العنوان فاطمة الزق عن ابنها أصغر أسير في العالم: يوسف بخير وبدأ يعتاد على إخوته لكنه لا يطيق رؤية الأبواب المفتوحة!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1882
نشر في الصفحة 22
السبت 26-ديسمبر-2009
بعد تحريرهما من سجون الاحتلال في صفقة الـ ٢٠ أسيرة..
- كنت أكلم يوسف وهو في بطني وأحكي له كل شيء وأقرأ له القرآن
- دعوت الله أن يطمئنني وقال يوسف: آمين.. فرأيت الرسول في المنام يمسح على جسد طفلي وأيقنت أني سأخرج قريبًا
- طوال سنتين ونصف السنة لم يُسمح لأهلي بزيارتي وأوهمني «الإسرائيليون» ذات مرة بأن لي زيارة لكنهم كذبوا
- حققوا معي والقيود في يدي ورجلي وأنا منحنية على بطني أثناء الحمل وكانت الطبيبة « الإسرائيلية» تصرخ في وجهي لأنهي الولادة!
بوادر الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين هي من بشائر انتصار معركة الفرقان في غزة قبل عام، ففي الثاني من أكتوبر ۲۰۰۹م، استنشقت الأسيرة الفلسطينية «فاطمة الزق» ورضيعها «يوسف» عبير الحرية بخروجهما من سجن (عسقلان) «الإسرائيلي»، ضمن ٢٠ أسيرة فلسطينية أفرج عنهن في إطار صفقة أبرمتها حركة «حماس» مع «إسرائيل»، بوساطة مصرية ،وألمانية مقابل شريط فيديو مدته دقيقتان يظهر فيه الجندي «الإسرائيلي» الأسير «جلعاد شاليط» حيًا.
وكانت فاطمة (٣٩ عامًا) قد غُيِّبت سنتين ونصف السنة في سجون الاحتلال، بعد أن اعتقلت عند معبر بيت حانون (إيريز) شمال غزة أثناء مرافقتها لابنة أخيها في رحلة للعلاج في مستشفيات الضفة الغربية. فاطمة أم محمود طمأنتنا على صحة يوسف، وأكدت أنه بدأ يتعافى من محنة السجن، ويعتاد على إخوته بعد مرور نحو ٢٠ يوما على تحريره وحدثتنا أيضا عن ابتلاء السجن وعذاباته.
الأشر تجربة متوقعة
• كامرأة فلسطينية تعيش ظروف الاحتلال.. هل كنت تتوقعين أن تمري بتلك التجربة في يوم من الأيام؟
لم يكن شيئا مفاجئا، فنحن في فلسطين نتعرض من قبل العدو الصهيوني الذي لا يرحم للاعتقال المستمر، أبناؤنا معرضون للاغتيال بيوتنا معرضة للهدم .. هذا شيء متوقع منهم، وبالنسبة لي، فإن الإنسان الذي يسلك طريق الله عز وجل يتوقع أي شيء، وهذا قضاء الله وقدره، إذا أراد لي السجن فإني أسلم أمري لله الذي يرحم.
• وماذا عن أسرتك؟
أسرتي تفاجأت، ولكن دون اعتراض على أمر الله، وهم مثلي يعتقدون أن هذا شرف لي أن يختارني الله، وزوجي إنسان مؤمن بالله، فكان صبوراً ثابتاً ومتوكلًا على الله، وكان دائم الدعاء لي.
منحة الحمل
• هل كنت تعلمين أنك حامل وقت الاعتقال؟
كإنسانة متوكلة على الله ما كنت لأعرف أنني حامل وأذهب في طريق أتوقع فيه الخطر على ما في بطني، فهو روح، وقتل الروح محرم، لقد عرفت بالحمل أثناء الفحوص الطبية التي تجرى للأسرى بشكل روتيني.
• وكيف كان شعورك آنذاك؟
انتابني شعور بالفرحة ممزوج بالحزن، ففي هذه اللحظة تتمنى المرأة أن تكون في رعاية الله، ومن ثم الزوج والأبناء والأم والأخوات، ولهذا حزنت، ولكني فرحت لأن الله سبحانه وتعالى أكرمني بجنين يؤنس وحدتي بعد الله عز وجل، فقد كنت أحدثه وهو في بطني، وأحكي له كل شيء، وكنت أقرأ له القرآن دائمًا.
معاناة بلا حدود
• صفي لنا أحوال الأسيرات الفلسطينيات في المعتقلات؟
نحن -كـأسـيـرات- كنا نمر بمرحلتين؛ الأولى: هي مرحلة «التحقيق» أو الزنازين، وهي الأصعب، والثانية: هي «السجن»؛ حيث كنا نحاول تهيئة أنفسنا على الحياة هناك. مرحلة «التحقيق» بالنسبة للأسيرات مرحلة صعبة وقاسية جدًا، فالزنازين صغيرة جدًا ومعتمة، فالجدران مطلية باللون الأسود، والإضاءة عبارة عن كشافين كبيرين، إذا نظرت إليهما تشعرين بأنك ستفقدين بصرك من شدة الضوء.
أيضًا تكون البرودة شديدة تخترق الجسد، هذا بالإضافة إلى مياه المجاري التي تتسرب إلى داخل الزنزانة، وبالطبع تنبعث الروائح الكريهة من الزنزانة .. كل هذه الظروف تؤثر على صحة الأسيرات بشدة، ففي الفترة التي قضيتها في الزنزانة كنت أعاني من آلام في البطن بشكل متواصل من شدة البرودة، وأصبت ببثور في رأسي وجسدي، فضًلا عن تكبيلنا بالقيود الضيقة والسلاسل القصيرة، والتي تكون متصلة من اليدين إلى الرجلين )وذلك طوال جلسات التحقيق)، بحيث لا تستطيع الأسيرة الجلوس باستقامة، وهذه الجلسة كانت صعبة جدًا عليّ وأنا حامل.
• ما أصعب موقف تعرضت له داخل الأسر؟
وأنا في فترة التحقيق زجوا بي في زنزانة كنت أسميها «زنزانة الموت»؛ فقد كانت سيئة جدًا، وذلك بسبب نصحي لاثنتين من الزميلات بألا يتحدثن عني بشيء لوجود أجهزة تنصت في الزنازين، فانتقم مني السجانون وألقوا بي في تلك الزنزانة، وعندها أصابني نزيف، وكنت أشعر كأن روحي تخرج من أظافري، وبالرغم من ذلك، فقد منعوا عني الصليب الأحمر، حتى قابلت المحامي وطلب منه نقلي للمستشفى.
أما في السجن، فقد تعرضت أيضاً لموقف صعب جداً قبل خروجي بثلاثة أشهر تقريبا، ففي يوم من الأيام، وأثناء نداء أسماء الأسيرات اللاتي لهن زيارة سمعت اسمي معهن، ففوجئت وفوجئ كل من معي؛ لأن أسيرات غزة لا يُسمح لهن بالزيارة، فقد قضيت السنتين ونصف السنة داخل المعتقل دون زيارة واحدة من أهـلي، ووسط تعجب وصدمة الجميع توجهنا إلى مكان الزيارة، وقد تهيأت للزيارة، وألبست يوسف أجمل ملابسه، وذهبت وأنا مشتاقة لمعرفة من يزورني، وعندما دخلنا مكان الزيارة أخذت كل واحدة مكانها أمام أهلها، ولكني ظللت وحيدة؛ فلم يكن هناك أحد جاء لزيارتي، فوقفت حزينة وحيدة والجميع مشغول مع أهله وأحبائه.. وكانت من أقسى الساعات التي مرت عليّ في السجن.
ولادة تحت القيود
• كيف مرت عليك ساعات الولادة؟
كان الله سبحانه وتعالى ونيسي، وبالرغم من أن المرأة في وقت الولادة تحتاج إلى زوجها وأمها وأهلها بجوارها إلا أن الله كان معي، وأرواح الأحبة كانت حولي، وشوقي لرؤية يوسف أنساني حزني، فلم يكن موقفا صعباً والحمد لله، فقد كنت أنتظر يوسف ليؤنس وحدتي بعد الله عز وجل، ضد الظلم وظلمات المعتقل.
• كيف كان شعورك وأنت تستقبلين مولودك وحيدة داخل المعتقل؟
عندما رأيت يوسف على صدري نسيت كل ما تعرضت له، وتلاشت كل أحزاني وجعلت أقبله وأقول له: «يا حبيبي، أنا ماما وأنت يوسف، وبابا في غزة، ونحن هنا وحدنا»، وكانت فرحتي به لا توصف.
• كيف عاملوك أثناء الولادة؟
الطبيبة التي كانت في غرفة الولادة كانت قاسية جدا، وعاملتني معاملة لا إنسانية بالمرة، ولم تقدم الرعاية الطبية اللازمة، مما أدى إلى استغراق الولادة وقتاً طويلاً، وكانت تصرخ في وجهي لكي أنهي الولادة وعندما قلت لها: إن هذا ليس بيدي، ولكن بيد الله، تعدت على اسم الجلالة، فدعوت الله أن ينتقم منها، وبالفعل انتقم الله منها أثناء ولادتي؛ حيث اصطدمت بالباب وارتدت للخلف حوالي متر أمام عيني فكان انتقامًا من الله. ما كان يجب أن تعاملني الطبيبة تلك المعاملة، فنحن لم نكن في ساحة حرب، ولكن كان يجب أن تقوم بواجبها كطبيبة، وظنت نفسها في ساحة القتال. وبعد الولادة مباشرة أخذوا مني يوسف، وقيدوا يدي ورجلي إلى السرير، ولم يراعوا آلامي.
يوسف في الجب
• بعد الولادة وعودتك بيوسف.. هل كانوا يعاملونه نفس المعاملة القاسية، أم كانوا يراعون كونه طفلا ؟
كانوا يعاملونه معاملة إنسانية داخل القسم، وأعطوه جرعات التطعيم بانتظام، ولكن لم تكن هناك رعاية دورية من طبيب الأطفال، فقد زاره ثلاث مرات فقط، منهم مرتان بناءً على طلبنا له، أيضاً لم يسمحوا بإدخال ملابس جديدة ليوسف بحجج وادعاءات مختلفة.
• خلال فترة الاعتقال كيف كانت طفولته؟
كان يوسف يقضي معظم وقته داخل له الزنزانة، وكان يسمح . بالخروج معي من الساعة السابعة صباحًا إلى السادسة مساءً يتجول داخل القسم، ولكن كنا نقضي وقتًا طويلا داخل الزنزانة.
مسكين يــوســف.. حــرم مـن الحرية والطفولة، حرم من رؤية والدته تطبخ وتغسل، يمسك معها المكنسة، أو يحاول تقليدها وهي تطبخ، حرم من رؤية أطفال في سنه من حوله، ولكن كان يرى أمه وخـالاتـه الأسـيـرات في ظروف تفوق سنه ، ولم يسمحوا بإدخال ألعاب له داخل المعتقل، وكانت لعبته الوحيدة سيارة اشتريتها من (الكانتين)، كان يحب اللعب بالجوال، فقد كان المدير يعطيه جواله، وعندما طلبنا منهم شراء جوال لعبة رفضوا.
• هل كان يسمح لكم بتبادل الاتصالات التليفونية والرسائل مع الأهل؟
كان يُسمح لي باتصال هاتفي مرة كل سنة لمدة ثلث ساعة فقط، ولكن بصعوبة، أما الرسائل فكانت تصل إلى أهلينا بعد فترة طويلة تصل إلى ثمانية أشهر، وكان يوجد تباطؤ في إيصال الرسائل، فكنا نشعر بأننا منفيون عن العالم.
• هل أثر قضاؤه فترةً داخل الأسر عليه الآن؟
بالتأكيد أثر ذلك عليه، فقد ساء وضعه الصحي كثيرا ومرض وهو الآن يتعافى من مرضه، ومنذ خرجنا لا يحب أن يرى أي باب مفتوح، يجب أن يكون الباب مغلقاً؛ لأنه اعتاد أن يرى كل الأبواب مغلقة داخل السجن، فقد عاش هكذا حيث كل الأبواب مغلقة بالمفاتيح، وحتى الآن إذا رأى باباً مفتوحًا يظل يبكي ويغلقه على الفور.
رؤيا الرسول
• كيف استقبلت خبر الإفراج؟
استقبلته بفرحة شديدة، ولكن لم يكن مفاجئاً؛ لأنه كان لدي شعور قوي بداخلي أنني سأخرج أنا ويوسف قبل أن يتم عمره السنتين وكان بقلبي طمأنينة لا توصف من عند الله، وخاصة بعد أن أراني الله رؤيا تطمئن قلبي، ففي ليلة -قبل أن يُفرج عني بثلاثة شهور- كنت على السرير ويوسف في حضني، توجهت إلى الله ودعوته: «يا رب، أكرمني ولا تحرمني، وفرج كربي أنا وابني»، ونظرت ليوسف وأنا أبكي وأقول له: «أمن يا يوسف»، فبدأ يوسف يؤمن وفي هذه اللحظة شعرت أن الله سيستجيب تأمين يوسف على الدعاء. ودعوت الله أن يكرمني برؤيا يطمئنني فيها، وبالفعل رأيت في تلك الليلة الرسول ﷺ يربت على يوسف، ويمسح على جسده، فلما صحوتُ حمدت الله، واطمأن قلبي، وعندما جاء خبر الإفراج لم أشعر أنه مفاجئ، بل شعرت أنه تحقيق الرؤيا، بفضل الله عز وجل.
يوسف يتعافى
• وبعد العودة، هل بدأ يوسف التأقلم بسهولة مع الأب والإخوة والحياة خارج المعتقل؟
عندما خرجنا استغرب يوسف الجو، وبالطبع أثرت عليه الضجة وجموع الناس وقت خروجنا ، فلم يكن يرى كل هذه الأعداد من الناس، مما أصابه بالخوف الشديد. أما مع أبيه وإخوته فلم يتأقلم معهم فور عودتنا، وحتى الآن يبكي عندما يحمله أخوه، ولكنه يعتاد عليهم يوما بعد يوم، ونحن نحاول أن نخرجه من الوضع النفسي الذي هو فيه. نفرح كثيرًا عندما ينادي «بابا»، أو ينادي إخوته بأسمائهم، فقد كنت أريه صورة أبيه وإخوته ونحن في السجن منذ أن كان عمره شهرين، وكنت أعلمه كلمة «بابا»، وأسماء إخوته.
• ماذا تتمنين ليوسف عندما يكبر؟
أتمنى أن يكون يوسف ابني مثل يوسف عليه السلام، أسأل الله تعالى أن يكرمه كما أكرم يوسف، وأن تكون له منحة وعزة بعد تلك المحنة أسأل الله أن يجعله في خدمة دينه ووطنه، وأن يكون من علماء الأمة الأخيار.
• كيف كان شعورك أنت وبقية الأسيرات أثناء الحرب على غزة؟ والله كان شعوراً لا يوصف، كان صعباً جداً، تعجز الكلمات عن
وصفه فقطاع غزة الحبيب يُضرب بالطيران وتهدم بيوته، تقتل أسر بأكملها، تقطع الكهرباء.. وأنا في غربة، فكنت أقول: يا رب لا تحرمني من أهلي وأحبتي وأقر عيوني بهم وأقر عيونهم بي وكنت أقرأ القرآن وأدعو لهم، ولكن الحمد لله شرفنا الله بسبعة من الشهداء في العائلة، كانت أيامًا صعبة جدًا علي وعلى أخواتي الأسيرات، وكنت بجسدي في السجن ولكن روحي معهم في غزة.
• ماذا تعلمت داخل السجن؟
كان السجن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن سجنوني فسجني عبادة». فكان سجني عبادة واتصالا مع الله، وحاولت أن تكون فترة سجني فترة تطبيق لكتاب الله، الذي من الله علي بحفظه وتعليمه الأجيال من النساء، والحمد لله، وكما يقول رسول الله ﷺ: «تمسكوا بكتاب الله وسنتي: لن تضلوا بعدي أبدًا». وكنت أقول لأخواتي: تذكروا الثلاثة الذين كانوا في الكهف، وخرجوا بفضل أعمالهم الصالحة، فكنت أدعو الله أن يخرجني وابني بفضل عمل أرجو الله أن يكون صالحًا.