العنوان المغرب ما زال جسر «الهجرة السرية» لأوروبا
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005
مشاهدات 69
نشر في العدد 1674
نشر في الصفحة 28
السبت 22-أكتوبر-2005
■ مبادرة وطنية تهدف لإخراجه من عنق الزجاجة
■ المغرب يعلن توقيفه أربعة آلاف مهاجر إفريقي إلى الجزائر عبر حدوده
■ اتهام حرس الحدود الإسباني بالتقصير والاستعمال المفرط لمعدات مكافحة الشغب
■ وفاة 3 مهاجرين من الكاميرون أثارت نزاعًا بين المغرب وإسبانيا
■ حرس الحدود الإسباني أحصى منذ بداية هذا العام ١٢ ألف محاولة اقتحام لسور مليلية
منذ أيام، وفي أواخر شهر سبتمبر المنصرم، لم يكن هناك حديث في المغرب سوى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أعلن عنها الملك محمد السادس قبل شهر، كمحاولة لإخراج البلاد من عنق الزجاجة بعد تحذيرات البنك الدولي في تقريره الأخير.
وأصبحت مشكلة الهجرة السرية للأفارقة الذين باتوا يتدفقون على المغرب بشكل متواصل كجسر عبور نحو الحلم الأوروبي، من ضمن الموضوعات المرتبطة بالرأي العام المغربي، فمبادرة التنمية هي خطوة في طريق القضاء على الهجرة السرية التي تجتذب المغاربة بسبب انسداد آفاق المستقبل أمام الشباب والجامعيين، ويتعبأ لها المهربون من كل اتجاه، وأصبح الاتحاد الأوروبي متضايقاً منها بشكل أكبر في الآونة الأخيرة، ويطالب بمحاربتها وخلق الظروف المانعة من الحاجة إلى الهجرة.
لكن الجديد الذي لم يكن المسؤولون المغاربة يتوقعونه أن يصبح المغرب الذي كان بالأمس مصدراً للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا. قبلة لها يقصدها الأفارقة بعشرات المئات، وأن تتحول هذه القضية إلى موضوع الساعة في العلاقات المغربية الأوروبية، وتستحق زيارة خاصة للمندوب الأوروبي خوسي باروسو ووزيرة المهاجرين الإسبانية كونسولي رومي، وتتصدر مباحثات القمة المغربية - الإسبانية التي عقدت في مدينة غرناطة، وأكثر من ذلك أن تتحول إلى معركة إعلامية بين الإسبان والمغاربة، وتبادل الاتهامات بالتقصير أو بغض الطرف عن هذه الظاهرة الجديدة في منطقة شمال إفريقيا.
تسلل بالقوة
استعراض مسار ظاهرة الهجرة السرية وتهريب البشر بين المغرب والسواحل الإسبانية يبين أن الظاهرة شهدت تطوراً خلال السنة الأخيرة، وذلك بهدف التغلب على الحواجز الأمنية التي يقيمها المغاربة والإسبان على حدودهما البحرية من جهة البحر الأبيض المتوسط على مضيق جبل طارق الذي جرف في السنوات القليلة الماضية عشرات القوارب الخشبية وأدى إلى موت المئات من المهاجرين غالبيتهم مغاربة، والحاجز الأمني القوي الذي أقامته إسبانيا على سواحلها وجهزته بكاميرات المراقبة الدقيقة، مما قلل من عدد القوارب التي تعبر المضيق مقارنة بالسنوات الماضية.
لكن الأفارقة القادمين من عدة بلدان من جنوب الصحراء لم يستسلموا لهذا الوضع، فلجؤوا إلى خطة مبتكرة، وهم الذين قطعوا مئات الأميال من أجل الوصول إلى (الفردوس) الأوروبي، فبعد عبور الحدود بين الجزائر والمغرب حيث يقيمون هناك مخيماً لهم بشكل مؤقت في انتظار التسلل، يقطعون حوالي ١٦٠ كيلومتر، إلى مدينة الناضور شمال المغرب المحاذية لمدينة «مليلية» المغربية الواقعة تحت الاحتلال الإسباني، ليحاولوا التسلل عبر السور الأمني المزدوج الذي يفصل الناضور عن مليلية والبالغ طوله خمسة أمتار والخاضع للمراقبة المستمرة على الجانبين المغربي والإسباني.
هذه الظاهرة ظلت تحدث باستمرار طيلة الأعوام الماضية، سواء من مغاربة أو أفارقة أو جزائريين، ولم تكن تسترعي اهتمام السلطات في البلدين كونها حالات معزولة ونادرة الوقوع، لكن الذي حدث في بداية شهر سبتمبر الماضي دق ناقوس الإنذار في الجانبين، فقد تجمع حوالي ٢٥٠ شخصاً من مختلف البلدان الإفريقية حول السور الأمني لمدة أيام منتظرين ساعة الصفر للزحف الجماعي بالقوة إلى داخل المدينة المغربية المحتلة وصنعوا سلالم من أغصان الأشجار لاستخدامها في القفز على السور المزود بكاميرات وأجهزة إضاءة قوية تضيء نواحي المكان في اتجاه المغرب ليلاً، لكن الثغرة الموجودة فيه - بحسب السلطات الإسبانية - أن الاقتراب منه أكثر يمنع الحراس من اكتشاف أي عملية اقتحام، وهو ما كان الأفارقة يدركونه جيدًا! وفي ساعة متأخرة من الليل تدفقوا على السور الأول ثم الثاني بشكل فاجأ أفراد الحرس المدني الإسباني الذين دخلوا في عراك مع المهاجرين لمنعهم من العبور، ولدى المواجهة سقط ثلاثة (من الكاميرون) عن السور لقي أحدهم حتفه في الحين، فيما نقل الآخران إلى مستشفى المدينة لتلقي العلاج، لكن الإصابة كانت بالغة فلفظا أنفاسهما بعد أقل من أسبوع!.
اتهامات متبادلة
وقد أثار هذا الحادث نزاعاً بين المغاربة والإسبان عكسته الصحف في اليوم التالي، إذ اتهمت الصحافة الإسبانية الجانب المغربي بدعوى أن الكاميروني الذي لقي حتفه مات داخل التراب المغربي وليس داخل حدود مليلية بينما اتهم جزء آخر من الصحافة المؤيدة لليمين المحافظ الحرس المدني الإسباني بالتقصير والمسؤولية عن مقتل الكاميرونيين الثلاثة والاستعمال المفرط لمعدات مكافحة الشغب، واضطر وزير الداخلية الإسباني خوسي أنطونيو ألونسو للمثول أمام المعارضة في البرلمان للدفاع عن المغرب والقول بأن قضية الهجرة السرية قضية الجميع، في محاولة للحيلولة دون نشوب أزمة بين البلدين.
أرقام المهاجرين السريين الأفارقة الذين يتسللون إلى التراب المغربي عبر الجزائر مثيرة للذهول، فالحرس المدني الإسباني أحصى منذ بداية هذا العام ١٢ ألف محاولة اقتحام لسور مليلية، والمغرب يقول إنه خلال نفس الفترة أرجع أربعة آلاف مهاجر إفريقي إلى الجزائر، بينما تؤكد المنظمات الإسبانية المهتمة بالهجرة وحقوق الإنسان أن الأرقام أكثر من ذلك.
وأمام هذه الأحداث التي تكررت خلال شهري أغسطس وسبتمبر قررت وزارة الداخلية الإسبانية مضاعفة ارتفاع السور المزدوج بين الناضور ومليلية؛ بهدف منع عبوره من طرف المهاجرين الأفارقة، غير أن الجمعيات الإسبانية والمغربية تقول إن القضاء على هذه المعضلة لا يكمن في تكثيف المراقبة الأمنية، بل في تمكين هؤلاء الأفارقة في بلدانهم من العيش الكريم ورفع سقف الدعم الأوروبي للبلدان التي تعد مصدرًا للمهاجرين غير الشرعيين.