العنوان السودان بعد عام من تطبيق الشريعة الإسلامية
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 81
نشر في العدد684
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
ويمر عام كامل على تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان، ترى ما هي ثمار التجربة؟ وماذا كان عليها من ملاحظات؟ هذا ما نحاول استكشافه في مقالين متتابعين، ننشر أولهما في هذا العدد، مبرزين ثمار التجربة، على أن ننشر ملاحظاتنا على التطبيق في العدد القادم إن شاء الله.
مر عام كامل على إعلان النهج الإسلامي في السودان، وهي أكبر وأوسع دولة إسلامية في أفريقيا، ويحتفل القطر الشقيق هذه الأيام بهذه المناسبة.
إن التجربة مضى عليها عام كامل، ولو أراد منصف تقييم التجربة وإبراز ما لها وما عليها فلا بد له أن يتذكر أن السودان عاد إلى الإسلام بعد طول اغتراب، وبعد أن سار في صحراء التيه عشرات السنين، يجرب كل الوصفات العلاجية لمشاكله، ولكن تلك الوصفات التي جاءت من الغرب تارة، ومن الشرق تارة أخرى- ما زادت الجسم المنهوك إلا هزالًا؛ لذلك لا يتوقع المرء أن تخلو التجربة من سلبيات، مردها أن الجسم -أي جسم- لا يستجيب للعلاج الفوري إذا كانت مدة مرضه تقدر بعشرات السنين.
ونحن هنا سنحاول تسليط الضوء على بعض إيجابيات الإدارة والتطبيق، وعلى سلبياتها أيضًا، آملين أن يقوم القائمون بالأمر على تلافيها وتجاوزها؛ حتى تكون التجربة من أولها إلى آخرها ناصعة البياض.
الإيجابيات:
• في مجال الحياة الاجتماعية:
منع المسكرات:
لعل الذي يثير انتباه كثير من المراقبين هو إقدام النظر على تطبيق الشريعة بدءًا بما يظنونه بأنه الأصعب ألا هو الحدود، فقد كان أول عمل قام به المسئولون تطهير البلاد من رجس الخمر والميسر، بإغلاق البارات والحانات التي كان يديرها غير المسلمين.
والذي أكسب التوجه الإسلامي جدية هو التطبيق الفوري لحد الخمر علنًا مما عاد بمردود كبير على كثير من الأفراد والأسر من الناحية الروحية والمادية؛ حيث تخلى الكثيرون طواعية واختيارًا تعاطي المسكرات، واستفادوا بثمنها في مجال الغذاء الطيب الحلال.
أما جرائم السكر فتقول دفاتر الشرطة إنها قلت بنسبة كبيرة جدًا، وما عادت تشكل هاجسًا لرجال الأمن، كما أن حوادث السيارات انخفضت بشكل ملحوظ، وأصبحت شوارع العاصمة آمنة ليلًا لا إزعاج فيها مثل ذلك الإزعاج الذي كان يسببه السكارى.
إغلاق بيوت الدعارة:
صاحب إعلان القرارات الإسلامية إغلاق كل البيوت المشبوهة والمزارع التي كانت وكرًا للفساد والدنس، وبدأ القضاء يطبق القوانين الحدية ضد المنتهكين لحدود الله فورًا؛ مما أشعر المرء بأن المجتمع قد تطهر من الموبقات، وأصبح الناس آمنين على أعراضهم وحرماتهم، ولا سيما مدارس البنات التي كان المراهقون ومرضى القلوب يحيطون بها من كل جانب سفاهة واتباع هوى، يلاحقون الحرائر بالنظرات الجائعة، ويسمعونهن الكلمات الجارحة، فأصبحت الطالبة الآن تسير إلى مدرستها آمنة مطمئنة، محجبة محتشمة، ولا يجرؤ أحد أن يتلفظ بألفاظ نابية، أو يقذف أحدًا بالباطل؛ لأن حد القذف سيطبق عليه.
جرائم السرقة انخفضت:
كان من الأشياء المألوفة في العاصمة أن ترى الأسلاك الشائكة فوق أسوار المنازل لمنع اللصوص من اقتحامها ليلًا أو نهارًا، لا سيما والعاصمة كانت تعج باللاجئين القادمين من البلدان المجاورة، كما أنها تعرضت لهجرة كثيرة من أبناء الأقاليم إليها، ولكن بعد تطبيق القوانين الإسلامية بحزم وحسم؛ قلت جرائم السرقة كثيرًا، وانخفضت معدلاتها، وأصبح الناس آمنين على أموالهم وممتلكاتهم، وكذلك على دمائهم؛ إذ أن اللصوص كانوا يستعملون العنف في السرقة، كما خلت الأسواق العامة والمركبات من النشالين.
ونستطيع أن نقول بأن جرائم الاختلاس وخيانة الأمانة وما شابهها قد انعدمت تقريبًا، وأصبحت أموال الدولة وأموال القطاع الخاص في مأمن من أيدي اللصوص غير المرئيين، كما أن جرائم التزوير والرشوة تدنت إلى حد بات لا يقلق أحدًا.
وفي الأسواق انضبط سلوك كثير من التجار، واختفى المحتكرون، وتوفرت السلع الضرورية بأسعارها الرسمية في عمومها، وثبتت أسعار بعض المواد التموينية الأساسية.
في المجال الاقتصادي:
في بداية عهد التوجه الجاد نحو الإسلام أشاع الإعلام الغربي الماكر بأن التوجه قاصر على العقوبات، ولن يطال أوجه الحياة الأخرى، وصار ذلك الإعلام يركز هجومه المغرض على قوانين الحدود الإسلامية مع استثارة المنظمات المشبوهة، وقلدهم الناعقون بما لا يفهمون في بلاد العرب دون أن يتبينوا أو يتثبتوا.
إن التطبيق لم يقتصر على العقوبات، وإنما تجاوزها إلى النشاطات الحياتية الأخرى، ومن أهمها الحياة الاقتصادية؛ حيث أعلن الحرب على الربا في السودان، وأنشئت البنوك الإسلامية، وتحولت بنوك الدولة إلى بنوك إسلامية أيضًا، وتكونت شركات إسلامية تتعامل بصدق وإخلاص وفق مبادئ وتعاليم الإسلام، وتكونت جمعيات خيرية وتعاونية كثيرة على أسس إسلامية.
كما أنشئ ديوان الزكاة لجمع الزكوات والصدقات ممن تجب عليهم فريضة الزكاة لتوزيعها على مستحقيها، ونرجو أن نتمكن من تلخيص قانون الزكاة في أعداد قادمة إن شاء الله.
ولأول مرة في تاريخ السودان تقدم ميزانية هذا العام خالية من الربا والمحرمات، وتعتبر بحق ميزانية طاهرة من كل رجس ونجس؛ فهي خالية من الربا، وخالية من جمارك الخمور والمواد المحرمة شرعًا، ولذلك جاءت واقعية، وأجيزت بالإجماع للعمل بها من أول العام الهجري الجديد؛ حيث تبدلت السنة المالية لتبتدئ في أول كل عام هجري.
• الثورة القضائية:
كانت المحاكم السودانية تحكم بالقوانين الأنجلوسكسونية، ولا تجد قاضيًا يحاول ولو مجرد محاولة للرجوع لأحكام الشرع ولو عملًا بنص دستوري يخول له ذلك الحق.
ولكن وبعد إعلان القرارات الإسلامية تم تبديل جميع القوانين الوضعية الكافرة بقانون السماء، وعممت القوانين الجنائية الإسلامية على جميع المحاكم؛ إذ كانت أصلًا جاهزة في ديوان النائب العام.
وبعد إنقاذ القانون الجنائي الإسلامي عمل القائمون بالأمر على تغيير القانون المدني ليصير إسلاميًا، وكان هذا إنجازًا كبيرًا، أعطى بعدًا إيجابيًا للتوجه الإسلامي.
القوانين الوضعية المستوردة كانت تساعد على تسويف القضايا، ولا تحقق عدلًا أو تنصف مظلومًا، أما بعد تطبيق القوانين الإسلامية وإنشاء المحاكم الفورية -محاكم العدالة الناجزة- والتي يرأسها علماء حكماء فقهاء ممن جمعوا بين علوم الدنيا والدين ولهم دراية وإلمام تام بالفقه الإسلامي- فإن كل ذي حق ينال حقه في أقصر وقت ممكن؛ حيث تجاوزت هذه المحاكم إجراءات التأجيل والتعطيل، وتصدر أحكامها فورًا عقوبة أو تبرئة، وتنقل أجهزة الإعلام المختلفة الأحكام يوميًا.
وتبديل قوانين الكفار بقوانين الإسلام أثرى إثراءً عظيمًا ثقافة العامة والخاصة بالفقه الإسلامي، الذي كاد كثير من أحكامه أن يندثر بمرور الزمن؛ حيث طال عهد التيه والاغتراب، وأصبح الإقبال على كتب الفقه وكتب القوانين الإسلامية ملحوظًا، وعمت موجة المحاضرات التي تتحدث عن الإسلام وقوانينه ومقاصده في الحياة والمجتمع.
ولازمت هذه الإجراءات ظاهرة جديرة بالملاحظة، وهي إحياء التراث اللغوي بعد تغيير لغة القانون من الإنجليزية إلى العربية.
وبإنشاء محاكم العدالة الناجزة انتفت مظاهر الفساد القضائي المتمثل في القاضي والشرطي إلى حد كبير.
• المسلمون الجنوبيون:
ومن إيجابيات تطبيق النهج الإسلامي في السودان أن تبددت الفكرة السائدة من أن جنوب السودان هو قطاع مسيحي لا أثر للمسلمين فيه، فبعد التوجه الإسلامي عرف كل فريق حجمه الحقيقي، وشرع مسلمو الجنوب أنهم أيضًا قوة مؤثرة في المجتمع، وأن عددهم لا يقل عن عدد الذين تنصروا على أيدي رجال التنصير القادمين من أوروبا، كما شعر المسلمون هناك بعزة وكرامة افتقدوها وافتقدناها نحن أيضًا معهم، وإن شاء الله يرجع الجميع إلى ذاتهم وأصلهم بعد أن أضنى الجميع البحث.
• القوات المسلحة وفق الشريعة الإسلامية:
في بداية عهد التوجه الإسلامي وجه رئيس الجمهورية خطابًا للقوات المسلحة، شرح فيه مهامها في ظل النهج الإسلامي، ومما جاء فيه:
«لم تعد القوات المسلحة جماعة تقاتل، بل هم مجاهدون يسبقون الناس في البلاء، ويتقدمونهم للاستشهاد، رهبان بالليل، فرسان بالنهار، لا إله إلا الله شعارهم في السلم، والله أكبر صرختهم في القتال، راياتهم تحمل شعارهم في الحرب وشعارهم في السلم، لا تنكس راياتهم حين تنكس الرايات، ولا تسقط أعلامهم إذا سقطت الأعلام».
ومنذ ذلك الحين بدأت دورات تعليمية إسلامية مركزة للقوات المسلحة ضباطًا وجنودًا في المركز الإسلامي الأفريقي، وشعر الجميع بتجاوب القوات المسلحة مع التوجه واتجاههم هم أنفسهم نحو الإسلام؛ حيث يقومون بتأدية الشعارات الإسلامية التعبدية الآن بحرص وتجويد، وقد أبلى الجيش السوداني بلاءً حسنًا في التصدي للخوارج بجنوب السودان، والمؤمل أن يزداد توجه هذا القطاع الهام نحو الإسلام، ولا سيما بعد صدور قانون القوات المسلحة الذي يعتبر أفرادها من جند الله، الذين يجاهدون ويستشهدون في سبيل الله، ولا يقاتلون حتى يموتوا كما كانوا في العهد السابق.
• المؤسسات الإسلامية:
بعد المصالحة الوطنية قامت مؤسسات إسلامية نشطة على أكتاف الإسلاميين، مثل: منظمة الدعوة الإسلامية، ووكالة الإغاثة الأفريقية الإسلامية، والمركز الإسلامي الأفريقي، وكانت هذه المؤسسات تؤدي دورها المنوط لها دون عوائق تذكر، ولكنها بلا شك وبعد التوجه الإسلامي الجاد استطاعت أن تنشط أكثر، وتتحرك داخل كل أفريقيا تقريبًا؛ لنشر دعوة الإسلام بوسائل عصرية مكافئة لوسائل الإرساليات التنصيرية، وتنبع أهمية هذه المؤسسات لكونها مستقلة عن الحكومات، وهي تتحرك بحرية مطلقة في جميع الاتجاهات والأبعاد.
هذه بعض إيجابيات التجربة الإسلامية في السودان أرض المليون ميل مربع، وفي الحلقة القادمة سنحاول أن نبرز سلبيات التجربة والتحديات التي تواجهها.
فإلى العدد القادم إن شاء الله.