; إعلان مد الطوارئ في مصر لعام ونصف جديد | مجلة المجتمع

العنوان إعلان مد الطوارئ في مصر لعام ونصف جديد

الكاتب الدكتور علي جريشة

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أكتوبر-1984

مشاهدات 67

نشر في العدد 688

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 23-أكتوبر-1984

قبل أيام بثت وكالات الأنباء من القاهرة الخبر التالي:

عرض قرار رئيس الجمهورية بمد حالة الطوارئ بمصر لمدة عام ونصف العام «من أكتوبر ١٩٨٤ وحتى أبريل ۱۹۸٤» «قرار رئيس الجمهورية رقم ٢٢٦ بتاريخ ١٧/ ٩/ ١٩٨٤» وألقى كل من رئيس الوزراء ووزير الداخلية بيانًا في مجلس الشعب تبريرًا لذلك وكان أهم ما استندا إليه:

أ - أن الحكومة في المدة السابقة لم تستخدم. هذا القانون «قانون الطوارئ» لمصادرة حرية الرأي أو للمساس بالحرية السياسية وكلاهما. مكفول للأفراد وللأحزاب.

ب - أن النشاط الإرهابي الإجرامي- الذي من أجله يطلب من العمل بأحكام الطوارئ- قد امتد إلى مياهنا الإقليمية متمثلًا في التفجيرات التي وقعت في البحر الأحمر، وما لهذه التفجيرات من آثار سلبية على حركة الملاحة في الممرات المائية الدولية.

ج - أشار وزير الداخلية إلى أنه منذ مد حالة الطوارئ في العام الماضي أثمرت الجهود الأمنية في مجال التصدي للتحركات الإرهابية عن ضبط ست عشرة قضية إلى جانب عدد آخر لا يزال في مرحلة الرصد والمتابعة.

د - أنه لا يوجد اليوم في مصر معتقل واحد!

ه - أن عددًا من الدول العريقة في الديموقراطية أعطت أجهزة الأمن سلطات أوسع لمواجهة مخططات الإرهاب دون خضوع للسلطة القضائية، واستحدثت لهذا الغرض نصوصًا دائمة في تشريعاتها.

«أهرام ٣٠/  ٩ /١٩٨٤ ص ٦ الشرق الأوسط نفس التاريخ- الصفحة الأولى» وإزاء هذا الخبر لا يملك المسلم نفسه أن يكتم كلمة حق ينبغي أن تقال.

١ - أن الحادث الذي من أجله أعلنت الأحكام العرفية كان مقتل الرئيس السابق محمد أنور السادات «في ذي الحجة ١٤٠١- أكتوبر ١٩٨١» وقد مضى على ذلك ثلاث سنوات، وقد قتل في الولايات المتحدة الأمريكية الرئيس جون كنيدي، ولم تعلن الأحكام العرفية ولا ليوم واحد، وشرع في قتل الرئيس ريغان ولم تعلن الأحكام العرفية ليوم واحد...

هذا مثل مما تحبون.

ومثل مما نحب:

قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو يومئذ رئيس أكبر دولة على وجه الأرض، ولم يكن لمقتله أي رد فعل مضاد لجمهور المسلمين. بل ولا للطائفة التي ينتسب إليها القاتل!

وقتل بعده أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ... ولم يكن كذلك ثمة رد فعل إزاء جمهور المسلمين، ولا للطائفة التي ينتسب إليها القاتلون، مع أن قتله- رضي الله عنه- تم في شبه تظاهرة حربية أقرب إلى الانقلابات!

وقتل بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه... ولم يكن ثمة رد فعل على ذلك!

وما زال القرآن يردد ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾. (سورة النجم: 39-38).

وهو ما تنبه الفقه القانوني تحت ما أسماه- شخصية العقوبة- فما بالنا نعاقب شعبنا المصري الصابر على ما لم تقترف يداه بثلاث سنين عجاف من الأحكام العرفية يليها تجديد العام ونصف كذلك؟

ما بالنا نعاقب شعبنا المصري الصابر على ما لم تقترف يداه. بل على ما قارفته يدا السادات عندما مارس القهر والإرهاب إزاء جميع فئات شعبه المصري، وتطاول على العلماء والدعاة ليزجهم في السجون لغير ما سبب، وهو ما أدانه القضاء المصري في وضوح وصراحة عندما دمغ قراراته المشئومة في سبتمبر ۱۹۸۱ بعدم الشرعية وسارع إلى إلغائها ورد الحقوق إلى أصحابها؟

۲ - تحدث بيانا رئيس الوزراء ووزير الداخلية عن- الإرهاب- وعن أن أحكام الطوارئ لمواجهة الإرهاب... ونقول تعليقًا على ذلك:

إن الشعب المصري في طبيعته الهدوء والسكون والسكينة، ولا يمكن أبدًا أن يلجأ إلى العنف أو الإرهاب بغير سبب، فاسألوا أنفسكم أولًا... من سبب هذا الإرهاب؟ اسألوا أنفسكم على ضوء القانون الطبيعي «لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه»؟

اسألوا أنفسكم على ضوء الأحداث السابقة... من الذي بدأ الإرهاب في أواخر عهد السادات... هو أم الشعب أم الشباب...

وإذا صار الحاكم خطرًا على أمن الدولة بتصرفاته الطائشة، فهل يؤاخذ الشعب المقهور إذا مارس حق الدفاع الشرعي عن نفسه؟

وإذا نفر فريق منه للدفاع عنه... أفيؤاخذ بما مارس من فرض الكفاية الواجب على الأمة كلها؟!

إلا فاعلموا أنه في كل مرة يقع ما تسمونه بأحداث الإرهاب فإنه لا يخرج عن أحد افتراضين:

أولهما: أن يكون رد فعل الإرهاب بدأه الحاكم.

ثانيهما: أن يكون مصطنعًا منكم لتبرير وضع ألفتموه واستسغتموه واستسهلتموه، وظننتم أنه أيسر في حكم الناس من الوضع الطبيعي... مع أن له معقباته التي قد لا تدرونها اليوم، وقد لا تظهر في المستقبل القريب!

وقد صار الناس يتوقعون كلما اقترب أكتوبر من كل عام «موعد تجديد الأحكام العرفية» أن يعلن عن اكتشاف أجهزة إرهابية وقضايا خفية وخطط جهنمية... كلها من نسج خيالكم ومن صنع أيديكم... وإلا فقولوا لي كم أدان القضاء العادل ممن قدمتم إلى القضاء مهتمين في قضايا أمن الدولة العليا؟!

ومن حكم القضاء الأخير الذي سنشير إليه بعد قليل خير رد على بياناتكم!

٣ - ضحكت وضحك معي الناس كل الناس حين سبقت واقعة ألغام البحر الأحمر مبررًا بطلب من حالة الطوارئ لعام ونصف قابل بعد ثلاث أعوام خلت... ضحكت وضحك معي الناس كل الناس...

وتوقعنا- إن شاء الله- في أبريل عام ١٩٨٦ أن يطلب من أحكام الطوارئ لألغام زرعت في المحيط الهادي، أو لظهور غواصة سوفيتية قريبًا من الشواطئ الأمريكية، أو لوقوع غزو فضائي لأحد الكواكب الشمسية...

مما قد يؤثر على أمن مصر، ويجعل «من الضروري حماية لأمن الوطن ومصالحه العليا. وما يقوم عليه من أسس ومبادئ، ولضمان أمن المواطن والحيلولة دون العبث به» من الأحكام العرفية من جديد المرة القادمة... لمدة ثلاث سنوات... أو خمس سنوات... أو على سبيل التأبيد!!

٤ - من الغريب أن يرد في بيان طلب الموافقة على مد العمل بالأحكام العرفية... إن مصر ليس فيها معتقل واحد.

معنى ذلك... أن فيها استقرارًا 

معنى ذلك... إنه لا حاجة إلى الأحكام العرفية.

فلم إذن طلب المد...؟!

٥ - أما الاستناد إلى ما يجري في الدول الديموقراطية العريقة... فلا داعي للغوص فيه. لأن عراقتها تحول دون إساءة استخدام القانون... وأنتم في أكثر من تصريح تعترفون أنكم دون هذه العراقة... قد تقلدوها في شيء وتتركوا الشيء الآخر... إن شئتم فكونوا أولًا مثلها في العراقة ثم خذوا بعد ذلك منها قوانين الإرهاب التي تريدون!

إن نصوصًا كثيرة من دساتير تلك الدول فضلًا عن قوانينها لا تكاد تستخدم... وإلا فاذكروا لي كم مرة جرى فيها حل... برلمان من تلك البرلمانات كما يجري في بلادنا؟

كم مرة جرى فيها تزوير الانتخابات مرة بالتزوير المفضوح، وأخرى بالمستتر، وثالث بالقائمة وما أدراك ما القائمة؟

واذكروا أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية «نيكسون» فقد كرس الرئاسة وهو متربع عليه بعدما ثبت لدى القضاء أنه أثناء الحملة الانتخابية تجسس على غريمه في الانتخابات!

واعلموا أخيرًا أن أحكامكم العرفية لم تحل دون خروج عمال كفر الدوار في مظاهرات سقط فيها قتلى وجرحى، ولم تحل من قبل في عهد رئيسكم جمال عبد الناصر عن خروج مظاهرات عام ١٩٦٨، ولم تحل إجراءات الرئيس السادات القاسية دون قتله وسط جنوده وحراسه؟

إلا فاعلموا أن مصالحة الشعوب خير من مخاصمتها، وأن فتح النوافذ والأبواب أمام العمل الإسلامي الظاهر الصالح خير من إغلاقها... وإنه إذا أتيح للناس أن تقول الكلمة الحرة على وجه الأرض فلم تلجأ إلى بطنها؟

وإذا كان للدعوة إسلامية الحركة المشروعة في النور فلم تلجأ إلى الظلام... وهي نور من نور أو نور على نور؟!

الرابط المختصر :