; الحوار الفلسطيني في القاهرة «طبخة بحص» | مجلة المجتمع

العنوان الحوار الفلسطيني في القاهرة «طبخة بحص»

الكاتب رأفت مرة

تاريخ النشر السبت 11-أكتوبر-2008

مشاهدات 62

نشر في العدد 1822

نشر في الصفحة 28

السبت 11-أكتوبر-2008

 تأخر وصول وفد حماس إلى القاهرة إلى السابع من أكتوبر الحالي يعكس التباعد الحاصل بين القاهرة و«حماس»

 من الواضح أن جوهر تحرك القيادة المصرية يهدف إلى إضعاف نفوذ حركة «حماس» وتعزيز وضع محمود عباس

ورقة مصرية من أربعة محاور منحازة لمحمود عباس:

منذ أواسط شهر أغسطس الماضي، تجرى في القاهرة حوارات متواصلة بين وفود من مختلف القوى الفلسطينية وفريق يمثل القيادة المصرية، بهدف التوصل إلى ورقة عمل، تصلح لأن تكون أرضية لاتفاق فلسطيني، تحاول القيادة المصرية أن يبصر النور قبل نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، وذلك في محاولة من السلطات المصرية للمساعدة في إنجاز تفاهم فلسطيني حول مختلف الجوانب، وبات من المعلوم أن السلطات المصرية تقود الحوارات هذه المرة بطريقة مختلفة. فالقاهرة استضافت الوفود الفلسطينية فرادى وناقشت معها مجموعة مختلفة من الأفكار ووسعت دائرة البحث والنقاش، وذلك إدراكًا منها للمصاعب التي تواجه الفلسطينيين، وللعناوين والقضايا التي تم الاتفاق عليها.

واستضافت القاهرة إلى اليوم وفود «فتح»، و«الجبهتين الشعبية والديمقراطية»، و«الجهاد الإسلامي» وباقي الفصائل الأخرى، وحتى الأجنحة العسكرية. وكانت الحوارات تجرى مع كل وفد على حدة، وتحاول القاهرة أن تحصل من كل وفد على رؤيته للحل.

 تباعد بين القاهرة و «حماس»

 وتأخر وصول وفد «حماس» إلى القاهرة إلى السابع من أكتوبر الحالي وهذا يعكس التباعد الحاصل بين القاهرة و «حماس».

ودعيت حركة «حماس» إلى اللقاءات قبل هذا التاريخ، إلا أن قيادة الحركة طلبت إرجاء الموعد، وذلك على خلفية التباين في المواقف ما بين «حماس» والقاهرة، إثر اعتراض «حماس» على قيام القاهرة بنقل رسائل تهديد «إسرائيلية« باغتيال قيادة «حماس» إذا تأخرت الحركة في التجاوب مع العرض «الإسرائيلي» لإطلاق سراح الجندي الصهيوني الأسير جلعاد شاليط، وإثر اتساع دائرة الخلاف حول فتح معبر رفح وإثر قيام الشرطة الفلسطينية بمداهمة مربع عائلة «حلس» الذي لجأ إليه أو متهمون بتفجير شاطئ غزة.

 مناخات الحوار

 تتركز الحوارات الفلسطينية في القاهرة على تشكيل رؤية مصرية لحل الأزمة الفلسطينية الداخلية تكون بمثابة وثيقة تفاهم توقع عليها الأطراف المختلفة في القاهرة.

وتجتهد السلطات المصرية في وضع هذه الصيغة مستفيدة من عوامل ضاغطة هي: 

1- اقتراب فترة نهاية ولاية رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في لو 9/1/2009م

2- الأزمة السياسية داخل الحكومة الإسرائيلية بعد استقالة أولمرت وانتخاب ليفني.

 3- التغير المرتقب في الإدارة الأمريكية لله مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.

4- الاستفادة من أجواء عربية حالية وموازين قوى عربية قائمة لمناقشة أو لدعم التصور المصري.

5- استثمار ما يعتقد المصريون أنه أزمة تمر بها حركة «حماس» نتيجة الحصار لتمرير المشروع.

 ملامح الورقة المصرية

حتى الآن لم تتضح الصورة النهائية لورقة العمل المصرية، لكن التصريحات الصادرة عن مسؤولين مصريين، والمعلومات التي نقلتها الوفود الفلسطينية المشاركة في الحوار، أظهرت أن السلطات المصرية تسعى للاتفاق على أربعة عناوين:

1- تشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية من خارج أطر الفصائل لتسيير الأعمال، تكون قادرة على رفع الحصار أكثر من حكومة مؤلفة من ممثلين عن القوى والفصائل ولديها مهمتان: التهيئة للانتخابات التشريعية والرئاسية المتوافق عليها من جهة، ومعالجة الاتفاق على ميثاق قومي فلسطيني الملف الأمني من جهة ثانية.

2- الاتفاق علي ميثاق قومي فلسطيني جديد يتضمن رؤية سياسية فلسطينية برنامجية تسير باتجاه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967م، وحل قضية اللاجئين، وإنهاء الانقسام والتشرذم الداخلي، وهي فكرة جديدة لم تطرح سابقًا، من حيث سعيها لوضع ميثاق جديد تشارك «حماس» وبقية الفصائل في صياغته.

3- التأكيد على أن الرئيس محمود عباس ومنظمة التحرير الفلسطينية مفوضان بإجراء المفاوضات التي يجب أن تستند إلى الميثاق القومي الذي يفترض التوافق عليه، رغم أنه ليس متوقعًا أو منتظرًا أن تصل المفاوضات الجارية بين حكومة «أولمرت» وطاقم أحمد قريع إلى نتائج، لكن هنية وعمر سليمان المصلحة الفلسطينية «من وجهة نظر مصر» تتطلب عدم توقفها، بل العمل على توريثها للإدارة الأمريكية المقبلة.

4- السعي لبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أساس مهني، وأن يتم توفير قدرات عربية .

 ويتحدث الأشقاء المصريون -في هذا الصدد- عن ضرورة تواجد قوات عربية ودعم مالي من أجل الإشراف على الوضع الأمني وعلى عملية بناء الأجهزة، سواء كانت على شكل قوات تدخل أم استعانة بخبرات أمنية عربية، أم أموال ودعم مادي «بعض الفصائل قدمت بديلًا لفكرة إرسال قوات عربية بالحديث عن هيئة وطنية فلسطينية تشرف على الأمن وإعادة بناء الأجهزة، بما لا يمنع الاستفادة من خبرات عربية في هذا المجال».

ملاحظات على التصور المصري

 صحيح أن هذا التصور الذي طرح هو تصوّر أولي، وصحيح أن هناك أفكارًا وعناوين أخرى عرضت تحت الطاولة أو عبر وسائل الإعلام أو عبر موفدين إلى هنا وهناك، لكن من ضمن كل هذا التحرك نسجل الملاحظات التالية:

أولًا: من الواضح أن جوهر تحرّك القيادة المصرية يهدف من ضمن ما يهدف- غير مساعدة الإخوة الفلسطينيين- إلى إضعاف نفوذ حركة «حماس» في فلسطين وغزة وتعزيز وضع محمود عباس. فتحليل المبادرات المصرية كافة يظهر أنها تهدف إلى تحجيم نفوذ «حماس»، وتقليل سيطرتها على الحكومة والسلطة والأجهزة الأمنية في غزة، وإعادة «أبو مازن» وسلطته من النافذة بعدما غير أخرجوا من الباب.

 فالتصرف السياسي المصري لا من محاولة الضغط على جامعة الدول العربية لمعاقبة من يرفض الاتفاق إلى عرض مشروع إرسال قوات عربية إلى «غزة» يُظهر أن السلطات المصرية ليست وسيطًا محايدًا في الحوار؛ بل تسعى لتقوية »أبو مازن» في المعادلة الداخلية.

 وتضمين المسودة المقترحة فقرة لتشكيل حكومة تكنوقراط يعني إبعاد «حماس» عن الحكم، وكذلك حال إعادة بناء قوى الأمن.

ثانيًا: إن محاولة السلطات المصرية إعلان ميثاق قومي فلسطيني يهدف إلى إحراج «حماس». فالسلطات المصرية أساسًا هي مع الاعتراف بـ«إسرائيل» ومع المفاوضات هنية ومحاولتها التوصل إلى صيغة سياسية في إنه الوقت الراهن تدعو للاعتراف بـ «إسرائيل» وبالاتفاقيات الموقعة معها، تهدف إلى إبعاد «حماس» أو عزلها أو إحراجها، وبالتالي كيف يمكن إقناع «حماس» بجدوى الحوار أو بجدوى الرؤية السياسية، وخاصة أن هناك تناقضًا في مواقف «حماس» ومصر حول الشرعيات الفلسطينية والبرنامج الوطني الذي أقرّ في يونيو 2006م.

 ثالثًا: إن السلطات المصرية، ومن خلال الحوار، تسعى جاهدة لوضع «حماس» أمام الجدران التالية: موقف مصري وفلسطيني وعربي ودولي مؤيد للمشروع، وبالتالي الضغط على حركة «حماس» بهدف إقناعها أو إجبارها على القبول بالوثيقة.

وإذا كانت السلطات المصرية تريد من «حماس» أن تتنازل عن المعابر، وأن تترك الحكومة، وأن تقبل بصيغة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في وقت واحد، فعلى ماذا ستحصل «حماس» في المقابل؟! ولماذا تقبل «حماس» اليوم بكل ما رفضته في السابق؟!

 أجواء احتقان

 الأجواء السياسية والإعلامية بين السلطات المصرية والمجتمع الفلسطيني هي أجواء محتقنة، ولا تساعد على توفير عناصر النجاح لهذا الحوار الجاري في القاهرة.

فالسلطات المصرية لا تزال تغلق معبر «رفح» البري، وحين فتحته ليومين في منتصف شهر رمضان المبارك أوجد مناخات سلبية؛ بسبب سلوك المشرفين على المعبر .

والسلطات المصرية تشن حملة واسعة لإغلاق الأنفاق التي تستخدم للتخفيف عن المحاصرين في غزة، وفي سابقة للقوات المصرية أعلن الضابط المصري "ياسر علي"« أمام وسائل الإعلام أن قواته تمكنت من إغلاق 452 نفقا منذ ثلاثة أعوام. وقال: إن قواته تستعين بخبرات أمريكية.

 وأعلنت مصادر فلسطينية أن عدد القتلى داخل الأنفاق خلال الأشهر الثلاثة الماضية بلغ 42 مواطنًا فلسطينيًا قتلوا داخل الأنفاق بطرق مختلفة، من بينها حقن الأنفاق بغازات سامة أمريكية الصنع.

 هذا الجو هو الذي دفع رئيس الوزراء الفلسطيني في الحكومة المقالة «إسماعيل هنية»، المعروف بهدوئه واتزانه، إلى القول: إنه «لا حوار يمكن أن ينجح تحت سيف الشروط أو التهديد أو المحاكمات»، أضاف: أن «المعوقات التي تنتظر الحوار كبيرة وغير مباشرة».

وهذا يشير إلى أن ما يجري في القاهرة ليس إلا «طبخة بحص» لن تنضج أبدًا ما دامت الجهة التي ترعى الحوارات منحازة ولا تنتهج معايير محددة، ولا تتعامل مع حقائق الخلاف وجوهر المشكلة ..

الرابط المختصر :