؤسسات النظام بما فيها الحرس الثوري؟ ولذلك يشدد الفريق الاستشاري لخاتمي على أن الملايين العشرين، أي الأغلبية من الشعب الإيراني الذين صوتوا لخاتمي وبرنامجه وأطروحاته متحدين السُلطة وكبار القوم في البلاد والنظام، يجب أن يكون هذا العدد هو ملاذ خاتمي الرئيسي كلما «دعت الحاجة»، إدراكًا منهم أن الجميع في إيران مستوعب لحقيقة واضحة، وهي أن الشعب الذي عبّر عن إرادته عبر صناديق الاقتراع هذه المرة، قد يلجأ إلى الشارع ليعبّر عن رأيه في المرة المقبلة، خصوصًا إذا اتضح أن خاتمي لم يترك له أي سبيل للعمل الحقيقي.
عناصر شخصية مميزة
كذلك تشكل «شخصية» خاتمي عنصرًا إضافيًا لقوته، فقد عُرف في الداخل والخارج بأنه رجل مثقف، وصاحب علم غزير دينيًا وأكاديميًا، لكن الشيء الذي يجهله الكثيرون هو أن الرجل سياسي محنك، وأن البُعد الفكري الثقافي البيّن لديه، قد يساهم في أن يجعل من أطروحاته وتوجهاته ومواقفه السياسية أكثر هدوءًا وأقل انفعالًا، وربما يكون دافعًا أيضًا لتأهيلها بدل أن تكون خاضعة فقط لمنطق البراجماتية والمناورة الذي طبع السياسة الإيرانية طيلة السنوات الأخيرة، لكن النقطة الأهم بالنسبة للمواطن الإيراني، هي نظرته إلى خاتمي على أنه رجل «صادق ومبدئي»، ويرى الإيرانيون في تجربة إشراف خاتمي على وزارة الإرشاد لمدة «11 عامًا» مثالًا حيًا على النموذج الذي لا يزال راسخًا في أذهانهم، فقد استطاع أن ينهض بالعمل الثقافي رغم القيود والضغوط التي فرضها عدد من المتحجرين، واستمرار الحرب مع العراق «۱۹۸۰م- ۱۹۸۸م»، ثم رفض بعد ذلك تقديم تنازلات للمحافظين الذين نجحوا في الهيمنة على البرلمان في انتخابات عام ١٩٩٢م، وآثر الاستقالة على تلبية طلبات رآها غير واقعية، ويرى المواطن الإيراني أيضًا أن خاتمي رجل حاسم وحازم وجريء، ولعله يستند إلى قرار الترشيح للانتخابات الرئاسية في وقت كان الرجل يعيش في الظل، وكانت الأجواء العامة توحي بأن المعركة الرئاسية محسومة سلفًا، وأن مرشح «النظام» هو الذي سيفوز، أو هو الذي يجب أن يفوز، ولم يكتف الرجل بالترشيح، بل خاض منافسة انتخابية شرسة، وحقق فوزًا ساحقًا «راجع المجتمع عدد ١٢٥٢». ومن أجل ذلك ينظر الناخبون بتفاؤل إلى أن الوعود التي أطلقها خاتمي في الحملة الانتخابية سيعمل جديًا على الوفاء بها، وبذل الجهد لتطبيق الجزء الأكبر منها، ولا شك أن خاتمي يفطن أيضًا لهذه النقطة، لذلك شدد في تقريره السابق للرأي العام على أن برنامجه الانتخابي بات «ميثاقًا» مع الشعب، وأكد أنه «مُلزم» بتطبيقه، وهي رسالة مزدوجة تطمينية للرأي العام، وتحذيرية للمحافظين المعارضين بأنه لن يكترث كثيرًا بتحفظاتهم وانتقاداتهم التي بدأت حتى قبل أن يتسلم مهامه بشكل رسمي.
ماذا تتوقع من الرئيس الجديد ؟
- تطبيق سلطة القانون وتحقيق المساواة بين الجميع وبناء إيران مزدهرة. | 25% |
- العمل بجدية لحل مشكلات الشباب والتضخم وتنظيم مراقبة اقتصادية. | 22% |
- الانفتاح السياسي وتمكين الناس من القيام بدور أكثر فعالية في المشاركة العامة. | 6% |
- زيادة الإنتاج وتحسين القوة الشرائية ودخل المواطنين | 6% |
- استمرار الإعمار. | 5% |
| - كل ما ذُكِر. | 29% |
جدول رقم (1).
ماذا سيفعل خاتمي؟
- سيعمل بالقانون ويحد من نشاط الجماعات المتطرفة. | 40% |
- سينفذ ما وعد به. | 20% |
- ستحل مشكلات المجتمع والشباب نسبيًا في ولايته. | 14% |
- سيستمر في مسيرة الإعمار. | 8% |
- سينجح في تحقيق انفتاح سياسي. | 6% |
- سيخدم إيران والإسلام. | 8% |
| - سيسود القانون في عهده. | 4% |
جدول رقم (2).
برنامج خاتمي
والواقع أن برنامجه يشكل هو الآخر نقطة قوة لدى خاتمي، فقد شدد على نحت مجتمع مدني يسود فيه القانون، وتحترم فيه حقوق الإنسان، وتتعزز الحريات العامة، السياسية والثقافية والإعلامية، وقال إنه يؤمن بالتنمية الشاملة، ويعارض التنمية الاقتصادية التي تهمّش السياسة والثقافة، وأن استمراره في نهج البناء والإعمار الذي باشره الرئيس هاشمي رفسنجاني يجب أن يُقرن بهدف «مركزي»، هو تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذه العناوين باتت مسألة ضرورية للمواطن الإيراني، إذ لاريب أن محطة الانتخابات الرئاسية الأخيرة شكلت تجربة متميزة لنظام سياسي يرفع شعارات إسلامية، حيث جرت عمليات الاقتراع في كنف النزاهة والحرية والأمان، لكن الرسالة الانتخابية كانت واضحة: «التغيير والإصلاح»، إن ضجر الناس من استفحال ظاهرة المحسوبية، والرشاوى والاختلاسات والفساد المالي، وتعمق الفوارق الطبقية، والتضخم، وبروز الفوضى الأمنية خصوصًا خلال السنتين الأخيرتين، حتى بات أنصار «حزب الله» على وجه الخصوص- وهم يشكلون مجموعة صغيرة في المجتمع، لكنها مدعومة من قوى نافذة في الحكم- يقيمون دوريات «أمنية» في الشوارع العامة تحت عنوان «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» دون أن يتعرضوا لأي منع من قِبَل السلطات الأمنية للدولة، وبدا جليًا أن البلاد تسير في اتجاه مزيد من التشدد الثقافي والسياسي في الداخل.
مسؤوليات وصلاحيات المرشد الأعلى:
المرشد الأعلى السُلطة العليا:
- تعيين ممثلين في مجلس الدفاع الأعلى.
- تعيين أعضاء مجلس صيانة الدستور «الفقهاء».
- تعيين أعضاء مجلس تشخيص المصلحة.
- إعلان الحرب أو السلام.
- تعيين قادة الجيش والحرس ورؤساء أركان القيادة العامة القوات المسلحة.
- عزل وتنصيب رئيس الجمهورية.
- تعيين رئيس السلطة القضائية.
- تعيين المدعي العام.
- تعيين رئيس الديوان الأعلى للقضاء.
أجرت وكالة الأنباء الإيرانية استطلاعًا للرأي أخيرًا، تطرّق إلى أكثر من نقطة ارتبطت بالعملية الانتخابية الرئاسية وبآفاقها، وبلغة الأرقام، جاءت التوقعات من خاتمي كما هو مبين في الجدولين (1، 2).
ولعل الملاحظة الرئيسة الأولى التي نلفت الانتباه لدى استعراض أرقام الاستطلاع هي أن الهم الرئيسي لدى الإيرانيين هو الداخل وليس الخارج، إذ من المفارقة أن لا أحد طالب بتحسين علاقات إيران الدولية، وكأن المسألة لا تعنيهم، أو كأنهم راضون عن السياسة الخارجية المتبعة، أو كأنهم يقولون إن كل شيء يهون أمام إحداث إصلاحات حقيقية في الداخل، وإن تحقق ذلك فإنه سينعكس آليًا على الخارج.
فهل خاتمي قادر فعليًا على الوفاء بكل الوعود وتحقيق كل المطالب؟ لا يتوقف الأمر على شخص الرئيس وحده، وإن كان هو المسؤول الفعلي عن ذلك، والمطالب الأول به، وأول بند على جدول أعمال خاتمي في المرحلة المقبلة، والذى يدرك أنه مفتاح رئيسي في قدرته على العمل والإنجاز، هو إيجاد علاقة متينة وقوية مع مرشد الثورة علي خامنئي، فهو الرجل الأول في النظام وهو يتمتع بصفته «ولي الفقيه» بصلاحيات دستورية واسعة، والأهم أنه قادر على تعطيل عمل رئيس الجمهورية إذا أراد ذلك، وليس بالضرورة أن يكون الأمر علنًا وبشكل صريح ومباشر، فهو يشرف على مؤسسات وأجهزة قادرة على التأثير بقوة إيجابًا أو سلبًا، مثل الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، وجانب كبير من الإعلام الرسمي وغير الرسمي، ويستطيع أن يحرك أكثر من تيار ديني وسياسي معارض لخاتمي، خصوصًا اليمين المحافظ، وهو قادر أيضًا على أن يجعل من مؤسسة «مجمع تشخيص مصلحة النظام» التي سيشرف عليها رفسنجاني في السنوات الخمس المقبلة، مؤسسة «ضرار» لمؤسسة رئاسة الجمهورية، بما أنه منحها أخيرًا صلاحية تحديد السياسات العليا للبلاد، وحق الاطلاع على تقارير الدولة والإدارة، وعلى الرغم من أن «المجمع» يظل هيئة استشارية للمرشد.
ولذلك، يشدد الفريق الاستشاري لخاتمي على أن الرئيس الجديد حريص على توثيق علاقته بخامنئي، بل والوصول إلى مرحلة التحالف، ويعتقدون أن هذا الأمر ممكن لعدة أسباب: الأول أن جوهر برنامج خاتمي لا يتناقض مع الرؤى الفعلية لخامنئي، بل يؤكدون أنها تنسجم معه خصوصًا في الجانب الثقافي، ويشيرون إلى أن خامنئي هو في واقع الأمر من دعاة الانفتاح، لكن موقعه كولي للفقيه يستدعي أحيانًا خطابًا محددًا، إضافة إلى أن السنوات السابقة شهدت هجومًا عنيفًا من المحافظين على مؤسسات الدولة والإدارة، يضاف إلى قوتهم التاريخية في المؤسسة الدينية التقليدية التي يحرص خامنئي على عدم التصادم معها، بل ويرى نفسه في حاجة إليها، خصوصًا وأن عددًا من كبار مراجع الحوزة العلمية في «قم» لا يزالون يعارضون منحه لقب آية الله العظمى، أي أن يصبح مرجعًا تقليديًا، ويتوقع الفريق الاستشاري لخاتمي بأن خامنئي لن يتصدّى لخيار الانفتاح الثقافي والسياسي الذي سينتهجه الرئيس الجديد، ليس فقط لأن ذلك ينسجم مع رؤيته، بل لأنه مقتنع بأن المرحلة تستدعي ذلك، وأن نتائج الانتخابات كانت رسالة عميقة وواضحة، بل وينقل مطّلعون أن خامنئي قال لخاتمي في أول لقاء بينهما غداة صدور نتائج الانتخابات: «لقد وصلت الرسالة».
أما عن الإصلاحات التي ينوي خاتمي إحداثها في المجال الاقتصادي، وسعيه إلى التوفيق بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، فهو أمر بات مطلبًا جماعيًا، ولا يمكن لأحد أن يعارضه، لأن القضية أصبحت مرتبطة بقوت المواطن اليومي، ولم يجد بعض الأطراف حرجًا في التحذير علنًا من أن استفحال الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية قد يعرّض البلاد إلى اهتزازات اجتماعية غير محسوبة، ومن يرصد التطورات الأخيرة في إيران يلحظ أن خامنئي بادر شخصيًا إلى إطلاق حملة مكافحة الفساد والتطهير، وقد استحدثت شعبة خاصة في رئاسة السُلطة القضائية لملاحقة ملفات الفساد المالي والاختلاسات والرشاوى، وقيل إنه تم اعتقال عدد من كبار المسؤولين.
لكن يبقى دور تيار اليمين المحافظ الذي لا يزال يتمتع بنفوذ في مؤسسات القرار والحوزة الدينية، ويعتقد جل الملاحظين أن المحافظين سيختارون المعارضة في المرحلة المقبلة، وسيستخدمون قواهم ونفوذهم لاستعادة السُلطة في أول استحقاق.
وإذا أشرنا إلى أن اليمين المحافظ هو تحالف بين المؤسسة الدينية التقليدية وقوى البازار «الرأسمالية التجارية»، ندرك أن هذا التيار يملك إمكانات فعلية للتشويش وحتى التعويق، كما أن المحافظين يتمتعون بأغلبية نسبية في البرلمان على الرغم من أن خاتمي نجح في اختراق السُلطة الاشتراعية، بعد أن أعلنت كتلة النواب المستقلين تأييدها لخاتمي في المرحلة المقبلة، وبات الرئيس يحظى بتأييد نحو ۱۷۰ نائبًا من بين ٢٧٠، لكن المراقبين يعتقدون بأن كتلة المستقلين تفتقد إلى انسجام قائم على برنامج سياسي واضح، وأن استمالة بعضهم من قِبَل هذا التيار أو ذاك هو أمر متوقع ووارد جدًا، وهو ما يعني أن خاتمي يمكن أن يواجه مشكلات في المستقبل من قِبَل البرلمان الذي يمنحه الدستور صلاحيات واسعة في المراقبة والمحاسبة، وحتى منح الثقة للوزراء، كل وزير على حدة، وفي منصبه، بل ويستطيع البرلمان أن يسقط رئيس الجمهورية، شرط أن يحظى قراره بمصادقة من المرشد، كما حصل في بداية الثورة مع أول رئيس للجمهورية أبو الحسن بني صدر.
ويمكن القول إن خاتمي سيفلح في إحداث انفتاح ثقافي وسياسي ضمن الالتزام بقيم الإسلام ومبادئ الدستور، وسيفرض نهج سيادة القانون واحترامه إذا تعاون معه خامنئي، لكن المعضلة الأساسية تكمن في مدى نجاحه في التوفيق بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويبدو أن هذا الأمر يتطلب عدة سنوات، وليس معلومًا كم سيصبر عليه الشعب إذا لم يشعر بأي انفراج اقتصادي– اجتماعي، وإن كان الفريق الاستشاري لخاتمي متفائلًا من هذه الناحية، وحجته أن ما تم إنجازه في عهد رفسنجاني على مستوى البنية التحتية للبلاد والاقتصاد الوطني- والذي شكل عبئًا على المواطن- ستظهر آثاره الإيجابية في وقت لاحق، شريطة الحد من التوجه الرأسمالي في الاقتصاد، وترشيد ثقافة الاستهلاك، وإيلاء عناية خاصة من الدولة لفئات الدخل المحدود.
وهذا الأمر واضح في خطاب خاتمي منذ اللحظة الأولى لفوزه، وعلى الرغم من أن الرئيس الجديد ينتمي لتيار ما يسمى «اليسار الإسلامي»، الذي يتخذ عادة مواقف راديكالية في السياسة الخارجية، إلا أنه لا يوافق على شعار «تصدير الثورة»، ويرفض منطق التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، ويرى أن المنطق الذي يجب أن يحدد خطاب السياسة الخارجية الإيرانية هو منطق الحوار، وليس «الصِدام».
ولعل من حُسن حظ خاتمي أن بلاده ستحتضن القمة الإسلامية في ديسمبر المقبل، وبالتالي ستترأسها لمدة ثلاث سنوات مقبلة، وسيشكل هذا الأمر مدخلًا مناسبًا لإيران كي تُحسّن وتوثّق علاقاتها مع الدول الإسلامية، وكي تدفع بالعالم الإسلامي إلى خيارات تراها القيادة الإيرانية مبدئية مثل الموقف من الكيان الصهيوني، ومشروع التسوية للقضية الفلسطينية، والنزاعات العرقية والمذهبية في عدد من الدول الإسلامية، وموضوع الأقليات الإسلامية في الغرب.
قيادة القوات المسلحة
- رئيس الجمهورية رئيس مجلس الدفاع الأعلى
- وزير الدفاع
- مجلس الدفاع الأعلى
- قيادة أركان الجيش
- قيادة أركان الحرس
- الأركان العامة للقوات المسلحة.
إيران والعالم العربي
كما أن خاتمي حريص على ما يبدو على توطيد علاقات إيران بالعالم العربي بشكل عملي وميداني، وليس عن طريق الكلام المعسول، فعلى مستوى العلاقات مع الدول الخليجية، يؤكد الفريق الاستشاري لخاتمي أن الدبلوماسية الإيرانية ستتفعل أكثر تجاه تحسينها، والسعي إلى تجاوز الخلافات «الجزئية»، والتركيز على القواسم المشتركة والتحديات «الكبرى» لطرفي ضفتي الخليج.
سينعكس ذلك إيجابيًا على العلاقات العربية- الإيرانية ككل، وذلك على الرغم من أن مشكلة الجُزر الثلاث المتنازع عليها مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ستظل قضية خلاف سلبية، ففي الواقع يظهر أن خاتمي منسجم مع الخطاب الرسمي الإيراني الذي يشدد على سيادة إيران على الجزر، ويرى أن المشكلة في عمقها ليست مع أبو ظبي، بل مع واشنطن التي تحاول أن تغذي الخلاف، وتحول دون أي مصالحة مع الإمارات ضمن لعبة الصراع المستمر بين إيران والولايات المتحدة منذ الثورة، وليس واضحًا ماذا يمكن أن يبادر إليه خاتمي في شأن هذا الخلاف في المستقبل، اللهم إلا انتهاء حال الجمود السياسي والدبلوماسي بين البلدين، وتفعيل قنوات الاتصال المباشر والحوار، أملًا في تغيير ظروف إقليمية تسمح بإجراء مفاوضات جدية وفي العمق، وضمن رؤية شاملة لترتيبات إقليمية يكون لإيران دور أساسي فيها.
سورية وإيران..
ومن المتوقع أن يتعمّق التعاون الاستراتيجي بين سورية وإيران، إلا إذا وقّعت دمشق إتفاق صُلح مع إسرائيل، فذلك سيضع حدًا للطابع «الاستراتيجي» للعلاقة، وإن كان خاتمي لن يلجأ إلى تجميدها أو تخفيض مستواها، كذلك سيبقي خاتمي على خيار دعم «حزب الله» في لبنان كقاعدة خلفية لإيران في صراعها مع إسرائيل من خلال «المقاومة الإسلامية» في جنوب لبنان، وليظل الحزب قوة سياسية أساسية في المعادلة اللبنانية.
كما سيعمد خاتمي إلى إحداث مزيد من الانفراج في علاقة بلاده مع مصر خصوصًا، إذا تعثرت عملية التسوية أكثر في المنطقة، وإذا قامت القاهرة ببعض الخطوات الإيجابية لتكون سندًا لخاتمي في مواجهته لمعارضة محتملة من عدة قوى في الداخل، تعارض من حيث المبدأ أي تقارب مع مصر بسبب معاهدة كامب ديفيد.
أما على مستوى العلاقة مع دول الجوار الإقليمي، فيبدو أن خاتمي حذر من النظام العراقي، وليس متفائلًا كثيرًا بإمكان التعاون مع صدام حسين، على الرغم من أن الحليف السوري يدفع بشدة نحو تقارب إيراني عراقي يساعد على إيجاد محور سوري إيراني عراقي يواجه الحلف التركي- الإسرائيلي، ولا يظهر أيضًا أن خاتمي سيؤزّم علاقات بلاده مع تركيا على الرغم من اندفاعها الشديد نحو الكيان الصهيوني، وكذلك الأمر مع باكستان، على الرغم من تناقض المواقف والسياسات تجاه المسألة الأفغانية.
أما عن العلاقات مع أوروبا، فمن الأكيد أن خاتمي متحمس جدًا لتحسين العلاقات الإيرانية- الأوروبية، ويقول أعضاء في فريقه الاستشاري إنه سيعمل بعد وقت قريب من تسلمه مهامه الرئاسية رسميًا على إحداث انفراج في الصداقة مع كافة الدول الأوروبية بما فيها ألمانيا، ويشدد هؤلاء على أن خاتمي لا يزال مقتنعًا بأن جوهر الخلاف مع الغرب هو مع أمريكا، وليس غيرها، ويبدو بعيدًا في الوقت الراهن أن تشهد علاقات طهران وواشنطن انفراجًا، ومن المستحيل لدى خاتمي أن يقبل بتقديم تنازلات «ميدانية» لواشنطن لحساب تطبيع العلاقات، مثل الاعتراف بإسرائيل، أو الانخراط في مسيرة التسوية.