; الجيش الإسلامي في البوسنة والهرسك الحلقة الثانية | مجلة المجتمع

العنوان الجيش الإسلامي في البوسنة والهرسك الحلقة الثانية

الكاتب ا. محمد سالم الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

مشاهدات 66

نشر في العدد 1018

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 29-سبتمبر-1992

 

صمود الجيش البوسنوي واستراتيجيته الجديدة في الحرب

البوسنة والهرسك: نصر في جبال كومار

عندما كنا نسير في أحد طرقات مدينة ترافنيك بعد صلاة العشاء بالقرب من قيادة الجيش البوسنوي، كانت التكبيرات «الله أكبر ولله الحمد» تصدح في شوارع المدينة. كان ذلك ليلة الإثنين 7/9/92؛ حيث ترى الجنود المسلحين البوسنويين يحيطون جِباههم بالعصابات الخضراء الموسومة بكلمة لا إله إلا الله، إنهم فرحون بنصرهم في معركة صباح يوم الأحد والتي تم فيها تحرير جبال كومار شمال غرب مدينة ترافنيك. وقامت ثُلَّة منهم بالالتفاف حولنا وتَقَبُّلنا وتهنئتنا على هذا النصر، حيث استُشهد اثنان من المقاتلين العرب في هذه المعركة.

 

"نحن الآن انتقلنا لمرحلة الهجوم، هذه استراتيجية حددها لنا القائد كمال يبرانوفيتش مساعد قائد الجيش البوسني والهرسك في مدينة ترافنيك".

 

نشأة الجيش البوسنوي وطبيعته

الجيش البوسنوي: جيش جديد تم تشكيله بعد أن بدأت المعارك للدفاع عن المناطق المحررة في البوسنة والهرسك. حيث إن الجيش اليوغسلافي السابق كان يتشكل من 80% صرب والبقية كروات ومسلمون، وغالبًا ما كان المسلمون في الأعمال الإدارية، والمسلمون لا يُسمح لهم بدخول الجيش اليوغسلافي إلا إذا كانوا شيوعيين، وعادة ما تُوضع للجندي المسلم قطعة ناقصة في سلاحه حتى لا يستطيع استخدامه في أي وقت. وهكذا أصبح المسلمون أُمِّيِّينَ في استخدام السلاح إلى عهد قريب.

 

وعندما بدأ يتشكيل الجيش البوسنوي بعد الأحداث في الشهر الرابع من هذا العام، لم ينتسب إليه من الكروات إلا 2% من مجموع الجيش الحالي، أما الباقي 98% فهم مسلمون. ويتابع القائد كمال قوله إننا ندافع على جبهات كثيرة، والكروات لا يدافعون إلا في مدنهم ولا يذهبون للجبهات. وهنا في ترافنيك، نحن نغطي 67 كيلومترًا من الجبهة في الخطوط الأولى، والكروات يغطون 7 كم منها فقط.

 

والجيش البوسنوي اليوم يتشكل من فصائل متعددة بينها اتصال وتنسيق مع القيادة العامة داخل سراييفو، وتُشكِّل جزءًا من القيادة العامة في الجيش اليوغسلافي مع آلاف من المتطوعين من الشباب البوسنوي.

 

كتائب الجيش الإسلامي وشروط الانتساب

ففي بداية الشهر الرابع، تأسس في مدينة ترافنيك جيش القوات الإسلامية، وهم مجاميع الشباب البوسنوي المسلم، وهم خريجو الجامعات الإسلامية في سراييفو وبعض الجامعات الإسلامية في البلدان العربية والإسلامية، وسُجِّلَت في القانون العسكري البوسنوي كفرقة منتسبة للجيش البوسنوي، ولهذا الجيش شروطه الخاصة لمنتسبيه كما أن لديه أكثر من 20 وحدة موزعة في البوسنة والهرسك، وتُعرف كتائب هذا الجيش بالقبعات الخُضر في مدينة سراييفو العاصمة، وكتائب المجاهدين في مدن أخرى، وهو يُعرف في عموم البوسنة بالجيش الإسلامي.

 

هناك عشرات من الجبهات الأمامية المواجهة للقوات الصربية يغطيها الجيش البوسنوي، وتتركز إستراتيجية الجيش البوسنوي الجديدة، كما أكدها أحمد بن بكر قائد جيش المسلمين في ترافنيك «كتائب لها شروطها الخاصة»، على تنظيف المناطق المحورية من الصرب وقطع طرق الإمدادات وقطع أوصال الاتصالات ومحاور حركة الميليشيات الصربية، ولهذا فإن الصرب لا يشنون هجمات مباشرة وإنما عن طريق القصف المدفعي وبالطائرات، وكل يوم يخسرون مناطق لصالح المسلمين.

 

يقول القائد كمال يبرانوفيتش: "نحن قريبون من سراييفو حيث قمنا بتنظيف أقوى مقاومة صربية حول مدينة فيسكو والتي تبعد 28 كم عن العاصمة، أما منطقة الياش والمجاجيج فإنها في مرحلة التنظيف (تبعدان 10 كم عن سراييفو وقد فتحنا جبهة كاملة حول سراييفو طولها 30 كيلومتر).

 

جيش واحد:

"نحن فصائل تحت قيادة الجيش البوسنوي"، قالها أحمد بن بكر أحد قادة جيش المسلمين الذي يشكل 20 وحدة منتشرة في البوسنة والهرسك. بالرغم من تميز هذه الوحدات بشروط محددة، إلا أن القائد يؤكد على وحدة الجيش البوسنوي. وهذه الوحدات تشترط للانتساب لها ما يلي:

 

1 - الالتزام بالأخلاق الإسلامية.

2 - القتال في سبيل الله.

3 - السمع والطاعة للقيادة البوسنوية.

4 - حضور دروس التوعية الدينية أثناء فترة التدريب.

5 - الالتزام بدورة التدريب العسكري.

6 - الاهتمام بالنظافة الشخصية.

7 - القتال في أي جزء من أجزاء البوسنة والهرسك.

8 - اجتناب كل المحرمات.

9 - وحدة الكلمة وعدم التنازع والرجوع إلى القيادة.

10 - عدم التَّوَلِّي يوم الزحف.

 

تحول من الدفاع إلى الهجوم وتطهير المدن

العمليات متواصلة: العمليات العسكرية الهجومية أصبحت استراتيجية بدلًا من عمليات الدفاع التي بدأها أهالي كل منطقة على حدة عندما بدأ الصراع مع الميليشيات الصربية.

 

لقد سقطت مدينة غورجوا بيد المسلمين قبل يوم واحد من كتابة هذا التقرير (20/9/92) حيث كانت المدينة محتلة من الصرب، ثم قام الجيش البوسنوي بعمليات تسمى عمليات التنظيف، وحينما كنا في مقابلة مع مساعد قائد الجيش يوم 2/9/92 أخبرنا بأنهم قد نظفوا ثلثي المدينة وها هي تسقط بيد المسلمين.

 

يقول القائد زهدي «ماجستير في العقيدة» وهو عضو اللجنة الاستشارية العسكرية: "بأننا قد استطعنا أن ننقل خطوطنا الأولى من وضع الدفاع إلى وضع الهجوم، ونحن اليوم نحتل عشرات من المرتفعات التي تحيط بالمدن البوسنوية بعد أن كانت محتلة من الميليشيات الصربية. لقد بدأنا بعمليات صغيرة (10-15 فردًا) تخترق صفوف العدو بعد دراسة مواقعها ونحتلها. لقد قمنا بعشرات العمليات، هذه الإستراتيجية وهي تقطيع العدو إلى أوصال صغيرة لالتِهامه هي التي نتبعها حاليًا".

 

لقد تم تحرير قرى ومدن محتلة بهذه الطريقة. إضافة إلى أن الخسائر تكون قليلة، فنحن مع كثرة عملياتنا الصغيرة لم نخسر على جبهة كراولا وكرادنا وهينجي سوى ثلاثة جرحى وفقد جندي مسلم واحد.

 

دور المقاتلين العرب والمسلمين الأجانب

المقاتلون المسلمون والعرب: الجيش البوسنوي اليوم يدعمه مئات من المقاتلين العرب والمسلمين، وبهذا تصبح هذه الوحدات جزءًا من الجيش البوسنوي، وهي وحدات إسناد كما ذكر لنا أحد القادة العرب «أبو عبد العزيز»، حيث يقوم المجاهدون المسلمون «وهم ليسوا عربًا فقط فقد شاهدنا هناك مجموعة من المقاتلين الأتراك والألمان والألبان وهم مسلمون» يقوم هؤلاء بمهمات إسناد قتالية «استطلاع، دعم...» وهم يأتمرون تحت قيادة الجيش البوسنوي.

 

عندما حضر صحفي فرنسي «وهو يحمل كتابًا من الرئاسة البوسنوية بحيث يستطيع مقابلة ومحادثة أي مسؤول في البوسنة» وسأل القائد كمال «مساعد القائد في جبهة ترافنيك»: "ألا تخافون من ترك المقاتلين العرب ونفوذهم؟ وما هي مهمتهم؟"

 

أجاب القائد: "إن هؤلاء هم إخوتنا في الدول العربية وأتوا لمساعدتنا، وهم يحاربون تحت قيادتنا دون أي مشاكل، وبعضهم طلاب درسوا هنا ونعرفهم جيدًا".

 

وأضاف القائد: "لماذا لم تنزعجوا من المقاتلين الصرب وهم أصحاب ذقون طويلة (الميليشيات الصربية يطلقون لحاهم) يجب على أوروبا أن تنتبه للصربيين ذوي الذقون الطويلة". فلم يرد الصحفي الفرنسي بأي إجابة.

 

يتابع القائد كمال ويقول: "نحن نشعر بالمودة لمناصرة إخواننا لنا، كما أنهم لديهم المعلومات ولديهم نفس ديننا وعاداتنا وتقاليدنا، فنحن نحتضن هؤلاء المسلمين لفائدتهم لنا ونشكر كثيرًا مساعداتهم خصوصًا إخواننا العرب المسلمين".

 

التحديات: الشتاء القاسي ونقص السلاح

الجيش البوسنوي أمام شتاء طويل وقاس: بالذات في سراييفو، حيث إن المدينة محاصرة ولا توجد مصادر تدفئة نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، كما أن 70% من المدينة قد دُمرت نتيجة القصف الوحشي للصرب، كما أنه لا يوجد فحم ولا خشب، حيث بدأ البوسنويون في سراييفو بقطع أشجار الحدائق. وقد أكد أحد المسؤولين في الحكومة «الوزير حاكيا» أن هناك صعوبات وخاصة ما يتعلق ببرامج الشتاء والاتصالات كانقطاع الاتصالات والتلفونات وتحطيم أعمدة الكهرباء. وإذا كانت هذه الصعوبات تواجه المدنيين، فإن الجيش البوسنوي يواجه صعوبات أشد، حيث غالب الجيش البوسنوي في الخطوط الأولى على الجبهات وهي مناطق غالبيتها جبلية وتصل درجة الحرارة على أحسن تقدير في الشتاء نحو عشرين درجة مئوية تحت الصفر. "فنحن لا نملك أحذية ولا معاطف تدفئة، هل يمكننا الخروج من الفنادق للمواجهة في الشتاء؟ إنه تحدٍ لنا، لكننا سننتصر إن شاء الله". هكذا قالها قائد جبهة يايستا.

 

"لكن المشكلة الأساسية هي نقص السلاح والذخيرة والكروات يسرقون ما يُرْسَل إليهم غالبًا"، هذا ما قاله «أمير رابجيتش» القائد العسكري لجبهة ترافنيك.

 

"والوضع بدون المساعدات يزداد سوءًا، وهم بطبيعة الحال لا تنقصهم الأعداد فالشباب كثير ولكن دون أسلحة".

 

يقول القائد كمال يبرانوفيتش: "أريد بندقية واحدة أفضل من... طنَّ طحين". وهم يؤكدون أنهم قادرون على توفير السلاح لكنهم لا يملكون الدعم من الدول العربية والإسلامية والأوروبية.

 

المعنويات العالية ونداء للمسلمين

معنويات عالية: بالرغم من الحصار الاقتصادي والعسكري والشتاء القاسي المقبل فإن الجيش البوسنوي يتمتع بمعنويات عالية.

 

فالقائد كريم مدير الشرطة العسكرية في سراييفو يؤكد بأن المعنويات عالية بالرغم من الحصار والقصف.

 

أما الوزير «حاكيا» من مسؤولي سراييفو يقول إن النصر سيكون للشعب البوسنوي ولا يوجد في المنظور وقت محدد للتحرير.

 

أما القائد حسين «نائب قائد جبهة بروساش» يقول: "عندما نُزَوَّد بالسلاح فإن بلغراد ستكون ضيقة على الصرب".

 

أما القائد زهدي فإنه يقول: "لا نستطيع أن نجندهم لكثرتهم، الشباب هنا مُقْبِل على الجهاد لكننا لا نملك أسلحة كافية".

 

جميع المسلمين في البوسنة والهرسك متفقون على تحرير بلدهم والقتال، والجيش البوسنوي يمثل أملًا جديدًا لهم بعد الله.

 

يقول القائد كمال: "نحن نقول لشعوب المسلمين نحن على الطريق الصحيح ونريد أن يناصرونا. نحن على استعداد أن نرد الدرهم أو القرش بمئة إذا تحررت بلادنا، فإن بلدنا ستصبح بلدهم مفتوحة لكل مسلم وعربي. البوسنة بلد غنية بها غابات ومناجم وحديد، وخمسون سنة تمت فيها سرقة بلادنا من الصرب، إنهم بنوا صربيا من مناجمنا وغاباتنا وصناعتنا. أمدونا بالسلاح وسنستطيع تحرير بلادنا في وقت لا يتصوره الجميع بإذن الله".

 

 


 


الرابط المختصر :