العنوان أداء متميز للنواب الإسلاميين في مناقشة مشروع الموازنة العامة
الكاتب مصطفي الخلفي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
المغرب
* استطاع البرلمانيون الإسلاميون بلورة خطاب سياسي يجمع بين الأهداف الكبرى ومناقشة التفاصيل.
كشفت مناقشة الميزانية السنوية في البرلمان المغربي عن مدى الإمكانات والقدرات التي تتوافر عليها الحركة الإسلامية، في التعرف على أسباب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وأيضًا قدرتها على طرح الحلول والخيارات اللازمة لتجاوزها، وفي الوقت ذاته الإبانة عن وعي ونضج سياسيين في التعامل مع الظرفية العامة التي تمر بها البلاد.
يعرف المغرب منذ شهر مارس 1998م، تجربة سياسية جديدة، تتمثل في تكليف أهم أحزاب المعارضة البرلمانية «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، بتشكيل حكومة «تناوب سياسي» تضم سبعة أحزاب سياسية، فضلًا عن مساندة حزبين آخرين.
وقد تزامنت هذه التجربة مع الدخول الرسمي والقانوني لأول مرة للإسلاميين المغاربة إلى البرلمان، من خلال حزب «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية» المتحالفة مع «حركة التوحيد والإصلاح»، حيث يتوافرون على تسعة نواب بالمجلس.
وأثناء تقديم الحكومة الحالية لبرنامجها في أبريل المنصرم، اعتبرت أن البلاد تحتاج لعلاجات جذرية وشاملة لا تحتمل الانتظار، وهو ما يقتضي وضع إستراتيجية شاملة للإقلاع الاقتصادي.
في هذا السياق قرر الائتلاف الحكومي طرح ميزانية انتقالية باعتبار ضيق الوقت المخصص للإعداد من جهة، وباعتبار إكراهات التدبير الموروث من جهة ثانية- حسب تصريح وزير المالية والاقتصاد فتح الله ولعلو- أُثناء تقديم الميزانية في 28 من يونيو الماضي، وذلك على أساس أن هذه الميزانية الانتقالية ستكون أرضية لإعداد مشروع ومخطط مستقبلي لتجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
الميزانية رغم الطابع الانتقالي لها، نجدها تضمنت أربعة أبعاد، الأول: تنموي يقضي بالحفاظ على المستوى العام للاستثمارات وخلق شروط ملائمة لتفعيل القطاع الخاص وإعادة الثقة له، والثاني: اجتماعي عن طريق اتخاذ بعض الإجراءات الأولية لمحاربة الفقر، والاهتمام بالعالم القروي وبعض الفئات الاجتماعية، أما الثالث فهو العمل على إيقاف الاختلالات المالية في الاقتصادية، وخصوصًا على صعيد ترشيح النفقات العامة والبحث عن الدخل خارج نطاق الضرائب، بالإضافة إلى العمل على التحكم في المديونية، حتى لا يتم تحميل عبء العجز للأجيال القادمة، والبعد الرابع في الموازنة المالية، يتمثل في الجانب الإداري، والذي اقتصر على طرح إرهاصات إصلاح إداري مستقبلي.
حجم الإنفاق في الموازنة بلغ حوالي 13,6 مليار دولار، أما العجز فقدر بمليار و400 مليون دولار، كما أن خدمة الدين الخارجي تستنزف نسبة مهمة من مجموع الميزانية تقدر بـ 3,4 مليارات دولار، وللإشارة فإن حجم مديونية المغرب تبلغ حوالي 19 مليار دولار، وتخضع منذ بداية الثمانينيات لسياسة التقويم الهيكلي بهدف ضمان الالتزام بأداء الديون المستحقة، ورغم ذلك لم يستطع المغرب الخروج من أزمة الديون، وكان هذا الهاجس حاضرًا بقوة ضمن أهداف الحكومة الحالية، والتي سعت في الموازنة إلى ضبط التوازنات المالية بما يمكن من الانتهاء من حالة اقتصاد الديون، وكإجراءات لذلك السعي لدى البلدان الشقيقة والصديقة لإلغاء الديون أو التحويل الجزئي لها إلى استثمارات، ثم اعتماد سياسة أولوية الأداء للقروض الأعلى تكلفة باستعمال القروض الجديدة ذات الفائدة الأقل.
النواب الإسلاميون ومشروع الموازنة:
ما زال مشروع الموازنة العامة 98/ 99 يخضع للمناقشة داخل البرلمان، ذلك أنه بعد مصادقة مجلس النواب عليه يوم 12 من أغسطس الحالي انتقل إلى مجلس المستشارين (المجلس الثاني للبرلمان)، ومن المنتظر أن تستمر المناقشة إلى ما بعد منتصف سبتمبر، قبل أن تقع المصادقة بشكل نهائي على المشروع.
وحسب معظم المتتبعين، فإن المناقشة الحقيقية والفعلية قد تمت بمجلس النواب، وتأكد ذلك عندما ظهر أن مناقشات مجلس المستشارين في عمومها نسخة مكررة مع شيء مع التعديل الطفيف لمناقشات المجلس الآخر وللإشارة، فإن المعارضة الحالية تتوافر بمجلس المستشارين على الأغلبية، وهو ما يمكنها من توجيه الجدولة الزمنية للنقاش وفق حساباتها السياسية.
تبعًا لذلك يمكن اعتبار مداخلات النواب الإسلاميين بمجلس النواب أرضية صالحة للقيام بعملية تقييم ودراسة لأدائهم، ولا سيما أن محطة مناقشة الموازنة أو القانون المالي -حسب التعبير المغربي- تعتبر عنصرًا كاشفًا لمدى قدرة كل طرف سياسي على بلورة خطاب سياسي دقيق يعكس من ناحية أهدافه وشعاراته الكبرى، ومن ناحية أخرى الخطوط التفصيلية والعملية لتنزيل هذه الأهداف، وهو ما جعل محطة مناقشة الميزانية أولًا تختلف عن مناقشة البرنامج الحكومي أو ما شابهه، وثانيًا تستغرق ما يزيد على أربعين يومًا بمجلس النواب وحده، وهي الآن في طور استكمال نصف شهر بمجلس المستشارين، ولم تخرج بعد لحيز المناقشة العامة، بل إن اللجان الفرعية لم تبدأ مناقشاتها إلا يوم الأربعاء 26 من أغسطس.
وقد توقع العديد من المراقبين أن يكون تعامل النواب الإسلاميين محكومًا بنزعة أخلاقية عامة، لا تستطيع التقدم بمقاربات نقدية دقيقة في القضايا المالية والاقتصادية، وبخاصة أن التخصصات العملية للنواب الإسلاميين لا يوجد ضمنها تخصصات الاقتصاد والمالية، فضلًا عن ذلك، اعتبر البعض أنهم بحكم حداثة تجربتهم وضعف خبرتهم بأعمال اللجان الفرعية، وطرق دراسة الميزانية فإنهم سيكونون في وضع المتفرج وفي أحسن الأحوال المتعلم المستفيد، ومما زاد من أدلة هذا الرأي هو قلة عددهم (9 نواب) في الوقت الذي تتطلب فيه كل لجنة حضورًا مستمرًا وإعدادًا مسبقًا.
إلا أن التجربة كشفت -على العكس- حضورًا وإعدادًا ومشاركة وفعالية وموقفًا، مما أبرز نضجًا ملموسًا في السلوك السياسي لهم، فهم أولًا قدموا مقاربة علمية متوازنة لمجموع طروحات الميزانية، وثانيًا أبرزوا بوضوح ودقة الانتقادات والاستدراكات التي لهم على الميزانية، وهو ما أدى إلى القبول بعدد مهم من الاقتراحات التي تقدموا بها، وثالثًا أعطوا شهادة ملموسة عن الآفاق الإيجابية التي تعد بها المشاركة السياسية للإسلاميين.
وحسبما صرح به النائب البرلماني الدكتور سعد الدين العثماني- عضو المكتب التنفيذي لحركة التوحيد والإصلاح، ومدير حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية- فهم في الحزب «واعون بمحدودية ما أتى به المشروع المالي- أي الموازنة- من إجراءات، لكننا في المقابل نستحضر الأهداف التي يعمل المشروع للسير نحوها، ونستحضر الظرفية التي واكبت إعداده، فالحكومة لم تتسلم مهامها إلا قبل ثلاثة أشهر من بداية السنة المالية الجديدة، وأغلب المعطيات المالية أضحت شبه محسومة، لكل هذا اتخذنا موقفًا إيجابيًّا من المشروع على أمل أن تعمل الحكومة، لتكون الميزانية أكثر استجابة لتطلعات الشعب، وأكثر تحقيقًا للأهداف التنموية الاجتماعية».
الموقف الإيجابي من المشروع لا يعني- حسب النواب الإسلاميين- القبول المطلق له، وبخاصة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، بل إنه يعكس في العمق موقفًا سياسيًّا أكثر منه اقتصاديًّا، وهذا الموقف السياسي تتحكم فيه عدة اعتبارات نذكر منها، حرص النواب الإسلاميين على إعطاء إشارات تطمينية للنخبة السياسية المتنفذة، تساعد مستقبلًا على توسيع هامش التحرك السياسي العلني للإسلاميين، وأيضًا العمل على إشاعة نموذج سياسي جديد في العمل البرلماني، يرفض التصنيفات الجاهزة (معارضة/ مساندة) والتي يصبح فيها الموقف عملية آلية، بل هو كما عبر قادة الحزب موقف «المساندة النقدية».
وبالإضافة لهذه الاعتبارات العامة، نجد أن النواب الإسلاميين أخذوا بعين الاعتبار الإكراهات والضغوطات الموضوعية والمقيدة لهامش الحرية المتروك للحكومة الحالية، لا سيما الوقت الضيق والحرج الذي أعد فيه مشروع الموازنة، ثم الالتزامات السابقة للمغرب تجاه عدد من المؤسسات المالية الأجنبية.
خلاصة عن مشاركات النواب الإسلاميين:
الموقف الإيجابي للنواب الإسلاميين، لم يمنعهم من إبداء مؤاخذتهم والتعبير عن الاختيارات التي يؤمنون بها ويدعون لها، لقد شكلت مداخلاتهم في اللجان الفرعية محطة مهمة للكشف عن العناصر التفصيلية للمشروع السياسي المجتمعي لهم.
في اللجنة المالية والاقتصادية، وبعد أن ذكر عبد العزيز أفتاني بالاختيارات الاقتصادية اللازم اتباعها- والمتمثلة في الانطلاق من القيم الدينية، بناء اقتصاد لا ربوي، والحث على الاستثمار ومحاربة الاكتناز، والموازنة بين الإنتاج والاستهلاك، والتزام مبدأ الاستقلالية في السياسة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق والاستهلاك- وجه نقده للمشروع حسب أربعة مستويات: الأول: يخص ترشيد وعقلنة وتيرة إنفاق الدولة، حيث تساءل عن سبب تحميل الشعب ديون فئة قليلة من المستثمرين؟ المستوى الثاني: يرتبط بالرقابة على المال العام، ليناقش فيه دور المجلس الأعلى للحسابات ودور المفتشية العامة للمالية، أما المستوى الثالث: فيتعلق بضرورة ترشيد عملية «الخوصصة».
«رشيد لمدور» أكد في اللجنة الخاصة بإدارة الدفاع الوطني، ووزارات الخارجية والتعاون والاتصال والثقافة على أن الوحدة الترابية مسألة مركزية يتوحد عليها الشعب المغربي، وتساءل عن موقع القارة الإفريقية في الموازنة، وفي مشروع الحكومة، ثم تطرق بعد ذلك لموقف الحكومة من التوصيات التي تخرج بها القمم العربية والإسلامية، وعلى رأسها قرارات المقاطعة والإغلاق لمكاتب الاتصال الإسرائيلية، فيما أن مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط جاثم على صدور الشعب المغربي، وبخصوص قطاع الاتصال، فقد وجه نقدًا شديدًا له ارتكز على تخلفه عن مواكبة التقدم التقني، وعدم انفتاحه على مختلف مكونات الشعب المغربي، وتماديه في التمييع وإشاعة الفاحشة، ثم الازدواجية اللغوية فيه.
في قطاع العدل وحقوق الإنسان، تدخل مصطفى الرميد «منسق المجموعة البرلمانية» ليعتبر أن المغرب بدأ في السنوات الأخيرة ينخرط في مسلسل الانتقال الديمقراطي، ولكنه عارض بشدة الانزلاق مع القول بالأخذ بجميع المواثيق الحقوقية الدولية بدون تحفظ، كما دعا الحكومة إلى استعجال وضع حد للحصار الجائر على الشيخ عبد السلام ياسين- مرشد جماعة العدل والإحسان-، كما أكد على ضرورة مطابقة القوانين مع أحكام الشريعة الإسلامية شرعيًّا ودستوريًّا.
أحمد العماري في قطاع الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، اعتبر أن الإدارة تشكو من عدم تناسب هياكلها مع مهامها، واقترح بعد ذلك عددًا من الإجراءات المعالجة، كما أشار إلى أن اللامركزية الإدارية تتطلب مد المصالح الخارجية بكل الوسائل البشرية والمادية، ودعا إلى الاهتمام بنظام التكوين قبل ولوج سلك الإدارة، واعتماد نظام تحفيزي في الأجور والمرتبات.
وفي مناقشات الميزانيات الفرعية للداخلية والتجهيز والنقل والملاحة التجارية، والبريد والتقنيات الإعلامية، وإعداد التراب الوطني والبيئة والتعمير والإسكان، تدخل نور الدين قربال ليركز على قطاع الداخلية والأمن، حيث دعا إلى إشراك النواب في تأطير وتوعية المواطنين بمستجدات الوحدة الترابية، ودعا إلى الاستغناء عن الحرس الجامعي، كما تطرق إلى عدة نقاط تفصيلية تهم النهوض بالجماعات المحلية، وفي قطاع التجهيز والنقل أشار لضرورة تجاوز عقلية المحسوبية الجهوية أثناء صيانة الطرق، ودعا إلى إقرار نظام القرض ذي الفائدة المنعدمة لتشجيع قطاع الإسكان الشعبي.
بالنسبة للقطاعات الإنتاجية أعلن أبو زيد المقرئ الإدريسي أن الميزانيات الفرعية لها لا ترقى إلى مستوى طموح الشعب لتحسين أوضاعه، ثم وجه انتقادات قوية للفلسفة الموجهة في التعامل مع هذه القطاعات، لا سيما من حيث هزال الميزانيات الخاصة بها، وغلبة هم التسيير على هموم التطوير، وهو ما يناقض خطاب الاستقلال والتنمية الاقتصاديين، واعتبر أبو زيد أن الربا المهلك هو أساس الدمار الذي لحق الفلاحة، وطالب بطي ملف التعاون مع العدو الصهيوني الغاصب لفلسطين، وبإغلاق مكتب الاتصال، وقد أشار في ختام تدخله بعدم قبول سياحة ماجنة تلحق بالمغرب من التخريب المادي والمعنوي أكثر مما تجلب من العملة الصعبة.
آخر القطاعات التي تم التدخل فيها كانت القطاعات الاجتماعية (الصحة، التعليم، الأوقاف، التنمية والتشغيل، الشبيبة والرياضة... إلخ)، حيث دعا عبد الله شبابو إلى العدالة والمساواة بين كافة الجهات في توزيع المؤسسات التعليمية والجامعية والعمل على إصلاح الوضعية المادية لرجال التعليم، وتقوية الاهتمام بدروس التربية الإسلامية، واستعرض عددًا من المقترحات لتجاوز مشاكل قطاع الصحة، وقطاع التنمية الاجتماعية ليؤكد على ضرورة إدماج المتعطلين في دواليب العمل والإنتاج.
بعد استعراض أهم الأفكار التي وردت في مداخلات النواب الإسلاميين بمجلس النواب يطرح تساؤل كبير، ماذا بعد ذلك؟
رغم أن المناقشات لا زالت مستمرة، وبعد المجهود الذي قدمه النواب الإسلاميون على صعيد البرلمان، والذي كان من أبرز نتائجه توسيع شبكة العلاقات العامة لهم وتقوية تأثيرهم بين النواب، ورفع رصيدهم السياسي فإن النواب الإسلاميين يتجهون حاليًا إلى تقوية رصيدهم الشعبي في الدوائر التي انتخبتهم حتى لا يقع استهلاكهم في فضاء النخبة السياسي، مما يؤدي إلى قطع جذورهم الشعبية.
في الوقت نفسه يحتاج النواب إلى فرصة لالتقاط الأنفاس والاستعداد الجيد للدورة التشريعية القادمة والمقرر فتحها في أكتوبر المقبل.