العنوان علوني.. وتناقض الموقف الإسباني
الكاتب يحيى أبو زكريا
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1570
نشر في الصفحة 42
السبت 27-سبتمبر-2003
في الوقت الذي تتبجح فيه دول غربية باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان وعدم الانسياق وراء المسلكية الأمنية في التعامل مع كثير من القضايا، وفي الوقت الذي تعلن فيه أنها تختلف جملة وتفصيلًا عن المنظومات السياسية والأمنية في العالم الثالث، فإنها في ممارساتها تكاد تشبه أدنى الدول تحضرًا من جهة التعاطي مع الإنسان وأفكاره.
ينطبق ذلك على إسبانيا التي اعتقلت الصحفي الإسباني السوري الأصل تيسير علوني متهمة إياه بأنه كان على صلة بتنظيم القاعدة.
في تاريخ الصحافة العالمية قصص كثيرة مشابهة لقصة علوني، فقد عاش عشرات الصحفيين الأمريكيين بين ظهراني الثورة الفيتنامية وكتبوا عن الثورة من داخلها، بل إن بعضهم عاش في الكهوف وتحت الأرض مع الثوار الفيتناميين الذين كانوا يلحقون بأمريكا وقواتها العسكرية ضربات موجعة، وعاد هؤلاء الصحفيون إلى بلادهم وكتبوا عن مشاهداتهم في الصحف الأمريكية، وهناك عشرات الصحفيين الفرنسيين عاشوا في كنف الثورة الجزائرية في أوج قوتها وإلحاقها أقوى الضربات بالجيش الفرنسي في الجزائر، وقد كانت فرنسا تسمي جيش التحرير الوطني الجزائري الذي قاد الجزائر إلى الحرية بالجيش الإرهابي وما إلى ذلك من التسميات، وقد تمكن هؤلاء الصحفيون من كتابة أروع الكتب والمقالات عن الثورة الجزائرية، وساهم بعضهم في إنتاج أفلام تاريخية عن الثورة الجزائرية ما زالت تشكل مرجعًا في فهم الكثير من التطورات التي أحاطت بالثورة الجزائرية.
وهناك عشرات الصحفيين تسللوا إلى الثورة الكوبية وعاشروا شي جيفارا وبعضهم اقترب من أدولف هتلر وهو الإرهابي الخطير في العرف الأوروبي، ولا أحد كان يحاكم هؤلاء أو يتهمهم بالإرهاب باعتبار أنهم يؤدون وظيفتهم في سبيل الحصول على معلومة تفيد الرأي العام وتخدم الحقيقة، ولأن الصحفي القدير يملك تقنية وطريقة معينة في الوصول إلى المعلومة فقد بات رجال الأجهزة الأمنية يخطبون وده لمعرفة منحنيات هذه القضية هنا وهناك، ويبقى الشريف المحافظ على مبادئه هو الذي لا يتورط مع مثل هذه الأجهزة، والواقع أن لا فرق بين عمل رجال الصحافة ورجال المخابرات فكلاهما يبحث عن المعلومة، غاية ما هناك أن الصـحفي يحصل على المعلومة ويبلغها للرأي العام، ورجل المخابرات يحصل عليها ويبلغها لدوائر ضيقة توصلها إلى الدوائر العليا وهكذا، وعندما يعجز رجل المخابرات عن الوصول إلى المعلومة - لأن الكل يتوجس منه خيفة - فإنه يلجأ إلى الصحفي ليستل منه المعلومة عبر قاعدتي الترغيب والترهيب، وهذا ما جرى مع تيسير علوني الذي تمكن من مقابلة بن لادن وبسهولة في وقت وضعت فيه المخابرات المركزية الأمريكية ملايين الدولارات لمعرفة مكانه!
وحتى بعض الصحفيين الغربيين الذين جرى اعتقالهم بتهمة الاتصال بجماعات أو ثورات جرى إطلاق سراحهم وبرئوا من التهم المنسوبة إليهم، ففي أواسط الخمسينيات اعتقلت الأجهزة الفرنسية الكاتب الفرنسي روبير بارا الذي كتب العديد من التحقيقات عن الثورة الجزائرية، حيث تسنى له أن يقابل قادة الثورة ونشر تحقيقاته في صحيفة «تموانياج كريتيان»، واعتقلته الأجهزة الأمنية في فرنسا وطالبته بالكشف عن كل معلوماته وما يعرفه عن الثوار الجزائريين، واهتز الرأي العام الفرنسي لهذه المهزلة، وأطلق سراحه وبرئ من التهم المنسوبة إليه.
والشيء نفسه حدث لجورج أرنو الكاتب والمخرج الفرنسي صاحب كتاب «ثمن الخوف» الذي حوله إلى فيلم أيضًا وفيه يدين فرنسا ويميط اللثام عن حقيقة حرب الجزائر، وقد جرى اعتقاله بنفس الحجة وما فتئت السلطات الفرنسية أن أطلقت سراحه.
وعندما أخذ الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر في الدفاع عن الثورة الجزائرية، عرضت الأجهزة الأمنية على الرئيس الفرنسي شارل ديجول اعتقاله فرفض.
وهناك عشرات المحاكمات جرت لصحفيين تمكنوا من محاورة أعداء حكوماتهم ثم برئت ساحتهم، وإذا كان عمل تيسير علوني يعد إرهابًا وتواطؤًا مع إرهابيين، فماذا يسمى احتلال إسبانيا للجزر المغربية سبتة ومليلة وليلي أو البقدونس؟
أليس إرهابًا أن تستولي دولة بقواتها العسكرية على أرض ليست لها، بل تقر كل المواثيق والشواهد التاريخية والأدلة المادية أنها أراض مغربية قلبًا وقالبًا، ولم تفلح كل المحاولات التي بذلتها إسبانيا لفصل سكان سبتة ومليلة عن أصالتهم المغربية، فلم تمارس إسبانيا الإرهاب في الاحتفاظ بهما؟ بل بمجرد أن حاولت الرباط التأكيد على مغربية جزيرة ليلي تحرك الجيش الإسباني في سابقة خطيرة تذكر بغزو إسبانيا لبلاد المغرب العربي قبل قدوم الأتراك إلى هذه المنطقة.