العنوان النزاع الموريتاني - السنغالي حتى لا تشتعل حرب خليج أخرى
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989
مشاهدات 72
نشر في العدد 916
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 16-مايو-1989
الانفعال المتوتر الذي ألهب الساحة الموريتانية -السنغالية في الأيام القليلة الماضية يحمل مؤشرات كثيفة الدلائل، ليس أهمها بالضرورة قابلية الثوابت الأمنية للتحطم والانهيار، وإنما أشد من ذلك في أن الحصون الأمنية في عالمنا الإسلامي سريعة الانفعال بالمخططات الكيدية... وبالرغم من تواتر الأحداث في تجريمها لمكائد الفاعل - القوى الغربية – فقد تكررت أساليب الفتنة من تلك القوى في غير مكان من عالمنا الإسلامي، وكانت مخططاتها دائمًا إشعال الفتن عند ظهور تحولات إيجابية في أطروحات الأمة الإسلامية ... فحينما تنطلق قوى نامية في العراق أو بوادر نهضة في باكستان أو مساعي لإعادة الانتماء للهوية الإسلامية في السنغال تحاك أنسجة الشر، وتتجمع قوى الكيد، فتستعر الحرب ... والغرب عندما يفعل ذلك ينطلق من مسلمات ثقافية وتاريخية ومنازع حقد قديم جديد. فالغرب يخشى العالم الإسلامي بما يمثله من عقيدة وثقافة وفكرة تناقض فكرته وعقائده وثقافته. وقديمًا تحطمت إمبراطوريات الغرب الصليبية الغازية عندما أرادت أن تدمر- العالم الإسلامي تحت شعار سيادة الصليب، وعند طريق الغزو المباشر إلا أن الأيام أثبتت فيما بعد أن الغزو المباشر والخطاب الصليبي المباشر ليس سبيلًا مضمون العواقب، وعلى العكس هناك مناح أقل تكلفة وأضمن نتائج، وهي أساليب الحروب بالوكالة ـ والغزو يزرع الأفكار المثيرة للجدل واستخدام الإعلام والأبواق العميلة في توجيه الجماهير إلى مصائد الشقاق، والسعي في هذا المجال حقق نتائجه في إذكاء حروب طويلة الأمد شديدة الوطأة بالغة التحطيم، ويمكن أن تمارسه الدولة الواحدة، فتغدو فيها الحرب الأهلية لأعوام متطاولة، كما في حرب جنوب السودان ٢٥ عامًا ، أو الحرب اللبنانية ١٦ عامًا ، أو حرب البوليساريو مع المغرب العربي ١٢ عامًا، كما يمكن أن تحدث الفتنة بين دولتين أو اكثر كما حصل فعلًا بين ليبيا وتشاد، والحرب العراقية – الإيرانية، والحرب الهندية – الباكستانية، وحرب أرتيريا والقضية الإسلامية المركزية في فلسطين، وحرب أفغانستان مع روسيا وعملائها ... وحالة الحرب لا تنحصر في دولتي النزاع، وإنما تمتد لتشمل دول المنطقة، ويتبع ذلك انهيار تام في الدول المتحاربة وسيادة حالة العجز والإنهاك في الدول المجاورة، وهي مرامٍ مقصودة ومبرمج لها؛ لتؤدي ذلك الدور... والناتج المباشر هو استمرار أوضاع التخلف الاقتصادي في العالم الإسلامي، وتفكك العلائق التاريخية، وانزواء الوجود الحضاري للأمة، بالإضافة لاستمرار حالة التبعية والانقياد للدول الاستعمارية الكبرى في الشرق والغرب. ولهذا ترى حالة الحرب وانعدام الأمن صفة ملازمة للعالم الإسلامي منذ أمد بعيد، وبخلاف ذلك فإن العالم أجمع لا يكاد تعتريه تلك الأحوال المنصبة – تخطيطًا على العالم الإسلامي، فما أن تظهر بوادر فتنة في أرض ما حتى تتحرك الدول العظمى وفي وقت قياسي لحل ذلك الإشكال - حتى لا يستفحل، وانظر في نتائج حرب الفوكلاند مثلًا.
ومن هنا تجد الدول الإسلامية أن أمنها مستهدف،
وأن البنية الصلبة التي أقامت عليها مرتكزاتها الحضارية آيلة إلى أن تغدو هشة سهلة
الاختراق ما لم تعد بناءها على تحديد الولاء للعقيدة والوفاء للجماهير المسلمة
بالوحدة والتضامن.... ولعل مما يحز في نفس المسلم في هذا الزمان بأننا لا نكاد
نستوعب عبر التاريخ، ولا نستقرئ مواقف الأمم في قضايانا، ولا نكاد نتخطى مرحلة حتى
يجرنا عدونا إلى ما وراءها ونخشى أن تتكرر مأساة حرب الخليج مرة أخرى، ولكن في
أقصى الغرب الأفريقي وبين المسلمين مرة أخرى في السنغال وموريتانيا، ولا أحد يضمن
لنا أن تطور الأحداث لن يفلت من يدنا مرة أخرى، كما أفلت في الماضي القريب ....
وهنا نستجمع أطرنا الاسترجاعية بحثًا عن السيطرة على مجريات الأحداث، ومنظمة
المؤتمر الإسلامي مدعوة لتؤدي حق المسؤولية في إعادة ترتيب العلائق بين الأشقاء،
وهي مؤهلة أكثر من أي منظمة أخرى، بما في ذلك منظمة الوحدة الأفريقية؛ حيث إن
الرابطة الإسلامية أقوى وأقدر على تصفية الأجواء من الرابطة الجغرافية المحدودة ....
وعلى منظمة المؤتمر الإسلامي أن تدرك أن المعركة بدأت تنحو نحوًا متماثلًا، حرب
بين دولتين إحداهما عربية مسلمة والأخرى مسلمة غير عربية، كما في الخليج وحاليًا
في غرب أفريقيا، وكلا الدولتين المتحاربتين عضو عامل في منظمة المؤتمر، فهل نطمع
في أن تعاد علائق السنغال – موريتانيا إلى وضعها الطبيعي؟ وأن يعاد ترتيب الأمن
الإسلامي حتى لا يبقى هدفًا قريبًا لأعداء الأمة؟ وحتى لا يستمر مسلسل التنازع
القاضي بفقدان الحضور التاريخي، كما بين الله في كتابه ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ
فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46) صدق الله العظيم.