; المجتمع التربوي (1195) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1195)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996

مشاهدات 98

نشر في العدد 1195

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 09-أبريل-1996

  • وقفة تربوية اللذة المحسوسة والألم المُغيّب

يقول تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكَهۡف:7).

فمن حكمة الله تعالى أنه خلق الخير والشر ليختبر الإنسان، فيظهر الصادق من الكاذب عندما يتساقط الكثير أمام بريق الشر وزينته المحسوسة لغياب الإحساس بالألم والعذاب المغيب في الآخرة... لذلك جاءت التوجيهات القرآنية والسنة النبوية لتوجيه المسلم بالتعلق بالآخرة ومعرفة ما أعد الله للمخطئ من العذاب؛ حتى يقلع عن ممارسة الحرام الذي يشعر بلذته في الدنيا، فدعوة امرأة حسناء لشاب يافع وقد تعطرت ووضعت كل ما تستطيع من مساحيق تزيدها جمالًا وأنوثة، وهي ذات منصب وجاه، تستطيع أن تخفي جريمتها إذا اكتشفت، فما الذي يمنع شاب من الإقدام على مثل هذه اللذة المحسوسة سوى ما يتذكره من الألم المغيب بالآخرة، وهذا تمامًا ما حدث لسيدنا يوسف - عليه السلام– ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف:24)

وكذلك أكل مال الربا سعادة دنيوية فهي زيادة يأخذها الدائن من المدين ولكن الله سبحانه وتعالى قال فيمن يصر على أخذها: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (البَقَرَةِ:275)

أي هكذا يحشرون يوم القيامة، فمن تذكر هذا الألم المغيب أقلع عن الربا، والاستيلاء على أرض ليست لك صورة من صور اللذة والربح الدنيوي إلا أن ذلك المستولي لو تذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أرضين» متفق عليه. ليخشى أن تمتد يده لأقل من شبر ليست له... بهذا الإحساس بالألم المغيب عاش الرعيل الأول ومن تبعهم، فتساقطت لذائذ الحرام أمام إيمانهم.

أبو خلاد

 

  • ولا تمنن تستكثر

ذكر الإمام ابن الجوزي أن هارون الرشيد قدم الرقة (مدينة على نهر الفرات) فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة وأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج من قصر الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة، يقال له: عبد الله ابن المبارك، فقالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان. فماذا كان شأن ابن المبارك حتى نال هذه المنزلة؟

يقول أحد مرافقيه: كنت مع ابن المبارك يومًا فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب، ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه... فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا؛ حيث لم نعرف ولم نوقر، قال: وبينا هو بالكوفة يقرأ عليه كتاب المناسك، وانتهى إلى حيث قيل: «قال عبد الله وبه تأخذ» قال: من كتب هذا من قولي؟

قلت: الكاتب الذي كتبه.. فلم يزل يحكه بيده حتى درس، ثم قال: ومن أنا حتى يكتب قولي.

إن عطاء العالم والداعية في دعوة الله - عز وجل - وتضحيته وجهاده وبذله وكفاحه وإنفاقه للأوقات والأموال، كل ذلك ينبغي أن ينظر إليه المؤمن نظرة استصغار؛ بل ويتبادر إليه دائمًا الشعور بالتقصير؛ لأن الشعور بالتقصير هو طريق المؤمن نحو الكمال، ولأن الله تبارك وتعالى أمر المؤمنين بعدم استكثار عمل الخير؛ لأن في ذلك مدعاة للفخر والاعتزاز والتراخي والراحة، والمؤمن لا راحة له إلا عند أول قدم يضعها في الجنة. 

قال تعالى مخاطبًا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الذي بذل ما بذل في سبيل الله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر﴾ (المُدَّثِّر: 6)   أي لا تمنن يا محمد بعملك وعطائك وبذلك وجهادك وتستكثر العمل لله؛ لأن العمل في دعوة الله وسام شرف ورفعة لك واختيار من المولى لك؛ بل احمد الله أن وفقك للخير.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون: 60)

يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا تقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (المُؤمِنُون: 60) هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: «لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم». فالمؤمن لا يستكثر عمله لله بل يتذلل إلى الخالق بأن يقبل تلك الأعمال: «ومن له همة ناهضة وعزيمة صادقة لا يستكثر شيئًا لله تعالى». 

وكفى بالمرء علمًا أن يخشى الله وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعمله..

جعفر يوسف الحداد

 

  • تعال نؤمن ساعة طرق إصلاح القلوب

يقول الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية».

وهذا الحسن - رضي الله عنه - يوضح لنا الطريق لهذا المعنى الجليل فيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القِيَامَة:2)  قال: لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي والعاجز يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه»، نعم العاجز الذي يترك لنفسه هواها ويتركها تقوده والعياذ بالله، لذلك من الخطورة بمكان أن يدع المسلم لنفسه العنان ويتركها وما أرادت، فهي بطبيعتها تأمر بالسوء كما قال تعالى في قصة يوسف عليه السلام: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (يوسف:53).

وصدق الإمام الشافعي حين قال: «النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل» فليحرص كل مسلم على محاسبة نفسه المحاسبة التي تسهل عليه قيادتها بعد ذلك إلى الخير وفعل الطاعات. 

صور وعبر من حياة السلف

لقد فقه ميمون بن مهران - رحمه الله تعالى - خطورة هذا الأمر، فأخبر بأن تقوى الله لا تتحقق إلا بمحاسبة النفس، يقول رحمه الله: لا يكون الرجل تقيًّا؛ حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وهذا الحسن - رضي الله عنه - يبين عظم هذا فيقول: «إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته»، نعم همك ما أهمك، فلنجعل المحاسبة من همنا؛ لعلها بإذنه تعالى تعيننا على إصلاح القلوب.

خالد يوسف الشطي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

128

الثلاثاء 16-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 14

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

لعقلك وقلبك (31)

نشر في العدد 1191

78

الثلاثاء 12-مارس-1996

استراحة المجتمع (1191)