; شخصية الحمار في الفكر والأدب (1) | مجلة المجتمع

العنوان شخصية الحمار في الفكر والأدب (1)

الكاتب الأستاذ الدكتور جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 17-سبتمبر-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1969

نشر في الصفحة 44

السبت 17-سبتمبر-2011

  • بفن ناضج يفجر الحكيم قضايا الشعارات الجوفاء.. ووضع من لا يستحقون في مواقع هي أخطر وأكبر منهم.

ظفر الحمار بحظ وافر في الفكر والأدب شعره ونثره، وإن كان أقل حظًا من الجمل والخيل والشواهد كثيرة نراها في كتاب الحيوان للجاحظ، وحياة الحيوان الكبرى للدميري، و عجائب المخلوقات للقزويني، وكتب الأمثال وأشهرها مجمع الأمثال للميداني، فهو لا يخلو من أمثال تؤدي فيها الحيوانات دور البطولة، مثل: ذهب الحمار يطلب قرنين، فعاد بلا أذنين.. ومثل المثل الذي ساقه على لسان الحية كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟.. وكتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه ابن المقفع معروف ومشهور.

وفي كتب الجاحظ والدميري والقزويني للحمار مكان كبير حيث ذكر في عشرات من المواضع والحديث عنه يدور على عدة محاور: العلميات والأساطير والميثولوجيات، ثم الملح والطرائف والحكاية الأدبية والشعبية.

وفي الغرب نذكر «مزرعة الحيوانات» للأديب الإنجليزي جورج أورويل و أساطير وخرافات، له لافونتين، التي ترجمها شعرًا محمد عثمان جلال باسم العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ ثم خواطر حمار Les memires deun ane تأليف الكونتس دي سيجير، عام ۱۹۳۰م، وقد ترجم للعربية سنة ١٩٣٦م. و مذكرات حصان Black Beauty للكاتبة «أناسيول.Anna Swell». 

على المستوى العالمي

يعتبر أشهر من كتب عن الحمار الشاعر الإسباني «خوان رامون خمينيث في كتابه «بلاتيرو وأنا»، أو «أنا وحماري» و بلاتيرو، هو الاسم الذي اتخذه لحماره وقد ظهر هذا الكتاب قرابة سنة ١٩١٧م. وطبع إلى كل لغات العالم، كما طبع بطريقة بريل للعميان في الولايات المتحدة.

ودخل «بلاتيرو» التاريخ: فرسمت له لوحات وصنعت له تماثيل ودمى تباع في كل أنحاء العالم.

وعن الحمار في الأدب العربي الحديث لا يختلف اثنان في أن أشهرها هي «حمير توفيق الحكيم فقد بدأ الحكيم هذا اللون بكتابه «حمار الحكيم، الذي ظهر في طبعته الأولى عام ١٩٤٠م، ثم حماري قال لي عام ١٩٤٥م، وكان آخر ما أصدره هو كتابه الرائع الحمير، الذي ضم أربع مسرحيات هي بالترتيب الزمني:

١- الحمار يفكر وظهرت في ١٩٦٩/٣/١٨م.

٢- الحمار يؤلف: وظهرت في ١٩٧٠/٦/٩م.

3- سوق الحمير» التي ظهرت في ۱۹۷۱/۲/۱۲م.

4- حصص الحبوب وظهرت في ١٩٧٢/٥/١٢م.

ويلاحظ أن هذه المسرحيات نشرت في فترة ما. بعد النكسة وقبل العبور أي في فترة كان الشعب يشعر فيها بالقلق والتيه والضياع ونزف الكرامة واهتراء الوعي.. أو إن شئت فقل: اهتراء الشخصية المصرية، وقد برزت هذه الرؤية بقوة واضحة في هذه الرباعية الحمارية. وقد لخص الحكيم هدفه من كتابتها في: «أن يظل وعي الأمة قائمًا بوظيفته الحيوية».

على المستوى العربي

في الأدب العربي الحديث من سبق توفيق الحكيم إلى هذا اللون من الأدب وهو الأديب الشاعر السعودي حمزة شحاتة في كتابه حمار حمزة شحاتة وقبل أن يظهر الكتاب نشر على حلقات في صحيفة صوت الحجاز في المدة من ٦ أكتوبر إلى ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٣٦م أي قبل أن يظهر أول كتب الحكيم عن الحمار بقرابة 4 أعوام. وقبل أن يترجم إلى العربية "بلاتيرو وأنا" لـ«خمنيث»، و« خواطر حمار» لـ«الكونتس دي سيجير».

هل معنى ذلك أن توفيق الحكيم متأثر بالأديب السعودي حمزة شحاتة؟

وفي هذا المقام نقول: إن مسألة التأثير والتأثر هذه مسألة يعتبر الفصل فيها من أشق الأمور على الأديب والناقد، فلا يكفي السبق الزمني حتى يقال: إن اللاحق متأثر بالسابق كما لا يكفي وجود بعض وجوه الشبه.. فهناك مثلا فكرة تتردد في حمار حمزة شحاتة، وحماريات الحكيم وهي طبيعة الحيوان، وعدم جنوحه إلى العدوانية والشر كالإنسان، ومن ثم كان أحق بالعطف والتعاطف منه.... هي فكرة عامة قد يكتشفها أحيانا الرجل العادي بل ذكرها الشاعر العربي القديم في بيته المشهور:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى **** وصوَّت إنسان فكدت أطير

إذن السبق الزمني ووحدة الموضوع المعالج، ووجود بعض المشابه.. كل ذلك لا يكفي للقطع بأن الحكيم متأثر بحمزة شحاتة.

الأولية والريادة 

كما لا نستطيع أن نزعم أن حمزة شحاتة يعتبر رائد. هذا الفن في الأدب الحديث: لأننا يجب أن نفرق بين الأولية و الريادة... فحمزة شحاتة قد يكون صاحب أولية في هذا المجال، فقد كتب «حماره سنة ١٩٣٦م، ولم يطور هذا اللون، ولم يكتب فيه بعد ذلك، أما توفيق الحكيم، وإن لم يكن صاحب أولية، فهو صاحب ريادة»، بمعنى أنه كتب في هذا اللون عدة كتب من زوايا متعددة وبرؤى مختلفة ممتدة تعكس الواقع العالمي

والعربي والشعبي، وتعكس كذلك واقعه النفسي.

وقد يساعدنا على هذا التفريق بين - الأولية والريادة - مثل آخر، وهو أن خليل اليازجي نظم أول مسرحية شعرية في الأدب العربي، وهي مسرحية «المروءة والوفاء عام ١٨٧٦م، وبعد نصف قرن بدأ شوقي ينظم مسرحياته (۱۹۲۷ - ۱۹۳۲م) إذا استثنينا محاولته الأولى في «علي بك الكبير» (عام ۱۸۸۳م)، ومع هذا السبق الزمني لخليل اليازجي يبقى شوقي هو رائد الفن التمثيلي الشعري في العصر الحديث.

حمير الأدباء

- «بلاتيرو» حمار «خمنيث»: «رفيق حيواني إنساني، آثره الشاعر ليفزع إليه في أفراحه وأتراحه معبرا من خلاله عن النفس والغربة والطبيعة في لوحات ساحرة، حتى قال الناقد أنريك ديات: إن بطل هذا الكتاب ليس «الحمار بلاتيرو»، ولكنه قرية الشاعر باعتبارها كائنا حيا له شخصيته المتغيرة في كل شعب وفي كل فصل، وفي كل موقف.

- وحمار الكونت دي سيجير، في كتابها خواطر حمار عام ١٩٣٠م يعتبر ترجمة ذاتية كاملة للحمار، يتسم بجمال العرض وبساطة الوصل، وأهم من ذلك: صدق المعايشة بعيدا عن الافتعال والتكلف ويكاد يكون هذا هو نفس الطابع الذي نجده في تحفة د. إسحاق موسى الحسيني مذكرات دجاجة أغسطس عام ١٩٤٣م، ولكن على نحو أعمق وأرقى وأشمل 

- وحمار حمزة شحاتة يتسم بدقة التصوير، وبراعة الرسم.. فقد قدم لنا صورة دقيقة الملامح لحماره بوجهيها الحسي والنفسي ولكن ريشته هنا كانت ريشة محام كان همه أن يدفع عن حماره ما أشيع عنه من غباء ونكر صوت إلى آخره.

وهو حمار جميل رشيق ذواقة طيب القلب.. إلخ، وقد خرج حمزة شحاتة بذلك بنتيجة تأمل طويل، واستنطاق عميق.

- أما حمير الحكيم - وقد كتبها خلال فترة استقرت أكثر من ثلاثين عاما - فتمثل أعمالا قصصية ومسرحية درامية ترتكز موضوعيًّا على ثلاث ركائز النفس والمجتمع، والسياسة وهذه الركائز هي نقطة الالتقاء بينها جميعا:

أ- ففي حمار الحكيم، اتخذ الحكيم من الجحش وسيلة فنية ناجحة نفذ منها تحكيم إلى رسم تضاريسه الفكرية، ورأيه ي المجتمع العالمي والمجتمع المصري خصوصًا مجتمع القرية، وكذلك رأيه في المرأة وجنايتها على نفسها ومجتمعها. هي في مجموعها آراء تتسم بالقسوة المرارة والصرامة.

ب- وفي حماري قال لي يخرج تحكيم بحماره إلى مجال السياسة العالمية الساسة العالميين ويعتمد على الحوار الحي النابض في التصدي للأمراض الاجتماعية وخصوصا النفاق. 

جـ- رباعية الحمير، تمثل قمة النضج فني والفكري للحكيم – من وجهة نظري وأنا أعتبر هذه الرباعية خير شاهد على ذه الفترة (أعني سنوات ما بعد النكسة». قبل «العبور»)، بل إن كثيرًا مما ذكره الحكيم صراحة سياسية بعد ذلك في كتابه «عودة وعي مطروح في هذه الرباعية بصورة مزية ذكية سواء أتعلق ذلك بالأشخاص و المواقف أو الأحداث». 

كما استعان فيها الحكيم ببعض حكايات التراث الشعبي كحكاية الإنسان الذي سخط حمارًا بسبب غضب الوالدين عليه.

ويفن ناضج حقا يفجر الحكيم قضايا الشعارات الجوفاء، ووضع من لا يستحقون في مواقع هي أخطر وأكبر منهم واستغلال القادرين للأرض والناس والدولة.. إلخ.

الرابط المختصر :