العنوان الصومال.. معركة بوش الأخيرة!
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
مشاهدات 60
نشر في العدد 1029
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 15-ديسمبر-1992
- إن القرار الأمريكي- وإن كانت واجهته
إنسانية- إلا أنه يحمل وراءه أهدافًا أخرى حقيقية
فوجئنا باستيقاظ الضمير الأمريكي فجأة،
وتحوله بنسبة 180 درجة تجاه المجاعة القائمة في الصومال؛ حيث قرر الرئيس
الأمريكي جورج بوش- قبل انتهاء فترة رئاسته بعدة أسابيع- إرسال ثلاثين ألف جندي
أمريكي إلى الصومال لتأمين وصول المساعدات الإنسانية إلى سكانه الجوعى، وإنهاء
الحرب الأهلية فيه، وفيما كانت بعض قطع الأسطول الأمريكي تتحرك بالفعل تجاه شواطئ
الصومال لإنزال جنودها، كان بطرس غالي قد دعا مجلس الأمن للانعقاد لإصدار قرار
يكون بمثابة تغطية قانونية للشرطي الأمريكي، والعجيب أن هذا القرار قد جاء بعد
أسابيع قليلة من الصفعة ثم الاستقالة التي تلقاها من محمد سحنون مبعوث الأمم
المتحدة السابق إلى الصومال الذي انتقد الأمم المتحدة على موقفها من المجاعة،
وتسببها في هلاك مئات الصوماليين كل يوم، إلا أن غالي سرعان ما لعق موقفه من سحنون
حينما أعلن بوش عن إرسال قوات أمريكية للصومال، وسارع بإصدار قرار يحمي به قرار
بوش.
والعجيب أن كل شيء قد تم في نيويورك بسرعة
وخلال أسبوع واحد، بعدما أعلن أكثر من مسؤول أمريكي من قبل أن أمريكا لا تنوي
القيام بأي تدخل عسكري في الصومال، وكان أبرز هذه التصريحات ما أعلنه ريتشارد
باوتشر الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية في الثامن من سبتمبر الماضي، حينما
قال: إن أمريكا لا تنوي ولا تخطط لأي تدخل عسكري في الصومال، ولا تنوي القيام بدور
الشرطي في هذا البلد، وكان مسؤولون أمريكيون آخرون قد أكدوا مرارًا بأن أمريكا ليس
لديها مصالح في البوسنة والهرسك أو الصومال تدعوها للمجازفة بقواتها في عملية غير
مضمونة العواقب في هذه أو تلك، لكن تغير الظروف الدولية أو بروز مصلحة أو أهمية
استراتيجية تخدم المصالح الأمريكية، أو النظام العالمي الجديد الذي تتزعمه، يمكن
أن يغير الموقف، ولعل هذا ما حدث بالفعل في الصومال، فالمجاعة تفتك بالصوماليين
منذ أعوام، وقد اجتمعت هي والحرب الأهلية عليهم منذ ما يزيد على عامين، فأصبحت
تحصدهم حصدًا، فَلِمَ انفطر قلب بوش عليهم أسًى الآن، وحرك جيوشه في يوم وليلة
لإطعام الجوعى وإيواء المشردين؟
إن القرار الأمريكي- وإن كانت واجهته
إنسانية إلا أنه يحمل وراءه- دون شك- أهدافًا حقيقية نستطيع أن نرصدها من وراء
تصريحات وتلميحات مسؤولين ومراقبين أمريكيين وغريبين، تدور كلها في إطار مصالح
أمريكا وتوازناتها في المنطقة، لاسيما بعد التطورات العالمية الأخيرة خلال
الأسابيع والأشهر القليلة الماضية، من أهم هذه الأهداف:
أولًا: احتواء المد
الإسلامي في القرن الإفريقي، لاسيما في ظل غياب حكومة قوية في الصومال، وبروز
الاتحاد الإسلامي الصومالي أخيرًا كقوة إسلامية أعلنت عن سعيها لإقامة حكومة
إسلامية في الصومال، ومخاوف أمريكا من وجود علاقات لهؤلاء بالحكومة السودانية، مما
يمهد لبروز قوة إسلامية في المنطقة قد تهدد النظام الأمريكي العالمي الجديد
ومصالحه، ولعل تصريح وزير الدفاع الأمريكي ديك تشيني أخيرًا بأن السودان تشبه
الصومال يعطي إشارة لأي احتمالات واردة في المستقبل.
ثانيًا: الاستفادة من
الموقع الاستراتيجي الهام للصومال بقربها من منابع النفط، وسيطرتها على مضيق البحر
الأحمر الجنوبي «باب المندب»، مما يمهد لقاعدة أمريكية قريبة من وسط وجنوب آسيا،
وذلك بعد إغلاق القاعدة الأمريكية في الفلبين منذ أيام، بعدما استمر الوجود
الأمريكي بها قرنًا كاملًا، مما يساعد القوات الأمريكية على الانتشار السريع
لمواجهة أي حدث في المنطقة دون مشاكل.
ثالثًا: الصراع مع أوروبا
على بعض مناطق النفوذ بعدما أخذ الصراع الأوروبي الأمريكي مؤخرًا منحى به نوع من
التحدي، وضمان وجود قاعدة أمريكية قوية تنافس التواجد الفرنسي في جيبوتي،
والإيطالي في الصومال، كما أن التحكم في مضيق باب المندب يتيح لأمريكا رصد الحركة
التجارية بين الأسواق الأوروبية والآسيوية بسهولة، لاسيما بعد اشتعال الحرب
التجارية والاقتصادية مؤخرًا بين الجانبين.
رابعًا: عدم تمكين أي قوة
في المنطقة من البروز وتهديد منابع النفط في المنطقة مثل إيران.
خامسًا: تأكيد زعامة
أمريكا للعالم، وقدرتها على استصدار ما تشاء من قرارات دولية لفرض نفوذها أو
سيطرتها على أي دولة أو أي نظام يخالف ما تريده أمريكا ونظامها العالمي الجديد.
سادسًا: الاستفادة من
الثروات الطبيعية والمعدنية غير المستغلة في منطقة القرن الإفريقي، وليس سرًا ما
يتردد حول وجود بحيرات من النفط في المنطقة، وثروات معدنية أخرى غير مستغلة لاسيما
في السودان.
ومع وجود هذه الدوافع فإن كثيرًا من
الأمريكيين- لاسيما المراقبين- لديهم مخاوف كبيرة من إمكانية حدوث تورط أمريكي في
القرن الإفريقي يشبه تورط أمريكا السابق في فيتنام أو لبنان، لاسيما وأن العملية
مرتبطة بظروف وليس بوقت، ويكاد يجمع المراقبون على أن الوجود الأمريكي في الصومال
لن يكون نزهة مثل حرب الخليج، ومع وجود نظام قبلي في الصومال فإن الصوماليين
يرفضون نزع سلاحهم، وليس معلومًا إن كانوا سيقبلون مستقبلًا ببقاء الأمريكيين أم
سيكون لهم موقف آخر، فما هي يا ترى النتائج المستقبلية لمعركة بوش الأخيرة؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل