; مجاهدون منسيون- المجاهد البحري «عروج» (2-2)- جهاده في الجزائر | مجلة المجتمع

العنوان مجاهدون منسيون- المجاهد البحري «عروج» (2-2)- جهاده في الجزائر

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 06-أبريل-2013

مشاهدات 73

نشر في العدد 2047

نشر في الصفحة 42

السبت 06-أبريل-2013

* حرر عددًا من مدن الجزائر من الاحتلال الإسباني وثبت سيطرة العثمانيين على البحر المتوسط وأنشأ قوة بحرية كبرى.

* أحيا الجهاد في الشمال الأفريقي بعد أن استولى البرتغاليون والإسبان على جل المدن الساحلية بالمغرب العربي وسط خيانة عدد من حكام المسلمين.

* وهب حياته لله فلم يتزوج لانشغاله بالجهاد في سبيل الله تعالى

* كان يوزع الغنائم على بحارته وجنده ويوزع جزءًا كبيرًا منها على الفقراء والمساكين.

* ارتقى شهيدًا في ميدان الشرف عام 924هـ/ 1518م بعد أن أبلى بلاء حسنًا. 

كان لعروج أياد بيضاء في الجزائر, وعمل على تخليصها من الاحتلال الإسباني، والذي جعله يبدأ هذا الجهاد رسالة وصلته من أهل بجاية جاء فيها: «إن كان ثمة مغيث، فليكن منكم أيها المجاهدون الأبطال، لقد صرنا لا نستطيع أداء الصلاة أو تعليم أطفالنا القرآن الكريم لما نلقاه من ظلم لإسبان، فها نحن نضع أمرنا بين أيديكم، جعلكم الله سببًا لخلاصنا بتسليمه إيانا إليكم فتفضلوا بتشريف بلدنا وعجلوا بتخليصنا من هؤلاء الكفار».

فابتدأ عروج وأخوه سلسلة من الهجمات على ميناء بجاية، وفعلوا بالإسبان الأفاعيل حتى فتحها أخوه خير الدين بعد ذلك، وبداية تلك الغزوات أنه هاجم بجاية وقتل ثلاثمائة إسباني وأسر مائة وخمسين, واستولى على عشر سفن، وكاد يستولي على القلعة لكنه أصيب في ذراعه بقذيفة ففقد وعيه وحمل إلى تونس، فلما رأى أهل تونس ما حل به بكوا عليه، وعرض أخوه خير الدين على الأطباء العرض التالي: 

«من يقوم بإنقاذ ذراع عروج، فإني سأكافئه بوزنه ذهبًا، وأهب له عشرة أسرى يختارهم من أيهم شاء»، لكن الأطباء قرروا قطع ذراعه فقطعوها، فلما بكى عليه أخوه قال: «لماذا تبكي؟ هذا قضاء الله وقدره، إني أحمد الله على أني فقدت ذراعي في الغزو تكفيني هذه النعمة».

فتح «جيجل»

وبعد هذه الحملة على بجاية عمد عروج إلى فتح «جيجل»، وكانت تحت حماية حامية إيطالية من جنوة منذ قرنين ونصف القرن تقريبًا، وتبعد ۱۲۰ كيلومترًا غرب بجاية، واستطاع عروج بفضل الله تعالى ثم بمساعدة أهالي المدينة أن يدخل جيجل عام ٩١٩هـ / ١٥١٤م، وحررها من أعداء الإسلام، ووطد أقدامه في المدينة, ثم في السنة التالية حاصر بجاية للمرة الثانية بجيش يبلغ عشرين ألف مجاهد لمدة ثلاثة أشهر لكنه لم يستطع تحريرها, ثم في السنة التي تلتها سنة ٩٢٠هـ / ١٥١٥م حاصر بجاية للمرة الثالثة برًا وبحرًا وجرت معركة عنيفة جدًا قُتل فيها كثير من جنود عروج, ونفد البارود فأرسل إلى سلطان تونس «الحفصي» يطلب البارود فرفض وتجاهله!! فاضطر للانسحاب. 

واتصل عروج بعد انسحابه بالسلطان سليم الأول العثماني بأن أرسل له رسالة يشرح فيها ما يتعرض له هو وأخوه من الصعوبات بسبب جهادهما النصاري, وأرسل له بعض الهدايا, فكافأه السلطان سليم بإرسال أربع عشرة سفينة محملة بالرجال الأشداء المجاهدين والذخائر والمعدات، فساعدت هذه المعونة المجاهدين على استعادة قوتهم، وكان هذا الاتصال بين عروج والسلطان سليم بداية قوية لتعاون طويل بين العثمانيين والأخوين عروج وخير الدين.

دخول الجزائر العاصمة

كانت الجزائر العاصمة تحكم من قبل رجل يسمى «سالم التومي»، وكان أمامها في البحر جزيرة قريبة جدًا من ساحلها فيها حامية إسبانية تخوف منها أهل الجزائر, وتسمى حصن البنيون، وطلب الأهالي من عروج أن يأتي إلى الجزائر لحمايتهم، وفعلًا خف عروج وخير الدين في قوات برية وبحرية ودخلا الجزائر وسط ترحيب الأهالي, وسار عروج فورًا إلى بلدة شرشال وطرد الإسبان منها ، ثم رجع إلى الجزائر العاصمة، فاجتمع زعماء الجزائر وأهل الحل والعقد وقرروا تنصيب عروج أميرًا للجهاد في الجزائر, وذلك سنة ٩٢٢هـ / ١٥١٦م.

وهنا تخوف حاكم الجزائر «سالم التومي» من عروج، وقام بالاتصال بالإسبان فعلم عروج فقتله، ونشر سلطانه في المدينة, فقام يحيى بن سالم التومي بالاتصال بالإسبان وخوفهم من عروج، فبادر الإسبان إلى تنظيم حملة على الجزائر شاركهم فيها الخونة من الأعراب ويحيى بن سالم التومي ومن معه، فحاصره الإسبان من البحر بجنود من البحر بجنود كثيرة, فبات ساجدًا يدعو الله تعالى أن يمن عليه بالنصر, وأنزل العدو عشرة آلاف إلى الساحل, وأبقى جنودًا في سفينة الأربعين التي حاصرت الجزائر, وفي ليلة من الليالي خرج عروج خفية من قلعة الجزائر في ثلاثة آلاف مجاهد, والتف خلف العدو, وكانت ليلة عاصفة مظلمة, ففوجئ به الأسبان, فاستعانوا عليه بإنوال الجنود الذين بقوا في السفن فصار عددهم حووالي خمسة وعشرين ألف جندي، فخرج من قلعة الجزائر ألفان من المجاهدين عاونوا عروج، وأنزل الله - تعالى نصره, وأُبيد جُل جنود الكفر، وأسر الفان وسبعمائة بحمد الله - تعالى - وهكذا نشر عروج سلطانه على الجزائر العاصمة وجيجل وشرشال ومستغانم, وكلف أخاه خير الدين بإدارة شرق الجزائر وأدار هو غربها.

أمراء خونة:

كان بعض أمراء العرب في الجزائر من الخونة المتعاونين مع الإسبان، وكان حكام تلمسان على رأس هؤلاء، فقام ابن أخ حاكم تلمسان بالاستيلاء على مدينة تنس في الجزائر بمعاونة الإسبان والأعراب، فغاظ ذلك عروج فاستفتى علماء الجزائر قائلًا: «أيها السادة: ما حكم الشرع فيمن تمالأ مع الكفار الإسبان, وبايع ملك إسبانيا الذي سار لقتل إخواننا في الدين، وقابل نصحنا بالكنود؟» فأفتاه العلماء بأن قتله واجب, ودمه هدر، وماله مباح، فسار عروج إلى تنس، واستطاع دخلوها سلمًا بعد أن قام السكان بتقييد ابن أخ حاكم تلمسان, وسلموه إلى عروج فقتله جزاء خيانته، وقتل بعض رؤساء العرب الممالئين معه، وذلك عام ٩٢٣هـ / ١٥١٧م.

ثم قرر أن يمضي إلى تلمسان ليقضي على رأس الحية هنالك, وقد كانت تلمسان مدينة داخلية ليست على ساحل البحر، وفيها آلاف من الأعراب والإسبان يعاونون حاكمها، وتعد أكبر مدينة في الجزائر وأقواها، وفي أثناء تفكير عروج بغزو تلمسان ثار أهلها على سلطانها «أبي حمو الثالث» ففر منهم، فأرسل الأهالي إلى عروج يدعونه إليها، وبايعوه سلطانًا عليهم، ودخل عروج المدينة، وأقام بها في فصل الشتاء.

مواجهة الإسبان وقطاع الطرق

 ولم ينس حاكم تلمسان ما جرى، فجمع حوله قطاع الطرق من الأعراب، وأرسل إلى حاكم وهران - وكان فيها الإسبان - قائلًا: «لقد وقعت في أيدي القراصنة الأتراك، ولم أتمكن من استخلاص أموالي من أيديهم، فأين شوكة وعظمة ملككم؟ هل يعقل أنكم صرتم لا تستطيعون أن تخرجوا رؤوسكم خوفًا من حفنة من القراصنة ؟... واستجاب حاكم وهران لطلب الخائن وأرسل له عشرة آلاف جندي بقيادة «مارتين دي أرغوت»، وجمع الخائن حوله عشرين ألفًا من الأعراب والبربر فصاروا ثلاثين ألفا، وتوجهوا إلى تلمسان، وهنا قرر عروج أن يخلي المدينة ويعتصم بالقلعة، وأرسل له أخوه خير الدين ألف جندي تركي وألفي فارس عربي، وجعلهم تحت إمرة أخيهما إسحاق، فلما علم عروج بذلك خرج من القلعة لجمع قواته إلى القوة القادمة فسقطت تلسمان بيد حاكمها المخلوع لكن بقيت القلعة بيد عروج، فحارب عروج الخائن ومن معه من الجنود الإسبان والعرب فانتصر عليهم، لكن ملك إسبانيا أرسل رسالة إلى حاكم وهران يقول فيها: «إذا كنت تريد أن تحتفظ برأسك، فعليك أن تقضي على عروج وجميع من معه من الأتراك، يجب أن ترسل إليّ عروج حيًا إلى إسبانيا، وأنا أعرف القتلة التي أذيقه إياها».

استشهاده

وبناء على ذلك أرسل حاكم وهران جيشًا عدده أكثر من ثلاثين ألفًا إلى تلمسان، ووقعت معارك صعبة دامت قرابة ثلاثة أشهر، ثم عرضوا على عروج أن يكون له ولجنده الأمان ويسلم القلعة، فاستشار جنوده، فأشاروا إليه  أن يخرج ويسلم القلعة ويعود إلى الجزائر ثم يعود لقتالهم، ففعل عروج، لكنهم ما إن ساروا قليلًا إلا واجتمع عليهم قرابة عشرين ألف جندي إسباني ناكثين بوعدهم، وكان من معه من الأتراك أقل من ألف وكانوا منهكين من الجراح والتعب, وحانت لعروج فرصة للهرب لكنه لم يطق أن يسمع استغاثات جنده به ويدعهم ويهرب، فعاد وغمس نفسه في الأعداء وقتل منهم مائة قبل أن يرتقي شهيدًا في ميدان الشرف والعز والجهاد، وذلك عام ٩٢٤هـ / ١٥١٨م عن أقل من خمسين عامًا من عمره المبارك، فلله در عروج فقد وهب حياته لله، فلم يتزوج لانشغاله في الجهاد في سبيل الله تعالى, وكان يوزع الغنائم على بحارته وجنده، ويوزع جزءًا كبيرًا منها على الفقراء والمساكين، وخرج من الحياة بعد أن أبلى بلاء حسنًا عظيمًا، وخلص عددًا من مدن الجزائر من الاحتلال الإسباني، وثبت سيطرة العثمانيين على البحر الأبيض المتوسط، وأنشأ قوة جهادية بحرية كبرى, ومن أحسن ما صنعه أنه أحيا الجهاد في الشمال الأفريقي بعد أن استولى البرتغاليون والأسبان على جل المدن الساحلية في المغرب العربي كبير وسط توان وضعف وهوان من أهل الإسلام وخيانة من قبل عدد من حكام بلاد الإسلام وضعف عقيدة الولاء والبراء في قلوبهم, والعياذ بالله, فما أعظم ما قام عروج يرحمه الله تعالى.([1]

وفي المقال القادم إن شاء الله تعالى سآتي بشيء من التفصيل على ذكر أخي عروج, وهو خير الدين بارباروس, والذي يعد المكمل لجهاد عروج بل هو أعظم من أخيه جهادًا, وطال عمره وحسن عمله, إن شاء الله تعالى. 

الهامش

[1]مصدر هذه الدراسة الرئيس هو كتاب مذكرات خير الدين بارباروس, ترجمة د. محمد دراج, ثم كتاب «أمير الجهاد: خير الدين بارباروس» للأستاذ بسام العسلي, وهناك مصادر أخري اعتمدت في هذه الدراسة (سلسلة «مجاهدون منسيون»). 

(*) داعية سعدوي- المشرف على موقع التاريخ

الرابط المختصر :