; صحةالأسرة (1365) | مجلة المجتمع

العنوان صحةالأسرة (1365)

الكاتب د. محمد علي البار

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999

مشاهدات 83

نشر في العدد 1365

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 31-أغسطس-1999

تعليقًا على موضوع: «نقل الأعضاء البشرية يدخل دائرة الخطر»

سجال جديد في موضوع قديم

ناقشه الفقهاء الأقدمون بالتفصيل.. وأباحه من المعاصرين الكثيرون

نشرت المجتمع مقالًا في عددها رقم 1357 تحت عنوان: نقل الأعضاء البشرية يدخل في دائرة الخطر تبنى فيه كاتبه وجهة نظر تطالب بوضع ضوابط مشددة لعمليات زرع الأعضاء، والتصدي بصرامة لسرقتها والاتجار فيها، وهو الأمر الذي تكرر حدوثه بأكثر من عاصمة عربية في حوادث لا تخفى على أحد.. والمستمع إذ تنشر المقالين التاليين لا ترى تخطئة أي من الآراء الواردة في هذا الموضوع انطلاقاً من قاعدة تنوع الصواب واعتمادًا لسياسة الرأي والرأي الآخر خاصة أنه لا إنكار فيما هو مختلف فيه.

في العدد ١٣٥٧ من مجلتنا المجتمع كتب الأستاذ عبد القادر أحمد عبد القادر مقالاً بعنوان: «نقل الأعضاء البشرية يدخل دائرة الخطر، وبعنوان فرعي: لمصلحة الأثرياء عصابات تختطف البشر وتنتزع أعضاءهم أحياء».

وذكر في بداية مقاله قصة جوهرة التي غابت في وسط المدينة، وأن عصابة قد اختطفتها من العمارة العملاقة، وأن أفراد العصابة سقطوا واعترفوا بجريمتهم الشنعاء ثم قال ما نصه: فكم من مثل جوهرة يمكن أن يساق إلى مشرحة الاستئصال وهم أحياء لقد وقع أصحاب الفتوى أي العلماء والمجامع الفقهية الذين أجازوا زرع الأعضاء في خطأ عظيم أظهرته جوهرة، بل وقعوا في أخطاء عدة، وليس خطأ واحد.

ومن حق الكاتب أن يناقش موضوع زرع الأعضاء بما يراه، ذلك أن هذا الموضوع قديم، وقد ناقشه الفقهاء منذ أزمنة متطاولة، وكان الأطباء يوصلون العظام المنكسرة التي لا يمكن التئامها بعظام من الموتى أو من الحيوانات، كما كانوا يقومون بزرع الأسنان.

وقد ذكر الإمام النووي في منهاج الطالبين ولو وصل عظمه بنجس أي بحيوان نجس مثل الكلب والخنزير، لفقد طاهر فمعذور، وإلا وجب نزعه إن لم يخف ضررًا ظاهرًا، وقيل وإن خاف فإن مات لم ينزع على الصحيح. 

وقد علق الإمام الشربيني على ذلك في مغني المحتاج بقوله: وظاهر هذا أنه لا فرق بين الآدمي المحترم وغيره وهو كذلك، وأضاف: ولو وصل عظمه لانكساره مثلاً واحتياجه إلى الوصل بنجس لفقد طاهر الصالح للوصل، أو وجده وقال أهل الخبرة إنه لا ينفع، ووصله بنجس فمعذور في ذلك تصح صلاته معه للضرورة.

 وقال القزويني في كتابه عجائب المخلوقات: «إن من خواص عظم الخنزير أنه يوصل بعظم الإنسان ويلتئم سريعًا ويستقيم من غير اعوجاج. والقزويني كان معاصراً للإمام النووي وعمل قاضيًا للقضاة في بغداد!!

وقال عبد الحميد الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج شرح المنهاج: يجوز للذكر الوصل بعظم الأنثى وعكسه، ثم قال: وينبغي ألا ينقضي وضوءه ووضوء غيره به، وإن كان طاهرًا، ولم تحله الحياة لأن العضو المبان لا ينقض الوضوء بمسه إلا إذا كان من الفرج وأطلق عليه اسمه. 

كما ناقش الفقهاء الأقدمون مثل ابن قدامة في المغني، وابن حزم في المحلى، وابن حجر في التحفة هذا الموضوع بتفصيل.

بعض الفتاوى في العصر الحديث

قام العلماء الفقهاء الأجلاء بدراسة موضوع زرع الأعضاء من شتى جوانبه، وكتبت في هذا الموضوع الدراسات العديدة، ورسائل الماجستير والدكتوراه.

ونذكر هنا طرفاً من هذه الدراسات لأصحابها. ومنهم أعلام هذا القرن من أمثال الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية الذي أصدر فتواه بعد دراسة عميقة الموضوع زرع الأعضاء وذلك سنة ١٩٥٢م.

وفي العام نفسه أصدر مفتي تونس فتوى مماثلة تبيح زرع القرنية من الموتى للأحياء وفي عام ١٩٥٩م أصدر الشيخ حسن مأمون مفتي الديار المصرية أيضاً فتوى بشأن نقل عيون الموتى إلى الأحياء «رقم الفتوى ۱۰۸۷ وصادرة في شوال ۱۳۷۸هـ الموافق ١٤ أبريل ۱۹۷۹م»، وفيها إباحة أخذ عين الميت لترقيع عين المكفوف، وذلك من الموتى الذين أذنوا في حياتهم وأذن أهلهم وذووهم بعد موتهم أو من الجثث المجهولة الهوية بعد إذن من القاضي أو ولي الأمر.

وفي عام ١٩٦٦م أصدر الشيخ هريدي مفتي الديار المصرية فتوى بإباحة زرع الأعضاء من الموتى للأحياء، ثم صدرت فتوى عن المؤتمر الدولي الإسلامي المنعقد بماليزيا في شهر أبريل ١٩٦٩م تبيح زرع الأعضاء من الأحياء والأموات بشروطها. 

كما صدرت في الفترة نفسها فتوى من ليبيا وأخرى من تونس، وفي عام ۱۹۷۲ م أصدر المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر فتوى بشأن نقل الدم وزرع الأعضاء.

وفي العام ذاته، أصدر كذلك مفتي الديار المصرية الشيخ محمد خاطر فتوى بتاريخ ٢/ ٢/۱۹۷۲م بشأن سلخ جلد الميت لعلاج حروق الأحياء، وفيها الإباحة إذا كانت من موتى مجهولي الهوية بإذن ولي أمر المسلمين، أو بإذن أهالي الميت إذا كان له أهل.

وقام الشيخ جاد الحق مفتي الديار المصرية ثم بعد ذلك شيخ الأزهر، بإصدار فتوى تفصيلية في شأن موضوع زرع الأعضاء من الأحياء والأموات وشروطها وذلك في الفتوى رقم ۱۳۲۳ الصادرة في١٥/١/١٤٠٠هـ الموافق ٥/ ١٢/ ١٩٧٩م.

وقبل ذلك صدرت فتوى من المجلس الأعلى للفتوى بالأردن بهذا الشأن وذلك في عام ١٩٧٧م كما أصدرت هيئة كبار العلماء بالسعودية فتوى رقم ٦٢ بشأن نقل القرنية في ٢٥/ ٢/ ١٣٩٨هـ ۱۹۷۸م وتبعتها فتوى من هيئة كبار العلماء بالسعودية أيضًا تبيح زرع الأعضاء من الأحياء والأموات بشروطها فتوى رقم ٩٩ وتاريخ ٦/١١/١٤٠٢هـ.

وصدرت فتوى وزارة الأوقاف الكويتية بشأن زرع الأعضاء برقم ٧٩/١٣٢ عام ١٤٠٠هـ _ ١٩٨٠م، وتبعها القانون الكويتي رقم (۷) لعام ۱۹۸۳م.

كما أصدر المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة فتوى مفصلة بشأن زرع الأعضاء من الأحياء والأموات.. وكان من بين الأعضاء الذين أصدروا الفتوى جهابذة الفقهاء في عصرنا من أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله والشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله، والشيخ الجليل الداعية إلى الله بقلمه ولسانه الدكتور يوسف القرضاوي أمد الله في عمره وغيرهم كثير.

وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي والممثلة فيه أكثر من ٥٠ دولة من العالم الإسلامي ومجموعة من الخبراء من أجلة الفقهاء والأطباء - بعد دراسات مطولة وأبحاث على مدى سنوات - مجموعة من الفتاوى بخصوص زرع الأعضاء، وموت الدماغ، نذكر منها القرار رقم ٥ بشأن أجهزة الإنعاش موت الدماغ، في الدورة الثالثة للمجمع المنعقدة في عمان بالأردن عام ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦م، وفيه الاعتراف بموت الدماغ وأنه مساوٍ لموت القلب، وهو أول قرار يصدر من هذا القبيل في العالم الإسلامي، وكان له وقع كبير – ولا يزال - إلى اليوم.

وهذا الموضوع بالذات - أي موضوع موت الدماغ لا يزال يثير جدلًا واسعًا بين الفقهاء، ولم يقبله الكثير منهم، أما موضوع زرع الأعضاء من الأحياء والأموات، فلا يكاد يوجد من العلماء من ينكره إلا فيما ندر الشيخ الشعراوي رحمه الله وبعض العلماء من الهند وباكستان.

وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة فتوى تفصيلية بشأن انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حيًا أو ميتًا (الفتوى رقم (۱) د -٤/٨ /۸۸) الصادرة في ٦/٢٣/١٤٠٨هـ الموافق ۲/۱۱/ ۱۹۸۸م.

ثم صدرت فتوى تفصيلية بشأن زراعة خلايا المخ، وبشأن البييضات الملقحة الزائدة على الحاجة، وبشأن استخدام الأجنة المسقطة والمجهضة في زرع الأعضاء، وكذلك بشأن زرع الأعضاء التناسلية وذلك في الدورة السادسة للمجمع المنعقدة في جدة والصادرة في٢٣/٨/١٤١٠هـ الموافق ۲۰/۳/۱۹۹۰م.

وللكويت دور بارز وإسهام قوي في الموضوع فقد قامت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية التي يرأسها الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي، بعقد ندوة في ٢٤/ ٤/١٤٠٥هـ - ١٥ يناير ١٩٨٥م حضرها جمع غفير من الفقهاء والأطباء وذوي الرأي، ودرست الندوة موضوع موت الدماغ، وأصدرت فتوى بقبوله مفهوماً للموت، وصدرت عنها أبحاثها في مجلس حافل تحت عنوان الحياة الإنسانية بدايتها ونهايتها في المفهوم الإسلامي.

كما أصدرت المنظمة أيضاً أعمال الندوة السادسة تحت عنوان «رؤية إسلامية الزراعة بعض الأعضاء البشرية»، في مجلد ضخم وقد انعقدت الندوة في ٢٣ ١٤١٠٣هـ الموافق ٢٣/١٠/ ۱۹۸۹م.

وهناك رسائل ماجستير ودكتوراه في موضوع زرع الأعضاء، ومجموعة كبيرة جداً من الكتب في هذا الموضوع أذكر منها:

  1. أبحاث مجمع الفقه الإسلامي حول زرع الأعضاء، وموت الدماغ منشورة في مجموعة مجلدات من إصدارات مجمع الفقه الإسلامي بجدة «مجلة المجمع».
  2.  أبحاث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية صادرة عام ١٣٩٦هـ وعام ١٣٩٧هـ.
  3. أبحاث حول زرع الأعضاء وموت الدماغ نشرتها مجلة المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة «مجلة المجمع الفقهي العدد. الأول ١٤٠٨هـ / ۱۹۸۷م»، و«العدد الثالث ۱۹۸۹م». 
  4. عصمت الله عناية الله محمد الانتفاع بأجزاء الآدمي في الفقه الإسلامي، رسالة ماجستير من كلية الشريعة جامعة أم القرى مكة المكرمة ١٤٠٨هـ.
  5. محمد زين العابدين طاهر نطاق الحماية الجنائية لعمليات زرع الأعضاء في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي رسالة دكتوراه مقدمة إلى الجامعة الأزهرية، فرع أسيوط، كلية الشريعة ١٩٨٦م.
  6.  فتاوى الشيخ شلتوت
  7.  فتاوى الشيخ القرضاوي الحلال والحرام، وكتاب: «فتاوى معاصرة»
  8. ليلى سراج أبو العلا: نقل الدم وزرع الأعضاء - رسالة ماجستير - كلية التربية للبنات بمكة المكرمة دراسة فقهية طبية.

ولكاتب هذه السطور المجموعة التالية في الموضوع نفسه

  1. موت القلب أو موت الدماغ.
  2. الفشل الكلوي وزرع الكلى.
  3. زرع الجلد ومعالجة الحروف.
  4. الموقف الفقهي والاخلاقي في قضية زرع الأعضاء. 
  5. ما الفرق بين الموت الإكلينكي والموت الشرعي.

المواد الكيماوية تهدد الخصوبة البشرية

حذر باحث كندي من خطورة المواد الكيماوية المنتشرة في عدد كبير من دول العالم لاسيما المبيدات الحشرية، التي تهدد مصير الجنس البشري لما لها من تأثيرات ضارة على الوظائف التناسلية.

وقال الدكتور تريدو - الأخصائي الكندي.. إن انخفاض عدد الحيوانات المنوية لدى رجال بعض البلدان قد تكون له علاقة بهذه الكيماويات التي تعطل عملية الإفراز الباطني، وينتج عنها انخفاض في الخصوبة، وقد ثبت أن كيميائيات عدة قد تسبب عاهات ولادية، كما يشتبه بأن للكثير من هذه الكيميائيات علاقة بظهور الأمراض السرطانية.

وأشار إلى أن الكيميائيات المبيدة للحشرات كمركب «دي دي تي»، ومركبات بي سي بي السمية، ومادة فيورانز، قد تحدث تغييرًا بيولوجيًا على الحيوانات المخبرية، وحتى على تلك التي تعيش في الحقول والأوساط البرية. 

وأكد الباحث الكندي أن مبيدات الحشرات والقوارض المؤذية هي من أكثر الكيميائيات خطورة، فهي لا تشوش الوظيفة الفسيولوجية السليمة وحسب، بل قد تؤثر على النمو والتطور الوظيفي للدماغ، لأن هذه المواد الكيميائية مصممة لقتل الحشرات عن طريق تعطيل وظائفها العصبية.

وأعرب الدكتور تريدو عن قلقه من أن الأضرار التي قد تلحق بالوظائف التناسلية البشرية كفيلة بتهديد مصير الجنس البشري كله. 

وحيال هذه المؤشرات يعتقد الدكتور تريدو أن الجهود المبذولة للتخلص من هذه الكيميائيات ليست كافية، فالكيميائيات الحشرية مثل دي دي تي المحظورة، مازالت مستعملة على نطاق واسع في البلدان النامية، ومازالت أمريكا الشمالية تصنعها وتبيعها، مشيرًا إلى أن ۱۰۳ دول اجتمعت في السنة الماضية بمدينة مونتريال، واستهلت المفاوضات حول معاهدة دولية للتخلص من ۱۲ مادة من الملوثات بالغة الخطورة، ومن جملتها تلك التي قد تبدل المعطيات التناسلية دون أن تتحول بنود المعاهدة إلى ممارسات فعلية.


الوفاة الدماغية.. وفاة كاملة

  • الطب الحديث يؤكد حدوثها إذا تلف الدماغ دون انتظار لتوقف القلب
  • الموت الدماغي مخرج للمرضى المحتاجين لزراعة أعضاء بدل علاجهم في بلاد غير المسلمين
  • الإجراءات التنظيمية والرقابية الصارمة ضرورة لمنع استغلال المبدأ في زراعة الأعضاء غير المشروعة

إشارة إلى المقال المنشور في مجلتكم الغراء في عددها ١٣٥٧ الصادر في ٢٢ ربيع أول ١٤٢٠هـ الموافق ٦/٧/ ١٩٩٩م في باب صحة الأسرة، تحت عنوان: نقل الأعضاء البشرية يدخل دائرة الخطر، لكاتبه عبد القادر أحمد عبد القادر، أود أن أوضح بعض الأمور المتعلقة بالموضوع.

أولًا: تناول المقال موضوعًا مهمًا وحيويًا ويمس شريحة لا بأس بها من المجتمع من بينهم مرضى الفشل العضوي الذين هم بحاجة إلى زراعة عضو سواء كان كلية أو أو قـ قلبًا أو كبدًا ولله الحمد فقد أمكن بواسطة الطب الحديث زراعة أعضاء لهؤلاء المرضى، مما يبعث الأمل في نفوس هؤلاء المرضى وذويهم في حال توافر إنسان متبرع مناسب سواء من الأحياء أو الأموات.

ثانيًا: بحث المقال الموضوع باختصار شديد من جوانب عدة ومن الغين أن نخرج النتائج سلبية أو إيجابية بدون أن نقوم بشرح تفصيلي للموضوع، كما أنه من الغين أن نقول إنه يوجد إجماع طبي وفقهي واجتماعي على رفض التداوي بزراعة الأعضاء، فمن باب إحقاق الحق كان لابد من أن يفصل في الأمور التي وردت وهي:

1- ما الموت الدماغي؟ وهل هذا المبدأ مقبول في الأوساط الطبية؟ وهل هناك إجماع من الأطباء على قبوله أو تركه؟ وهل الموت الدماغي يعني موتًا طبيًا كاملًا أم لا؟

2- التجارة بالأعضاء هل زراعة الأعضاء سبب في وجودها أم أن من يقوم بها هم ذوو النفوس الضعيفة والمجرمة وهل نحرم زراعة الأعضاء تفاديًا لتجارة الأعضاء أم تسن قوانين منظمة رادعة لمن يقوم بهذه التجارة.

لقد أصبح الموت الدماغي مبدأ يعترف به كثير من دول العالم والدول الإسلامية كأساس للوفاة الشرعية، ولقد جاء الطب الحديث بمفاهيم جديدة عن مسألة تشخيص الموت الذي هو من صميم عمل الأطباء اليومي، إذ توكل إليهم مهمة التشخيص، وإصدار شهادات الوفاة.

وكلنا يعلم أن تشخيص الوفاة عن طريق نبضات القلب لم يكن معتمداً إلا منذ مائتي سنة وخلال الخمسين سنة الماضية ظهرت أجهزة الإنعاش التنفسي التي سمحت بتشخيص حالات الوفاة الدماغية، كما ظهرت من خلال عمليات زراعة القلب معضلة الاعتماد على أن توقف القلب يعتبر أساسًا للوفاة، كما يصر عليه المقال، فآلاف المرضى الذين استبدلت بقلوبهم قلوب جديدة تم التبرع بها من متوفين دماغيًا قد نجحت عمليات زراعة القلب لهم، وحيث إنهم يعيشون بعد ذلك وقلوبهم الأصلية خارج أجسامهم قد توقفت عن العمل، فهل يعتبر هؤلاء أمواتاً أم أحياء وهل غادرت أرواحهم أجسادهم بحيث إنهم أموات يمشون على الأرض؟

إذا كان الجواب بالنفي فيجب أن يراجع مفهوم الموت بتوقف القلب إذ بين العلم الحديث أن القلب عضو يمكن تغييره ولا يموت صاحبه، بل يحتفظ بشخصيته دون تغيير، وأيضًا هنالك ظاهرة في جراحة القلب المفتوح، إذ يوقف القلب الأصلي عن العمل ساعات عدة، ويستعاض عنه بآلة ثم يعاد إلى العمل، فهل تغادر الروح الجسد أثناء ذلك؟ أم تبقى ثم يستيقظ المريض، ويغادر المستشفى؟

الواقع أن موت الدماغ هو المفهوم السائد والأثبت في تعريف الوفاة بناء على المذكور أعلاه وقد قرر فقهاء المسلمين قبول الوفاة القلبية والوفاة الدماغية على أنهما أساس للوفاة الشرعية، فتوى مجمع الفقه الإسلامي ١٤١٨هـ في عمان - الأردن، برغم أنه يجب مراجعة مفهوم الوفاة القلبية وصياغته بشكل أدق.

هل يمكن اعتبار المتوفى دماغياً متوفى من الناحية الطبية وفاة كاملة لا رجعة فيها؟

الجواب: نعم.. وهذا يتعلق بحقيقة علمية أثبتها علم الطب بوجود أجهزة التشخيص المتقدمة والطريقة التجريبية في تشريح الدماغ ومعرفة وظائفه.

فقد عرف الأطباء عن وظائف الدماغ الكثير الذي يطمئنهم للتشخيص السريري.

خلاصة القول: إن القلب أمكن استبدال قلب آخر به، ولم تتغير شخصية الإنسان الذي زرع له القلب، وأيضًا أمكن زرع رئة وكبد وكلية وبنكرياس، وكانت النتيجة مماثلة، فهذه الأعضاء ليست نبيلة كما نظن ويمكن الاستبدال بها، إلا الدماغ فإذا تلف كله لم يمكن الاستبدال به، وهذا التلف الكامل والنهائي للدماغ الذي لا رجعة فيه هو ما تدعوه بالوفاة الدماغية، والأجهزة الصناعية الآن مثل الكلية الصناعية يمكنها أن تعارض عمل الكلية ولمدة طويلة.. والقلب الصناعي يمكنه أن يعارض عمل القلب الأسابيع عدة.. والكبد الصناعية يمكنها أن تعاوض عمل الكبد لمدة أسبوع ونحوه.. وجهاز التنفس الصناعي يمكنه معاوضة عمل الرئة لمدة طويلة ... وهذا دليل على أن وجود مريض على أي من الأجهزة وخاصة جهاز التنفس الصناعي «المنفسة» الذي يوصل الأوكسجين إلى الرئتين من خلال الأنبوبة التي توضع في حلق المتوفى دماغيًا لا يعني أن أعضاءه تعمل ذاتيًا، بل تقوم هذه الأجهزة بعمل الأعضاء الأصلية، فالمريض الموضوع على جهاز التنفس الصناعي ومركز التنفس في جذع دماغه تالف لا يعني ذلك أنه يتنفس لوحده، وإنما بفعل الجهاز.

والشيء المسلم به بين الأطباء أيضاً أنه يمكن دفع القلب للنبضان لفترة من الزمن إذا وضع مريض من هذا النوع، أي الذي لا يستطيع أن يتنفس لوحده بسبب تلف دماغه على جهاز التنفس الصناعي.

هل ما يحدث عند توقف القلب عن العمل يحدث عند توقف الدماغ عن العمل؟

المفارقة العجيبة أنه إذا مات الشخص بتوقف القلب النهائي فإن الأعضاء تموت بالتدريج فتموت أولاً خلايا الدماغ والكبد والكلى ثم تتبعها العضلات والعظام والجلد التي تبقى فيها حياة ساعات عدة، أما إذا مات الشخص بموت الدماغ أولاً فإن الأعضاء أيضاً تموت بالتدريج كما حدث بالموت عند توقف القلب، ثم يتوقف القلب - الذي قلنا إنه كان يعمل بفعل جهاز التنفس الصناعي خلال ساعات إلى أيام قليلة.

وفي المملكة العربية السعودية شخصت حالات كثيرة من الوفاة الدماغية خلال السنوات العشر الماضية تجاوزت الألفي حالة، وقد توقف القلب في هذه الحالات خلال أيام قليلة، ولم يبق أحد منها بعد عشرة أيام مهما كانت العناية بها فائقة، وهذا يتوافق مع ما نشر في الدراسات العالمية، كما أظهرت الدراسات كيف يحصل فساد الأعضاء برغم محاولة الأطباء تثبيت الضغط والوسائل الوريدية التي تعطى للمتوفى دماغيًا وهو على جهاز التنفس الصناعي، وأن الخلايا في حالة الوفاة الدماغية تصبح غير قادرة على التغذية أو استخلاص الأكسجين لفقدان السيطرة العصبية عليها.

وهكذا فإن مبدأ تشخيص الوفاة الدماغية مبدأ ثابت له معاييره المعترف بها التي تفرقه حتمًا، وبشكل لا يدع مجالًا للشك عن أي حالة من حالات الإغماء أو الغيبوبة العادية، وأنه يعني أن الدماغ قد تلف تلفًا لا رجعة فيه.

هل عاد أحد شخص بإنه متوفى دماغ إلى الحياة ثانية وما احتمالات الخطأ في التشخيص؟

لم يعد أي شخص حكم الأطباء بأنه قد توفي دماغيًا إلى الحياة ثانية، ولكن يجب ألا نقول عن كل حالة غيبوية إنها حالة وفاة دماغية حتى تستوفى كل العلامات والمعايير، وهنالك بعض الناس - وحتى بعض الأطباء ممن يجهلون كيفية تشخيص حالة الوفاة الدماغية - يجعلون حالات الغيبوية العادية التي لم تصل إلى مرحلة الوفاة الدماغية بمثابة الوفاة الدماغية ويشيعون بين الناس قصصًا عن حالات وفاة دماغية عادت إلى الحياة.

وهذا الخلط خطر إذ لم يثبت من الدراسات المقارنة على مئات الحالات التي حدثت فيها وفاة دماغية أن أي متوفى دماغيًا عاد إلى إلى الحياة ثانية أو أنه بقي قلبه ينبض أكثر من أيام قليلة جدًا، وعليه يمكن القول - وباطمئنان - إنه إذا استوفيت شروط التشخيص والعلامات السريرية والشعاعية التي تبين حدوث الوفاة الدماغية فإن احتمال الخطأ في التشخيص تكون معدومة تمامًا، وهذا ما حدا بالأطباء في اعتماد تشخيص الوفاة الدماغية على أنها وفاة طبية كاملة.

لماذا لا نترك من توفى دماغه حتى يتوقف قلبه بدل الاستعجال عليه في إعلان وفاته فور تشخيص الوفاة الدماغية، فنامن الفتنة ونسد الذرائع؟

إن الاهتمام بمسألة الوفاة الدماغية جاءت خلال التطور العلمي المذهل في تشخيص حالات الوفاة الدماغية والدقة المتناهية في ذلك، بالإضافة إلى النجاحات الكبيرة لزراعة الأعضاء وبقاء المرضى الذين زرع لهم أحياء بفضل من الله ثم بفضل ما فتحه الله علينا من العلم في التداوي المشروع، ولا يوجد إن شاء الله حرج في نقل الأعضاء من حي أو ميت إلى مريض حي بحاجة لتلك الأعضاء أفتى به فقهاء المسلمين، فكم من مريض زُرع له عضو يمشي بيننا يحمد الله ويدعو للمتبرعين.

ولكن التبرع بالأعضاء من الأحياء لا تكون إلا للكلى وحتى هذه لا تكفي العدد المتزايد من المرضى المصابين بالفشل الكلوي الذين ينتظرون زراعة كلى لهم، أما القلب والكبد فلا يكون إلا من متوفين دماغيًا لأن كل إنسان لا يملك إلا قلبًا واحدًا وكبدًا واحدًا.

فإذا انتظرنا حتى يتوقف القلب توقفًا نهائيًا برغم الإنعاش، فإن ذلك يفسد الأعضاء فسادًا لا يمكن معه الاستفادة منها في نقلها إلى حي فكان لابد من الاستفادة من حالات الوفاة الدماغية طالما أن الله قد فتح علينا في معرفة الدماغ ووظائفه، وكيف أنه إذا تلف حصلت الوفاة الكاملة، فلماذا لا نستفيد من أعضاء المتوفين دماغياً وهي في حالة أفضل قبل توقف القلب وطالما أننا مطمئنون أن الوفاة الدماغية هي وفاة كاملة؟

السؤال الأخير:

إذا سلمنا بأن الوفاة الدماغية هي وفاة كاملة دون انتظار توقف القلب، فكيف يمكننا التأكد أنه لن يساء استخدامها من الأطباء في زراعة الأعضاء غير المشروعة أو أن يتهاونوا في التشخيص للاستعجال في الوصول إلى الأعضاء.

مثل هذه الأمور لن تحدث إذا كان لهذا الأمر من يراقبه بدقة شانه في ذلك شأن المراقبة الأمنية حتى لا تسول لأحد نفسه في ارتكاب مخالفة. ولقد سعت دول العالم التي اعتمدت تشخيص الوفاة الدماغية لتنظيم الإجراءات فوضعت أنظمة لذلك، وأنشأت مراكز للقيام بمراقبة تطبيق هذه الأنظمة بدقة.

والمركز السعودي لزراعة الأعضاء الذي أنشئ عام ١٤٠٥هـ بالأمر السامي الكريم كان نتيجة لفتوى هيئة كبار العلماء رقم ٩١ عام ١٤٠٢هـ بجواز نقل الأعضاء من الأحياء والأموات، والمركز موجود كمركز مراقبة يبلغ إليه كل الحالات التي يشتبه فيها بأنها حالات وفاة دماغية فيقوم بمتابعة كل حالة منها منذ وقت التبليغ حتى وقت توقف القلب، ويشرف على تطبيق هذه الأنظمة حرفيًا، ويتأكد من أن التشخيص قد تم كما يجب ويتأكد من أهلية الأطباء المشخصين.

والمركز يحقق في أي حالة لزراعة أعضاء داخل المملكة، فإذا تبين أنه لا علاقة قرابة بين المتبرع والمتبرع له من الأحياء، في حالة الكلى لاحق المستشفى التي أجرت العملية، وعاقب الطبيب الذي يقوم بها.

ولله الحمد، لم تحدث مخالفة واحدة لزرع عضو من غير قريب أو كان فيها تجارة في الأعضاء داخل المملكة حتى الآن، والمركز يراقب ذلك كل الوقت، فهذه مهمته الأساسية، ويشرف عليه لجان من الأطباء الثقات يمثلون القطاعات الصحية كافة في المملكة ومراكز زراعة الأعضاء تحت إشراف وزارة الصحة.

وإذا حدثت مخالفة في المستقبل، وسولت لأحد نفسه أن يخالف النظام المعمول به في تشخيص الوفاة الدماغية فلا يعني ذلك أننا نوقف العمل في هذا النظام لأن أحدهم تهاون في الالتزام به برغم أنه لن يفلت من العقاب الصارم إن شاء الله.

لقد كان لهذا الفتح من الله في وجود تشخيص للوفاة الدماغية مخرجًا للمرضى الذين يحتاجون إلى زراعة أعضاء، ويدل سفرهم إلى بلاد غير المسلمين يمكن أن يتبرع بأعضائها منهم بعد الوفاة، فهذا أكثر أمناً من الفتنة من عدم الإقرار بأن الوفاة خاصة بعد أن علمنا لهم إخوانهم أنه لا حرج أبداً من الناحية الطبية في اعتبار الوفاة الدماغية وفاة كاملة.

فيصل عبد الرحيم شاهين

مدير عام المركز السعودي لزراعة الأعضاء بالمملكة العربية السعودية

الرابط المختصر :