العنوان لعبة الانضمام المتكررة بين تركيا وأوروبا
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 28-ديسمبر-2002
مشاهدات 56
نشر في العدد 1532
نشر في الصفحة 28
السبت 28-ديسمبر-2002
الرفض ثابت.. والمماطلة مستمرة.. والخلفيات مكشوفة
ليست قضية تركيا وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي قضية حقوق إنسان تنتهك، فجل من تنتهك حقوقهم في تركيا اليوم هم أصحاب الاتجاهات الإسلامية حتى في حدود تطبيق الشريعة على مستوى الفرد ذكورًا وإناثًا، وليست أيضًا قضية تفاوت المستويات الاقتصادية فمعظم من يضمهم الاتحاد من الدول إليه لم يصل إلى المستوى الاقتصادي فيه ولكن يدعمهم كما هو الحال مع مالطة -مثلًا- بل وليست قضية تبدل السلطة في تركيا بين أحزاب علمانية بوضوح وأخرى إسلامية بحذر، فهذا ما ينفيه أن الأحزاب التي جعلت من العلمانية ديانة لها ومن التغريب اتجاهًا ثابتًا في مناهجها وتطبيقاتها، سيطرت ومن ورائها العلمانية العسكرية عشرات السنين على السلطة، ولم يجد طلب الانضمام وعدًا قاطعًا بالتلبية من جانب الأوروبيين. ولكن لا يعني هذا أن الأسباب المذكورة والتي تتردد في صيغة شروط رسمية للانضمام لا قيمة لها، إنما يعني أنه حتى إذا توافرت الشروط فلن يتحقق الانضمام.
اختلاف الانتماء والقيم
الشروط المعلنة على صعيد «الديمقراطية» وحقوق الإنسان، وعلى صعيد الإصلاحات الاقتصادية وكذلك الظروف السياسية والعسكرية التي تعطي تركيا دورًا «غربيًا»، لا يستهان بأهميته في المنطقة الإقليمية العربية والإسلامية هي التي تصنع المواقف الرسمية، بين تأييد للانضمام لا يصل إلى مستوى وعد قاطع من جانب المسؤولين عن صنع القرار على اختلاف انتماءاتهم الحزبية في أوروبا، وبين معارضة للانضمام تفصح أحيانًا عن سبب حقيقي جوهري للرفض من جانب بعض الأحزاب في السلطة، وغالب الأحزاب التي لا تكون في السلطة، وهذا بغض النظر أيضًا عن تعدد الانتماءات الحزبية واختلافها.
هلموت شميدت الذي شغل منصب المستشار الألماني في السبعينيات الميلادية، وهو من الحزب الديمقراطي الاشتراكي الحاكم مع الخضر في ألمانيا حاليًا، أعلن بعد قمة كوبنهاجن أكثر من مرة عبر الصحافة الألمانية -مثل أسبوعية دي تسايت وصحيفة بيلد- معارضة حصول تركيا على عضوية الاتحاد الأوروبي، وقال إن هذا سيقيد حرية الاتحاد في السياسة الخارجية ويلتقي السياسي الديمقراطي الاشتراكي العريق في ذلك مع اتحاد الحزبين المسيحيين «المحافظين» في ألمانيا، وهما على مقاعد المعارضة حاليًا، فتتالت تصريحات المسؤولين فيهما بمعارضة انضمام تركيا، ومنها ما يعلل السبب بوضوح، كقول مرشح الاتحاد المسيحي من الحزبين المنصب المستشار إدموند شتويبر: «ليست تركيا جزءًا من مجتمع القيم الأوروبي»، أو زميله لورانس ماير أمين سر الحزب المسيحي الديمقراطي: «إذا انضمت تركيا فستكون جسمًا غريبًا في الاتحاد الأوروبي».
ولا يختلف «جوهر» هذه المواقف الصادرة عن معارضي الانضمام، عن جوهر مواقف المؤيدين سياسيًا، فهؤلاء أيضًا، لا يقصدون في تأييدهم انضمام تركيا، أن يتم وهي على وضعها الراهن كدولة ذات غالبية سكانية لا تتخلى عن انتمائها الإسلامي، بغض النظر عن نوعية الحكم فيها، وهو مما أثبتته العقود الماضية، إنما يتردد على ألسنة أولئك المؤيدين مثل ما جاء في تصريح لوزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر من حزب الخضر الذي قال إن مفاوضات الانضمام إذا بدأت فستستغرق «وقتًا طويلًا جدًا جدًا» ويأتي الشرح على لسان زميله نائب كتلة الحزب الديمقراطي الاشتراكي جيرنوت إيرلر، بأن تركيا التي قد تنضم إلى الاتحاد الأوروبي بعد ١٥-٢٠ سنة أو أكثر لن تكون «تركيا التي نعرفها اليوم».
ويرسخ الاعتقاد بأن المقصود هو استحالة الانضمام بحد ذاته، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أصحاب تلك التصريحات يعلمون استحالة تحقيق هذا الشرط القائم على أن تنتزع تركيا نفسها من انتمائها الحضاري والثقافي عقيدة وتاريخيًا، وهو المطلوب كشرط ضمني ثابت إن لم يكن شرطًا مطروحًا في صيغة سياسية واضحة ومباشرة.
هلموت شميت: انضمامها يقيد حرية الاتحاد في سياسته الخارجية
إدموند شتويبر: ليست جزءً من مجتمع القيم الأوروبي
الدعاوى التي ارتكز عليها الاتحاد في تأصيل مناقشة الطلب التركي متهاوية وتكشفها الموافقة غير المشروطة التي وافق بها على ضم الدول العشر الأخرى
جيسكار ديستان: انضمامها نهاية الاتحاد
تركيا التي يريدها الاتحاد الأوروبي هي «المتنكرة» لانتمائها الإسلامي
وشبيه بهذه المواقف ما يمكن أن نرصده أيضًا من جانب المعارضين والمؤيدين على مستوى بقية الدول الأوروبية، بما يعيد المشكلة إلى محورها الحقيقي الكامن في اختلاف القيم لا اختلاف ممارسات الحكم أو مستويات الازدهار الاقتصادي وقد اشتهر من ذلك مؤخرًا قول جيسكار ديستان الرئيس الفرنسي الأسبق ورئيس لجنة صياغة الدستور الأوروبي حاليًا، عندما اعتبر انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي نهاية الاتحاد نفسه. وأشار إلى ٩٥% من سكان تركيا يوجدون مع عاصمتهم خارج أوروبا، ليستكمل بذلك حلقة طويلة من المواقف والتصريحات الأوروبية، كالموقف الصادر عن مؤتمر الأحزاب المسيحية والمحافظة قبل عشرة أعوام بمعارضة الانضمام ورافقه آنذاك قول المستشار الألماني السابق هلموت كول: «لم أتعلم في المدرسة أن تركيا بلد أوروبي».
وهنا لا يستهان بالقول إن من أسباب التخوف من انضمام تركيا إلى الاتحاد أيضًا توقعات رسمية تقول إن تركيا ستصبح بعد عقدين من الزمن فقط أكبر دول «الاتحاد الأوروبي»، سكانًا.
أرجوحة المناورات السياسية
في متابعة قضية تركيا والاتحاد الأوروبي خلط كبير:
بين هذا المحور الثابت المرتبط باختلاف القيم الإسلامية عن الغربية، وذلك في المنطلقات الأوروبية المشتركة ما بين المؤيدين والمعارضين. وبين محاور متعددة أخرى تلعب دورها في تحديد «المواقف السياسية الرسمية»، بما يراعي متطلبات الظروف الآنية المتقلبة، ولكن دون أن تتناقض النتيجة مع المحور الثابت نفسه، ومن هنا اكتسبت سائر المواقف الأوروبية من قضية الانضمام التركي وباستمرار صبغة المماطلة والتسويف، دون الرفض المباشر والقاطع، كي يستمر الحصول بالمقابل على ما يمكن الحصول عليه من السياسات التركية الموالية للغرب، طالما بقي «أمل الانتماء إلى الغرب» هو الذي يحكم السياسة العلمانية المهيمنة على تركيا.
أول ما بدأ التجاوب مع الطلب التركي دون اقترانه بوعد رسمي، كان في مطلع التسعينيات الميلادية، وكان تحت ضغوط عامل الظروف الآنية آنذاك التي تميزت بالحاجة إلى حصول تركيا العلمانية، العضو في حلف شمال الأطلسي، على دور إقليمي جديد، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي والشيوعية آنذاك.. ومع بدء التساؤل عما سيجري في البلقان ووسط آسيا.
ثم لم يتم إعطاء طلب الانضمام قيمة الترشيح للانضمام إلا عام ۱۹۹۹م، وبعد أن كادت مسألة ترشيح قبرص اليونانية لعضوية الاتحاد تسبب شرخًا «أطلسيًا»، خطيرًا مع تركيا. وبقي القرار هنا أيضًا في حدود كلام لم يقترن بالتحول إلى بداية فعلية لمسيرة الانضمام.
وبعد ما صدر عن قمة كوبنهاجن في نهاية عام ٢٠٠٢م أيضًا من قبيل الكلام دون إجراء عملي ملزم وإن تضمن «تحديد موعد». فهو موعد من أجل «إعادة النظر»، فحسب في إمكان بدء مفاوضات الانضمام بعد فترة أخرى معينة، ولا يعبر هذا الموقف الجديد عن «تغير» ما في المسيرة الأوروبية التركية ولكن يعبر فقط عن ضغوط الظروف الآنية، التي تتميز بالحاجة إلى ما يرضي تركيا بما فيه الكفاية لضمان الحفاظ على دور إقليمي معين لها، وهي المتقلبة ما بين علمانية عسكرية وتوجه سياسي إسلامي يحتمل أن يفرض نفسه.
على الدوام لم يتعد الموقف الأوروبي صيغة المناورة السياسية، وإن حمل عنوان «قرار». ولم يقترب بتركيا من يوم الانضمام على الصعيد الاقتصادي على الأقل، ذلك إذا قارنا بين ما قدمه الاتحاد الأوروبي، وشارك فيه بنفسه من أجل الوصول بالدول «الشيوعية سابقًا»، إلى مستوى اقتصادي يسهل انضمامها إليه، وبين ما صنعه في الاتجاه نفسه مع تركيا التي تتبنى الرأسمالية الغربية من الأصل، وكانت أوضاعها قبل عشرة أعوام أفضل بما لا يقارن من أوضاع غالبية الدول الشيوعية السابقة التي تقرر الآن أنها توفر الشروط الاقتصادية ليكتمل انضمامها عام ٢٠٠٤م.
وحتى مشكلة «العمال الأتراك»، التي كثيرًا ما طرحت كعامل إضافي لامتناع الدول الأوربية عن ضم تركيا إلى اتحادها، وقيل إن فتح الأبواب وإسقاط الحدود سيحمل البلدان الأوروبية الأعضاء حاليًا عبئًا كبيرًا في سوق اليد العاملة.. هذه المشكلة تبدو بصورة أخرى عند النظر إليها عبر اعتبار من الاعتبارات التالية:
1. أن فتح الحدود واكتمال الانضمام لا يبدأ بالنسبة إلى أي دولة جديدة إلا بعد توفير الشروط الاقتصادية. أي بعد أن يتقارب مستوى الأوضاع الاقتصادية ومستوى الأجور، مع انتشار الاستثمارات عبر الحدود الوطنية، وذلك إلى درجة تجعل مشكلة «هجرة العمال» من بلد إلى آخر داخل الاتحاد الأوروبي تتقلص إلى حد أدنى. وكانت هذه المشكلة قائمة عند انضمام إسبانيا واليونان والبرتغال وستقوم أيضًا بالنسبة إلى الدول العشرة الجديدة. ولم تكن سببًا في رفض الانضمام، أو المماطلة فيه، بل كانت سببًا في العمل على تقليصها فحسب.
2. لا تخلو معاهدة انضمام مع دولة جديدة من اتفاقات جانبية تركز بصورة خاصة على استكمال التقارب المطلوب في الميادين التي لا يتحقق التقارب فيها حتى موعد الانضمام، وهو ما يسري بالنسبة إلى السياسة الزراعية على الدول العشر الجديدة مثلًا، ويسري أيضًا على تعامل ألمانيا مع العمال من البلدان المجاورة لها جغرافيًا أيضًا. ويمكن أن يجد حلًا له بالنسبة لتركيا أيضًا عندما تتوافر الإرادة السياسية.
3. أن الوضع الاقتصادي التركي أفضل بما لا يقارن من وضع رومانيا أو بلغاريا، ومع ذلك كان الوعد بانضمامها عام ٢٠٠٧م، أوضح صياغة ومضمونًا بكثير مما يقال لتركيا، كما أن تقديم العون للبلدين جار على قدم وساق. بل إن الاتحاد سينفق بصورة مباشرة وخلال سنوات ثلاث فقط أكثر من ٢٥ مليار يورو على الدول العشر الجديدة، ويعفيها من تسديد حصص مالية بقيمة ١٥ مليارًا أخرى، ولم تمنعه الأوضاع الاقتصادية الصعبة في كثير من أعضائه من اتخاذ القرار بهذه النفقات الضخمة. ليتوسع شرقًا وجنوبًا، ولا تحتاج تركيا إلى تعامل «أصعب» بكثير من الناحية الاقتصادية، إذا ما توافرت النية الفعلية لقبولها في «النادي الأوروبي».
إن ما ينبغي تثبيته عند تقويم المواقف الأوروبية من طلب الانضمام التركي هو الاختلاف الجذري بين سلوكين سياسيين:
- يسري الأول على غير تركيا، وينطلق من وجود عقبات سياسية واقتصادية وقانونية ومالية يجب التغلب عليها، ليتحقق الانضمام. بعد اعتباره هدفًا ثابتًا.
- والسلوك السياسي الذي تجري ممارسته مع تركيا، وينطلق من وجود «مانع» ثابت من الانضمام يكمن في اختلاف القيم وتفرض لغة المصالح السياسية عدم إعلان الرفض المطلق، فيتخذ من العقبات نفسها الموجودة أيضًا مع تركيا وسواها. كعذر لعدم الاستجابة لطلب الانضمام مع ادعاء الرغبة في الاستجابة له.
حدود الخلافات وخلفياتها
عند الحديث عن مؤيد ومعارض لانضمام تركيا إلى الاتحاد، لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أنه لا يوجد داخل الاتحاد الأوروبي أي دولة عضو تقول بإمكان انضمام تركيا مع الدول العشر الأخرى التي يكتمل انضمامها في منتصف عام ٢٠٠٤م، أو حتى مع دولتي بلغاريا ورومانيا اللتين من المفروض أن يكتمل انضمامهما عام ٢٠٠٧م.
إنما تتفاوت المواقف الأوروبية تجاه طلب الانضمام التركي تفاوتًا نسبيًا، ويكشف التأمل في خلفيات هذه المواقف، أنها ترتبط بأسباب أخرى لا علاقة لها غالبًا بمدى توفير شروط الانضمام أو عدم توفيرها في تركيا. وكان في مقدمة الدول المؤيدة لإعطاء «وعد» أكثر تحديدًا بشأن المفاوضات -لا الانضمام- كل من بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، ويمكن الربط بين هذا الموقف وبين تلاقي السياسات الأمريكية الراهنة بالنسبة إلى دور تركيا إقليميًا مع سياسات الدول الثلاث الأكثر من سواها داخل الاتحاد الأوروبي، فكان موقفها يرتكز جزئيًا على الأقل على تلبية الإلحاح الأمريكي مؤخرًا ألا يتحول الرفض الأوروبي المتكرر لتركيا إلى أزمة تنعكس سلبيًا على حلف شمال الأطلسي من جهة ودور تركيا إقليميًا من جهة أخرى.
بينما كانت أشد درجات المعارضة من جانب النمسا وفنلندا وهولندا، وهو ما لا يجد تفسيرًا إذا اقتصر البحث عن السبب في نطاق شروط الانضمام المطروحة رسميًا، وقد تلعب العوامل التاريخية لدى النمسا دورها، بينما يبدو أن غياب عامل سياسي وقتي أو آني، له علاقة بتركيا من وراء صناعة القرار في فنلندا وهولندا هو ما جعل رفضهما المباشر واضحًا للعيان. أي بما يعكس مفعول تناقض القيم والمعطيات الحضارية من الأساس.
ولكن كان أهم ما لفت النظر دور المحور الفرنسي الألماني في التوصل إلى صيغة وسطية للجواب الأوروبي، ويبدو أن حرص الدولتين على ألا يصل الأمر مع تركيا إلى درجة القطيعة أو المواجهة، صدر عن رغبتهما في أن تتخذ تركيا موقفًا إيجابيًا في نطاق المفاوضات الأطلسية - الأوروبية حول استخدام المنشآت العسكرية الأطلسية من جانب فرقة تدخل سريع عسكرية أوروبية، وكان هذا الخلاف آخر العقبات في طريق اكتمال تشكيلها في عام ٢٠٠٣م. ومن المعروف أن فرنسا وألمانيا هما أشد الدول الأوروبية حماسًا لهذا المشروع، وعملًا من أجله على طريق التميز العسكري والسياسي عن الولايات المتحدة الأمريكية.
ولكن ليس صحيحًا أن الاقتراح الثنائي على قمة كوبنهاجن كان أفضل بكثير من القرار الذي صدر في نهايتها، فالاقتراح لم يتجاوز تحديد موعد للنظر في توافر الشروط المطلوبة، ليتقرر في ضوء ذلك تحديد موعد بدء المفاوضات.. وكانت أنقرة تطالب حتى اللحظة الأخيرة بأن يكون الموعدان قبل منتصف عام ٢٠٠٤م، ولكن سواء الاقتراح الثنائي أو الموقف الأوروبي النهائي جعلا موعد تقويم الوضع في تركيا في نهاية عام ٢٠٠٤م، وهو ما يعني أن (٢٥) دولة، من بينها قبرص مثلًا، وليس الدول الخمس عشرة الأعضاء حاليًا فقط، ستنظر في مدى توافر تلك الشروط.
لماذا يترك الاتحاد الأوروبي الباب مواربًا من دون قرار حاسم برفض الطلب التركي أو موافقة واضحة. وما دور الولايات المتحدة في ذلك؟
أوراق الضغط التركية ثبت افتقارها إلى قيمة حقيقية تضيف جديدًا لمساعدة أنقرة
موقف تركي جديد؟.
من التحليلات التي راهنت على وجود أوراق في يد تركيا تستطيع استخدامها في الضغط على الأوروبيين، تحليلات كانت تفتقر إلى تقدير القيمة الحقيقية لوزن هذه الأوراق من جهة، وتفتقر من جهة أخرى إلى التمييز بين مفعول هذه الأوراق قبل قمة كوبنهاجن وبعدها. ومنها:
1. ورقة «المفاوضات الأوروبية - الأطلسية» التي ترتكز أهمية الموقف التركي فيها على أن المنشآت الأطلسية المراد استخدامها من جانب فرقة التدخل السريع الأوروبية موجودة في تركيا بالدرجة الأولى. ولكن لم يبق من فاعلية الضغوط من وراء هذه الورقة ما يستحق الذكر. فمن قبل أن ينفض المجتمعون في كوبنهاجن، أعطت تركيا موافقتها على حل وسطي أنهى الخلاف القائم منذ عامين.
2. ورقة المفاوضات القبرصية والتأثير المباشر على القبارصة الأتراك. ولكن لم يكد المسؤولون من الحكومة التركية الجديدة يعودون من كوبنهاجن إلى أنقره بخفي حنين، حتى سارعوا -وبصورة فاجأت الدول الأوروبية- إلى تحميل حليف أنقرة، وزعيم القبارصة الأتراك، رؤوف دنكطاش مسؤولية الإخفاق في التوصل إلى اتفاق في المحادثات القبرصية -القبرصية التي جرت على هامش قمة كوبنهاجن بوساطة من الأمم المتحدة.
3. وتظهر في التحليلات الإعلامية العربية على وجه التخصيص أقوال تعطي الضغوط الأمريكية على الأوروبيين لصالح طلب الانضمام التركي، ما يتجاوز مفعولها الحقيقي، فمع تأثيرها النسبي كما سبق الحديث يبقى أن الجواب الواضح عليها في قول المفوض الأوروبي كريس باتون متهكمًا: «هذا سخاء كبير من أمريكا أن تعرض على تركيا العضوية في الاتحاد الأوروبي، ولكن أمريكا ليست عضو في الاتحاد».
4. ولكن يبدو أن أهم الأوراق في يد أنقرة كانت ورقة الأوضاع الداخلية والتلويح المتكرر من جانب الساسة العلمانيين بأن استمرار إغلاق الأبواب الأوروبية سيزيد من قوة الإسلاميين الذين يعارضون انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي أصلًا والواقع أن الدول الأوروبية كانت تنشط بوضوح قبل حلول موعد كل انتخابات نيابية في تركيا، فتقدم على خطوة أخرى من خطوات «الترضية والمماطلة». وهو ما تكرر قبيل قمة كوينها جن بسلسلة من التصريحات عن مشروع ألماني - فرنسي يتجاوب مع الرغبات الرسمية التركية ولكن ورقة الأوضاع الداخلية لم تعد تلعب دورًا كبيرًا أيضًا، منذ ظهر للأوروبيين أكثر من ذي قبل، أن عوامل الفساد والإخفاق الاقتصادي وتدهور المعيشة، وغيرها كانت تلعب: دورًا كبيرًا في انهيار الأحزاب العلمانية واحدًا بعد الآخر، وصعود الإسلاميين داخل نطاق ظروف مشددة ضدهم بما لا تعرف شبيها له أي دولة ديمقراطية». وفي الانتخابات الأخيرة بالذات أسقط حزب العدالة والتنمية مفعول الورقة المذكورة بتبنيه سياسة تحدد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي هدفًا.
رغم ما سبق، يمكن في ضوء المواقف والتصريحات الأخرى الصادرة عن الحزب نفسه القول إن ما يطرحه هو انتماء إلى العالم الإسلامي لا يتعارض مع الانضمام السياسي والاقتصادي إلى الاتحاد الأوروبي. وسيبقى ذلك -إذا صح فعلًا- رهنًا بتطور الموقف الأوروبي، فهذا الانضمام مع الحفاظ على الانتماء الإسلامي هو بالذات ما لا يريده الأوروبيون، كما تثبت مواقفهم وفق الأمثلة المذكورة في بداية هذا المقال.
كما يبقى على وجه الاحتمال أن حزب العدالة والتنمية سيتابع تمسكه بمطلب الانضمام إلى أوروبا فترة من الزمن، قد تؤدي خلالها ورقة طلب الانضمام هذه دورها داخل تركيا، فتدفع العلمانية العسكرية إلى القبول بإدخال مزيد من التعديلات في اتجاه ضمان الحريات والحقوق التي يعتبر الاتجاه الإسلامي هو الأشد تضررًا من عدم ضمانها. ثم مع الإصرار المنتظر من جانب الاتحاد الأوروبي على عدم تلبية طلب الانضمام، يمكن للحزب -إذا صح ما يقال عنه من جهة ولم تلجأ الدبابات إلى إسقاطه من جهة أخرى- أن يعلن وهو يقف على أرضية صلبة. لقد مضينا إلى آخر الطريق مع الأوروبيين وهم يرفضون، وأن الأوان لإغلاق ملف طلب الانضمام وممارسة سياسة تركية لا تفصل ما بين تركيا وجذورها العقدية والتاريخية والحضارية وتعبر عن واقع شعبها المسلم في العالم المعاصر.
مرحلة حرجة
وانتهى الأمر بعجز تركيا عن الحصول على موعد مبكر لبدء مفاوضات العضوية التامة في الاتحاد الأوروبي. وعلى أنقرة التباحث في عام ٢٠٠٥ مع ٢٥ دولة عضو «بينها الشطر اليوناني من قبرص» بدلًا من الأعضاء الحاليين الـ ١٥ ولهذه السلبية أسباب قسم منها نابع من الاتحاد الأوروبي والقسم الآخر خاص بتركيا.
وسيكون عاما ۲۰۰۳ و ٢٠٠٤ مشحونين ببرامج مكثفة جدًا منها تحقيق انسجام الأعضاء العشرة الجدد مع بنية الاتحاد والأعباء المالية لهذه العملية والانتخابات العامة والاستفتاءات الشعبية ومصادقة برلمانات الدول الجديدة إلى جانب ذلك فإن القرار الصادر عن الاتحاد الأوروبي بشأن موعد انضمام تركيا إلى النادي الأوروبي كان بمثابة استعراض عضلات لمحور ألمانيا - فرنسا، والأهم من زاوية توازن القوى العالمية أنه كان تحديًا كبيرًا من أوروبا لأمريكا، وسنرى كيف ستقوم أمريكا بإصلاح الشرخ الذي أصاب سمعتها كدولة عظمى عجزت عن دعم حليفة لها.
أما الأسباب الخاصة بتركيا فأهمها الشكوك التي ساورت أوروبا من جدية الإصلاحات والتعديلات القانونية التي تمت المصادقة عليها في عهد الحكومة السابقة بتاريخ 3 أغسطس الماضي لأنها صدرت في الأيام الأخيرة من عمر حكومة أجاويد الواقفة على عتبة انتخابات عامة كانت جميع المؤشرات تؤكد استحالة فوز أحزابها فيها، كما رفض القضاء الانصياع للتعديل الذي أجري على المادة ۳۱۲ المتعلقة بحرية الرأي والتعبير الصادر من قبل الجهاز التشريعي، وما زالت أصداء هذا القول من رئيس الوزراء اليوناني كوستاس سميتس لزعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان تتردد في الأذهان: لو كانت معايير كوبنهاجن قد طبقت أكان أردوغان سيقف في هذا الموقف؟».
وتناقلت أجهزة الإعلام المحلية والأجنبية تصريحات لمسؤولي الاتحاد الأوروبي حول الدور السياسي الذي يلعبه العسكر في تركيا. وعليه فإن الصعوبة الأساسية تكمن في مدى تبني وتنفيذ المؤسسات للإصلاحات الصادرة من الجهاز التشريعي أي مجلس الأمة وبالتالي هل تستطيع تركيا نقل حريات المعتقد والرأي وغيرها من الورق إلى حيز التنفيذ والعمل لكي تضمن أن يكون تقرير الاتحاد الأوروبي في ۲۰۰۳ لصالحها وهو التقرير الذي سيستند إليه تقرير عام ٢٠٠٤ وقرار بدء مفاوضات العضوية التامة؟ لا ريب أن انجراف البرلمان والحكومة -وهما يمثلان الإرادة السياسية- إلى صراع مع مؤسسات الدولة سيؤثر تأثيرًا سيئًا على موقف أنقرة.
الصعوبة الثانية هي قضية قبرص فشريحة كبيرة من القبارصة الأتراك الذين سنموا من الانعزال عن العالم الخارجي ومن المتاعب الاقتصادية أصبحوا ينظمون المظاهرات والاجتماعات الشعبية لصالح مشروع الأمم المتحدة المتعلق بتسوية القضية القبرصية. وفي حال عدم استجابة أنقرة ورؤوف دنكطاش لهذه المطالب فإن من المحتمل ظهور مشكلات جدية بين الجانبين.
الضوء الوحيد في هذا المجال هو قبول الطرفين القبرصيين التركي واليوناني مواصلة المحادثات حتى الثامن والعشرين من فبراير المقبل. والمشكلة ستثور إذا استحال الوصول إلى الحل المنشود حتى ذلك التاريخ، ناهيك عن القضية العراقية التي ستطرح أمام تركيا قريبًا. وكما امتنع الاتحاد الأوروبي عن تحديد موعد قاطع لتركيا وحصل على ما يريده في قبرص فإن واشنطن بدورها ستسعى لانتزاع ما تريد من تركيا في هذا المجال، وتقول مختلف المصادر إنها تروم حشد عشرات الألوف من الجنود الأمريكان على الحدود التركية - العراقية واستخدام كل القواعد والمطارات والموانئ التركية دون إذن مسبق، قبول هذه المطالب لا يعني غير انجراف تركيا إلى الحرب فهل ستقبل أنقرة بمثل هذا الشيء؟ وكانت واشنطن قد عرضت «حسب تصريح لبولند أجاويد» هذه المطالب على الحكومة السابقة غير أنها لم تلق استجابة منها. وبقيت هذه المطالب إلى عهد حكومة حزب العدالة والتنمية، وهذا يوضح سبب الترحاب الكبير الذي لقيه أردوغان في واشنطن والدعوة الموجهة من الرئيس جورج بوش إلى عبد الله جول لزيارة الولايات المتحدة.
خلاصة القول أن الاتحاد الأوروبي لم يبد التجاوب والدعم وحسن النية المأمول بل أعطى الأولوية لمشكلاته الداخلية، والنتيجة ليست سيئة تمامًا صحيح أن تركيا اقتربت أكثر من الاتحاد الأوروبي وحصلت -على الأقل- على «موعد» إلا أن الهدف الذي تتوخاه أنقرة هدف كبير. عليها الاستعداد التام للوصول إليه.
خدمة وكالة جهان للأنباء- إسطنبول