العنوان ماذا لو تحولت الاستثمارات الخليجية إلى القارة الجائعة؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1984
مشاهدات 74
نشر في العدد 691
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 13-نوفمبر-1984
منذ زمن وقضية الاستثمار لأموال النفط في دول الخليج العربية تشغل حيزًا مهمًّا من التفكير؛ وذلك باعتبار الاستثمار هو السبيل الأمثل للمحافظة على محصول الثروة النفطية، والذي حدث في الفترات الماضية أن معظم الاستثمارات آثرت الهجرة والاغتراب إلى حيث توافرت أدوات الجذب في تحقيق أرباح سريعة، وعلى الرغم من أن الاستثمار في العالم الغربي قد أبدى نتائج غير مربحة في أكثر من تجربة، فإن هذه الاستثمارات مازالت تشكل ما يزيد على ٦٥% من الناتج الكلي للدخل.. وإذا كان من الثابت أن الاستثمار في مواقع مختلفة من العالم الإسلامي كبلدان القارة الإفريقية الجائعة سيعود بمردود مالي أفضل يشمل المستثمر إلى جانب تلك البلدان.. فهل أن الأوان لإعادة النظر في برامج الاستثمارات لفوائض الأموال النفطية.. بحيث تحافظ أولًا على محصول الثروة النفطية.. ثم نتعامل مع الآخرين على أساس قاعدة «الأقربون أولى بالمعروف».
الغرب والفوائض المالية:
لعل الغرب الذي يهتم باستجلاب استثماراتنا والتي تشكل ٢٥٪ في إطار الاستثمار العالمي يضع في اعتباره أمرين أساسيين:
- تحويل العجز في ميزان مدفوعاته من خلال من الأسواق الغربية بالسيولة النقدية النفطية.
- حرمان العالم الإسلامي- والمسلمون يشكلون النسبة الكبرى في إفريقيا الجائعة- من الانتفاع من الاستثمارات الخليجية ...
ومن أجل هذا وضعت الدوائر الغربية سياسة مالية كفيلة بابتلاع أموالنا وتفريغها ضمن مسارب محددة في الاقتصاد الدولي والعجيب أن المحور الرئيسي لهذه السياسة يقوم على إعادة تدوير الأموال التي تستثمرها، حيث يقوم الغربيون بدور الوسيط في إقراضها للدول النامية بعيدًا عن الاستثمار الفعلي. وعلى أساس من هذه السياسة فإن البنوك الغربية أبقت ما يقارب من ٨٠٪ من استثمارات الدول النفطية في شكل حقوق مالية مما عرض هذه الاستثمارات لخسائر فادحة؛ حيث زادت نسبة التآكل بدرجة عالية، فقد كانت عام ١٩٧٤ تساوي ٣٪ لكنها ارتفعت عام ۱۹۸۰ إلى ٥١٪، وبعد أن تنبهت الدول العربية النفطية لهذه السياسة لجأت إلى الاستثمار المباشر وهو عبارة عن امتلاك لأصل استثماري إنتاجي كشراء أصل الشركات أو مشاركة أصحابها.
على أن الروح العدوانية للغربيين والتي تبرز في الحملات الإعلامية على كل ما هو عربي أو إسلامي.. هذه الروح الحاقدة جعلت من استثماراتنا صورة جديدة من صور الاستعمار.. وإذا علمنا أن استثماراتنا في العالم الغربي بلغت «٢٥٠» مليار دولار منها ٦٦٪ في الولايات المتحدة لشعرنا بشبح رهيب من الخوف على تلك الأموال بسبب ما يمكن أن يحصل من غدر المؤسسات الغربية التي تحرص على السيطرة الكاملة على توجيه هذه الأموال. إضافة إلى ما تفرضه الدول الغربية من تعقيدات مالية لا تكاد تسمح بسحبنا للأموال وقت ما نشاء.. وهذا من الأسباب الهامة التي تدعو إلى إعادة تقييم سياستنا في الاستثمارات الخارجية.
الاستثمار الأكثر ضمانًا:
يعتبر العالم الإسلامي اقتصاديًّا( وبخاصة في القارة الإفريقية البكر) أفضل مجال لاستثمار الأموال العربية وذلك لوجود خيارات اقتصادية متعددة مما يوفر فرصًا واسعة للاستثمار، ومقارنة مع الغرب الصناعي نستطيع أن نؤكد بأن معدل الطلب في العالم الإسلامي يتغير وبدرجة عالية تناسبًا مع الاستثمارات، خلافًا للدول الصناعية فإن معدل الطلب فيها يكاد أن يكون في درجة ثابتة والاستثمار في العالم الإسلامي متوفر على المستويات المختلفة، فهناك المجالات الاستخراجية وإنتاج السلع الأولية إلى إنتاج السلع التحويلية والنهائية وتتسع الإمكانية في مجال إنتاج المواد الغذائية والتي تجتمع عليها حاجة الطلب في الدول النفطية بدرجة حادة، خاصة وأن إنتاج هذه المواد بعد توفير السلعة الإستراتيجية لها آثار واسعة في تحقيق استقلالية القرار الاقتصادي والسياحي للدول النفطية، وتتوفر الموارد الطبيعية بكل أصنافها في العالم الإسلامي لإنتاج المواد الغذائية والزراعية والحيوانية في كل من السودان. تونس المغرب باكستان موريتانيا أرتيريا، تركيا وغيرها. ففي السودان مثلًا هناك أكثر من «۲۰۰» مليون فدان صالح للزراعة والمستخدم فقط ٥٪ منه، وهناك ثروة ميدانية تقدر بـ «١٦» مليون رأس لا تستغل اقتصاديًّا، وهناك منتجات الغابات والثروة السمكية وغيرها من الثروات.
ومع ذلك يتعرض السودان وغيره من دول القارة الإفريقية الآن للجوع لا لشيء الا لضعف الاستغلال الاقتصادي لموارده وينطبق حال السودان على أغلب الدول الإسلامية من وفرة في الموارد الطبيعية وضيق في مجال الاستغلال الاقتصادي لها؛ حيث تنعدم رؤوس الأموال لتحيل تلك الكميات المهملة إلى إنتاج دائم.. هذا إلى جانب أن الاستثمار في العالم الإسلامي يحظى بضمانات متعددة.
فالوحدة الثقافية التي تتولد عنها القوانين السائدة، والروح العامة لشعوب المنطقة التي تحس بوطأة الاستغلال من قبل المستثمر الأجنبي- غير المسلم- إضافة إلى أن الدول العربية قد أنشأت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار، وليس أدل على نجاح الاستثمارات في العالم الإسلامي من المؤسسات المالية التي قامت بأنواع مختلفة في مجال المشاريع الاستخراجية وغيرها... كما هو ممثل في «بنك فيصل الإسلامي» في مصر والسودان والسنغال وغيرها. كما أن هناك مشاريع كويتية سعودية في السودان وما زالت تحقق نجاحًا كبيرًا، ومنها مشروع سكر كنانة والذي يتوقع أن يكون أكبر مصنع في العالم لإنتاج السكر.
من لإفريقيا الجائعة؟
لقد ظلت أفريقيا ردحًا من الزمان توجه سياسيًّا بواسطة اقتصادياتها المتهالكة، واستغلت تلك الاقتصاديات من قبل الغرب الأوروبي وإسرائيل.. وتعد أفريقيا اقتصاديًّا من أغنى القارات بالمواد الأولية.. ابتداء من البترول والذهب.. وانتهاء بالموارد الزراعية والثروة الحيوانية، لكنها تفتقر بطبيعة الحال إلى رأس المال الذي يستوعب تلك الموارد، وتعاني أفريقيا من عقدة الرجل الأبيض وترفض النهج الاحتكاري الذي مارسه قديمًا، ولذا نجدها متجاوبة مع العالم العربي والإسلامي بدرجة واسعة.. لاسيما وأن أكثر الأفارقة مسلمون وهم ينظرون للعرب المسلمين بروح الإخاء والمصير المشترك، وبالطبع فإن الاستثمار في إفريقيا قد تعتريه بعض الصعوبات في البداية.. خاصًة فيما يتعلق بضعف البنية الأساسية للتنمية. إلا أن هذا لا يعد مبررًا للصد عن الاستثمار فيها.. حيث إن الضرورة المستقبلية تملي التوسع في توطين المال العربي.. حتى لا يخرج عن الإرادة المالكة بواسطة الهيمنة الغربية على هذا المال، وبما أن الولايات المتحدة تعمل على (إعادة تدوير الأموال النفطية) في إفريقيا والعالم الإسلامي فإن الاتجاه المباشر للاستثمار في إفريقيا من قبل دول النفط ودونها وسيط يعتبر أجدى اقتصاديًّا وسياسيًّا، وأبلغ في تحقيق الثقة للضمان الاستثماري. فضلًا عن الاستثمار بواسطة «إعادة التدوير» الغربية والتي يتعرض فيها رأس المال لمخاطر أكثر، كما أبرزت أزمة الديون هذه الحقيقة، فعندما رفضت زائير دفع مديونيتها للمصارف الأمريكية تحملت الدول النفطية المقرضة للمصارف الأمريكية التبعة التي خرجت منها المصارف دونما تكلفة.
ويبقى الاستثمار في العالم الإسلامي- والدول المسلمة في القارة الإفريقية بشكل خاص- ضرورة ملحة.. ضرورة اقتصادية وسياسية لأهل الخليج.. وضرورة ملحة وعاجلة للشعب الإفريقي المسكين الذي يموت بالآلاف جوعًا بسبب الجفاف، وإذا كان ما يقارب من مليوني نسمة من المسلمين معرضين للموت في السودان وأرتيريا فقط بسبب الجوع.. فإن واجب الأخوة الإسلامية والإنسانية يحتم علينا أن نتقدم بالعون اللازم لإخواننا الأفارقة الجياع.. كما يحتم علينا- وبالسرعة الممكنة- أن نعيد النظر في برامج استثماراتنا ومواقع الاستثمار جاهزة في البلدان الإفريقية الجائعة.. فهل آن الأوان لذلك؟