العنوان الوفاء بالعهد من شيم الرجال وخصال المؤمنين
الكاتب د. جمال نصار
تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2022
مشاهدات 116
نشر في عدد 2164
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 01-فبراير-2022
مقال
- من أهم الفرائض التي فرضها الله تعالى لنظام المعيشة والعمران.
- الغدر ينزع الثقة ويثير الفوضى ويمزق الأواصر ويرد الأقوياء ضعفاء واهنين.
- قطب: اتخاذ الأيمان خداعاً يزعزع العقيدة في الضمير ويشوه صورتها في ضمائر الآخرين.
- الوفاء بالعهد خلق إسلامي رفيع، يجب أن يتحلى به المسلم في جميع شؤونه، وفي تعامله مع الله، ومع الناس.
وقد أمر الله عز وجل بالوفاء بالعهد أمراً صريحاً في عدد من آيات القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(الأنعام: 152)، وقوله: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} (الإسراء: 34)، وقوله، عز وجل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (البقرة: 40).
وفضلاً عن الأمر والنهي المتكررين، عرض القرآن الكريم في أكثر من عشرين آية لبيان أحكام الإسلام الخاصة بالعهود، فأشاد بالموفين بعهودهم، وعـدّ الوفاء من البر والحق، وقرنه بالصلاة والزكاة، في قوله تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة: 177)، وقال: إن الموفين بعهدهم هم الذين استجابوا لربهم، ووعدهم الحسنى، ووصفهم بأنهم أولو الألباب، كما وعدهم الثواب والأجر العظيم؛ {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}(الفتح: 10)، والحب من الله عز وجل؛ {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 76)، وبيّن تبارك وتعالى أن نقض العهد من المنكرات التي لا تليق بالمؤمنين الذين يجعلون الله كفيلاً عليهم عند التعاهد؛ {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (النحل: 91)، ولعن الذين ينقضون العهد من بعد ميثاقه؛ {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (الرعد: 25)، واللعنة معناها أن هذا الإثم من الكبائر.
وقد حثت السُّنة النبوية الشريفة على الوفاء بالعهد بشتى صوره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهداً، ولا يشد عقدة أو يحلها حتى يمضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء»(1)، ويقول أيضاً: «من كان له حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة»(2).
كل هذه النصوص تؤكد أن الوفاء بالعهد «من أهم الفرائض التي فرضها الله تعالى لنظام المعيشة والعمران»، وأن نقض العهد يعتبر كبيرة من الكبائر، و«العهد لا بد من الوفاء به، كما أن اليمين لا بد من البر به، ومناط الوفاء والبر أن يتعلق الأمر بالحق والخير وإلا فلا عهد في عصيان، ولا يمين في مأثم»(3).
من صور الوفاء بالعهد والالتزام به:
أولاً: الوفاء بما أخذه الله على عباده من وجوب عبادته، وعدم الإشراك به، وهذا أعلى درجات الوفاء بالعهد(4)، ويسميه البعض الوفاء بالعهد الأعظم، فالله تبارك وتعالى خلق الإنسان بقدرته، ورباه بنعمته، وطلب منه أن يعرف هذه الحقيقة، وأن يعترف بها، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ 60 وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} (يس).
ثانياً: الوفاء بمبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم على أعمال الطاعة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو الناس إلى الإسلام، يبايع الوفود المقبلة عليه بتعاليم يتخيرها من بين التعاليم الكثيرة التي حفل بها الدين على حسب ما يرى من طاقتهم النفسية والعقلية.
يقول عوف بن مالك رضي الله عنه: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟»، فبسطنا أيدينا وقلنا: نبايعك يا رسول الله، قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وتصلوا الصلوات الخمس، وتسمعوا وتطيعوا»، وأسرّ كلمة خفية قال: «لا تسألوا الناس شيئاً»، قال عوف بن مالك: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً أن يناوله إياه(5).
فتعاليم الإسلام كل لا يتجزأ، والعمل بها واجب محكم، في كل زمان ومكان(6).
ثالثاً: الوفاء بالأيمان، يقول الله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ 91 وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (النحل).
فبين الله عز وجل أن الغدر ينزع الثقة، ويثير الفوضى، ويمزق الأواصر، ويرد الأقوياء ضعفاء واهنين، وبعض الناس يحلو لهم استحلال حلّ العقود بعد عقدها، رغبة منهم في عقد آخر، يدرّ عليهم ربحاً أوفر، والدين الإسلامي لا يقر تدليس العهود والمواثيق جرياً وراء المنفعة العاجلة، ولذلك يقول الله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ دَخَـً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 94 وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (النحل).
يقول صاحب «الظلال»: «واتخاذ الأيمان غشاً وخداعاً يزعزع العقيدة في الضمير، ويشوه صورتها في ضمائر الآخرين، فالذي يقسم وهو يعلم أنه خادع في قسمه لا يمكن أن تثبت له عقيدة، ولا أن تثبت له قدم على صراطها، وهو في الوقت ذاته يشوّه صورة العقيدة عند من يقسم لهم ثم ينكث، ويعلمون أن أقسامه كانت للغش والدخل ومن ثم يصدهم عن سبيل الله بهذا المثل السيئ الذي يضربه للمؤمنين بالله، ولقد دخلت في الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم، ومن صدقهم في وعدهم، ومن إخلاصهم في أيمانهم، ومن نظافتهم في معاملاتهم، فكان الكسب أضخم بكثير من الخسارة الوقتية الظاهرية التي نشأت عن تمسكهم بعهودهم»(7).
رابعاً: الوفاء بالحق مع المؤمن بالإسلام والكافر به؛ فالفضيلة لا تتجزأ، فلا يكن المرء خسيساً مع قوم، كريماً مع آخرين، عن عمرو بن الحمق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيُّما رجُلٍ أمَّن رجُلاً على دمِه ثمَّ قتَله فأنا مِن القاتلِ بريءٌ وإنْ كان المقتولُ كافراً»(8).
خامساً: الوفاء بقضاء الدَّيْن، وهو من الشؤون التي اهتم بها الإسلام، ونوه بقيمته، وفي الحديث: «مَن أخَذَ أمْوالَ النّاسِ يُرِيدُ أداءَها أدّى اللَّهُ عنْه، ومَن أخَذَ يُرِيدُ إتْلافَها أتْلَفَهُ اللَّهُ»(9).
وهناك صور أخرى للوفاء، منها: الوفاء بين الزوجين، والوفاء بالنذر، والوفاء بما التزم به الإنسان من بيع أو إجارة، والوفاء بالقسم، والوفاء بأجر الأجير، والوفاء بما تلتزم به الدول في العلاقات الدولية ما دامت لا تضر بالأمة الإسلامية(10).>
الهوامش
(1) مسند أحمد، حديث رقم (19436).
(2) مسند أحمد، حديث رقم (6692).
(3) خلق المسلم، الشيخ الغزالي، ص51.
(4) أصول المنهج الإسلامي، عبدالرحمن بن عبدالكريم العبيد، ص335.
(5) سنن أبي داود، حديث رقم (1642).
(6) الأخلاق الإسلامية ودورها في بناء المجتمع، د. جمال نصار، ص228.
(7) في ظلال القرآن، سيد قطب، 4/ 2192.
(8) صحيح ابن حبان، حديث رقم (5982).
(9) صحيح البخاري، حديث رقم (2387).
(10) الأخلاق الإسلامية ودورها في بناء المجتمع، مرجع سابق، ص231.