; الثورات في العالم العربي ترسم خارطة طريق ممكنة للفلسطينيين | مجلة المجتمع

العنوان الثورات في العالم العربي ترسم خارطة طريق ممكنة للفلسطينيين

الكاتب جيرشوم جورينبرج

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1949

نشر في الصفحة 42

السبت 23-أبريل-2011

ترجمة: جمال خطاب

لم تعد الآن تحتاج للقيم الروحية للمهاتما «غاندي» للقيام بثورة غير عنيفة... هذا واحد من دروس الثورتين التونسية والمصرية التي يمكن الاستفادة منه في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. وبالنسبة لأولئك الإسرائيليين، والغربيين الذين تساءلوا طويلًا ، أين غاندي الفلسطيني؟, هل يمكن تطبيق هذا المعنى الضمني في الضفة الغربية؟ وضد من؟ سؤال لا يزال مفتوحًا!

  • «ميدان التحرير» بالقاهرة أنتج نموذجًا للبطل العربي الفرد الذي يواجه النظم القمعية بشجاعته فقط. 
  • «إسرائيل» تعيش تناقضاً صارخا يتمثل في ديمقراطية برلمانية تصر على الاحتلال بطرق غير ديمقراطية!

لطالما درست هذه القضية، وتساءلت في مقالة طويلة نشرت قبل عامين، كتبتها بناء على طلب من «جيمس بينيت» رئيس تحرير شهرية «ذي أتلانتك»، الذي تساءل بعد سنوات قضاها مراسلًا لصحيفة «نيويورك تايمز» في القدس: لماذا لم يقم الفلسطينيون بإنتاج «غاندي» حتى الآن؟ 

إن النجاحات التي حققها «غاندي» ضد البريطانيين في الهند، و«مارتن لوثر كينج» في الصراع الأمريكي للحقوق المدنية تشير إلى أن سياسة «اللاعنف» يمكن أن تكون فعالة لا سيما ضد النظام الذي يدعي أنه ملتزم بالقيم الليبرالية، ولكنه في الواقع يتصرف بطرق تسلطية وقمعية.

وإذا كان هذا صحيحًا، فينبغي أن يكون استمرار تحكم «إسرائيل» في أنحاء الضفة الغربية وحصارها لقطاع غزة هما الهدفان المثاليان لحركات اللاعنف الاحتجاجية...

ومن ناحية أخرى، فإن استخدام الفلسطينيين لما يُسمى «الكفاح المسلح» قدم شرعية لـ«إسرائيل» في الداخل - وبدرجة أقل في الخارج – لاستخدام القوة لقمع المقاومة واستهداف المدنيين على اعتبار أنها حرب ضد «الإرهاب»، وكذلك أعطاها الذريعة لرفض حل الدولتين.

تعويض نفسي

لكن التاريخ معلم صعب مخادع ومعقد، ومن الممكن أن تتعلم الكثير منه.. واستنادًا إلى أمثلة من «غاندي» و«كينج»، يبدو أن إستراتيجية «اللاعنف» تتطلب تدريس قائد روحي متفان، يعلم أتباعه ويدربهم على سياسة اللاعنف الاحتجاجية.. ففي مصر وتونس، لم يكن هذا ما حدث، وكان الاحتجاج السلمي وسيلة، لم يكن هو المعتقد الأساسي للثوار، وكان الزعماء غائبين، ومع ذلك عجزت أمامهم الأنظمة التي طالما ادعت الليبرالية .. هل يمكن تطبيق هذا الدرس في الضفة الغربية؟

الكتاب المؤيدون للفلسطينيين لهم إجابة عكسية كلما أثيرت مسألة اللاعنف؛ إذ يقولون إن الفلسطينيين قد حاولوا بالفعل استخدام إستراتيجية «اللاعنف» أو أنها تستخدم الآن، وهذه الإجابة هي مزيج من الواقع والتمني.. ففي الثمانينيات من القرن الماضي، روج ناشط أمريكي فلسطيني متعلم في أمريكا يدعى «مبارك عوض» احتجاجات لاعنفية في الضفة الغربية، التقى «عوض» مع «جين شارب» المنظر الأمريكي صاحب الأفكار التي كان لها دور رئيس في حدوث الانتفاضات العربية الأخيرة، وقال: إنه وزع نشرات مصورة لبعض من هذه التكتيكات باللغة العربية.

 وفي عام ۱۹۸۸م، تم ترحيل «عوض» إلى الولايات المتحدة بعد أن أثار المزيد من القلق بين السلطات الإسرائيلية أكثر من الدعم الذي قدمه للفلسطينيين، كما أخبرتني مجموعة متنوعة من الناشطين وقال لي بعض العلماء إن الفلسطينيين يعتمدون العنف كتعويض نفسي من أجل التغلب على شعورهم بأنهم الضحية، وبسبب البكم السياسي الذي يعانون منه .

نموذج جديد

وفي الآونة الأخيرة، حاول أهالي القرى الفلسطينية الصغيرة مثل «بلعين» و«بدرس» وقف بناء الجدار الأمنى «الإسرائيلي» في قلب حقولهم عن طريق المواجهة مع «القوات الإسرائيلية»، رغم أنهم «عزل».. لكن المسيرات التي كانت تجري كل يوم جمعة تحولت إلى أعمال روتينية، ومجرد خلفيات من الضوضاء لوسائل الإعلام، ولم تنتشر بدعم من القرى الزراعية الصغيرة إلى المدن الفلسطينية الكبرى.

 حتى قبل بضعة أسابيع، كان الاحتجاج اللاعنفي لا يزال يُعتبر غير عملي وغير بطولي.. ومع ذلك، فإن «ميدان التحرير» في القاهرة أنتج نوعًا جديدًا تمامًا من البطل العربي الفرد الذي يواجه النظم الراسخة المسلحة فقط بالشجاعة، والذي ينظم حركته وثورته من خلال موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وليس من خلال حركات متعبة مرهقة عفا عليها الزمن .. ومن الخليج إلى المحيط، تموج المنطقة بالثورات.

كانت هناك محاولات لتكييف هذا النموذج وتنظيم احتجاجات في «غزة» و«رام الله»، ليس في القرى ولكن في المراكز الحضرية للحياة الفلسطينية؛ من خلال موقع «فيسبوك». وذكرت وسائل الإعلام الفلسطينية والخارجية مجموعة تسمى «ثورة الكرامة»، دعت إلى التظاهر في غزة بعد صلاة الجمعة قبل عدة أسابيع، وكان التظاهر من أجل الدعوة إلى المصالحة بين حركة «حماس» في غزة وحكومة «فتح» الموالية للغرب في الضفة الغربية.. ومرت الجمعة بدون وجود الحشود التي تم الإعلان عنها في شوارع غزة، ثم تجمع نحو ألف متظاهر في «رام الله» وطالبوا بالأمر ذاته، بينما ظلت غزة صامتة .

حركة جديدة

هذه الأعداد المتواضعة تكشف مشكلة رئيسة بالنسبة للفلسطينيين في محاولتهم لمحاكاة المصريين، فالسلطة نفسها تم تقسيمها، ولا ندري ماذا تريد، وليست لها أهداف واضحة.. فحركة «حماس» تسيطرعلى قطاع غزة منذ عام ۲۰۰۷م بالقوة، وهذا يحول دون تشكيل جبهة موحدة للسعي من أجل الاستقلال. 

وفي الضفة الغربية، مازال الرئيس «محمود عباس» ورئيس الوزراء سلام فياض في السلطة رغم انتهاء ولاية «عباس» في عام ۲۰۰۹ أو ۲۰۱۰م، استنادًا إلى القانون الذي قمت أنا بالاطلاع عليه.. ويقول: «عباس» و«فياض»: إنهما يستعدان لإعلان الاستقلال في وقت لاحق من العام الجاري ۲۰۱۱م، ولكن – في الوقت ذاته – يُنظر إليهما على أنهما أذناب لـ «إسرائيل»، التي لا تزال تحتفظ بالسيطرة الكاملة على الضفة الغربية. 

إذا قامت حركة جديدة، فإنها يمكن أن تحقق نتائج أفضل لو ركزت اهتمامها على «إسرائيل»، وهناك فرق بين القاهرة ورام الله .. ففي مصر، لم يكن الجيش مستعدًا على ما يبدو - لمواجهة الثورة؛ لأن الجنود ما هم إلا قطاع من المحتجين. وغني عن البيان، فإن المتظاهرين الفلسطينيين والعسكريين «الإسرائيليين» ليست لهم هوية مشتركة.. وإذا أضفنا إلى ذلك أن عدد الضباط الذين يأتون من اليمين الديني في تزايد مستمر، وهو يحل محل نخبة الحمائم العلمانية التي هيمنت على الجيش قبل عقدين من الزمن، وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وقد ووجه الجيش «الإسرائيلي» آنذاك باعتراضات كبيرة ضد استخدام القوة المفرطة، وهذا قد يكون أقل احتمالا اليوم.

المفتاح المفقود ومع ذلك، فمن الممكن وضع إستراتيجية للاحتجاجات الجماهيرية السلمية، تكون هي المفتاح المفقود إلى حل الدولتين.. ويمكن استثمار رفض «عباس» نفسه الانتفاضة المسلحة التي بدأت في عام ٢٠٠٠م باعتبارها كارثة على الفلسطينيين، وكان برنامجه هو الاستقلال من خلال الدبلوماسية، والاعتماد على الشراكة «الأوروبية - الأمريكية»، ولاسيما في دعم الفلسطينيين في التفاوض مع «إسرائيل».. و«الفيتو» الأمريكي ضد استصدار قرار من مجلس الأمن يدين المستوطنات الإسرائيلية» ليس سوى أحدث  وإحدى العلامات على أن إستراتيجيته (عباس) فاشلة وغير فعالة.

ولا تزال «إسرائيل» تعيش تناقضًا صارخًا، يتمثل في ديمقراطية برلمانية تحاول الحفاظ على الاحتلال بطرق غير ديمقراطية على الإطلاق وإذا كان جيل جديد من الناشطين الفلسطينيين يتبنى إستراتيجية «اللاعنف» فإن هناك فرصة لإقناع الغالبية العظمى من الجمهور «الإسرائيلي» بأن الوضع الراهن لا يمكن أن يستمر.. وإن نبذ العنف والمطالبة بحل الدولتين سوف يظهر للجمهور «الإسرائيلي» أن الاستقلال الفلسطيني لا يهدد وجود «إسرائيل».. وحينئذ ، يمكن الوصول إلى إستراتيجية جديدة، ولن تكون هناك حاجة إلى «غاندي».

الرابط المختصر :