العنوان شارون والقفز للغلاف الإقليمي
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 25-أكتوبر-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1574
نشر في الصفحة 30
السبت 25-أكتوبر-2003
«صراع المئة عام لم يتوقف» كما يقول المحلل الصحفي الصهيوني موشيه حازاني في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية لأنه وفقًا لمصطلح الشعور الإقليمي، فإن الشعوب لا تحب استيطان الغرباء في أقاليمها.. ولأن كل مجموعة تطمح إلى طرد الغريب من منطقتها.
المعادلة أعلاه تنطبق تمامًا على الوجود الصهيوني في فلسطين، تعززها مفردات الجغرافيا والديموجرافيا والحساسية التاريخية، وفوق ذلك تناقض قيم المقدس بين طرفي الصراع. ورغم ذلك يستمر قادة المشروع الصهيوني في إدارة الصراع في محاولة لصناعة فرص البقاء، لكنهم لم يقفوا عند نقطة أخطر من اللحظة الراهنة مجسدة في التهديد الإستراتيجي الذي خلقته انتفاضة الأقصى على وجود المشروع ومستقبله. والدهشة أن التخطيط الذي أستهدف تعرية القضية الفلسطينية من بُعديها الإسلامي والعربي وحصرها في الإطار الفلسطيني من خلال صناعة قيادة محلية متكيفة مع إستراتيجية المشروع الصهيوني عبر قنطرة أوسلو -التي نسفها أكثر من ٢٥٥ استشهاديًا فلسطينيًا في انتفاضة الأقصى- وصل إلى أفق مسدود، بل إن هذا الابتكار الذي أبدعه الفكر السياسي الصهيوني لتجاوز عقدة الصراع تحول إلى لغم هائل فجر الصراع من جديد وأظهر زوايا التناقض بين طرفي الصراع على نحو غير مسبوق.
ولأن تداعيات الصراع الدائر حاليًا في الساحة الفلسطينية هي التي تخلق الوجع الحقيقي للمشروع الصهيوني وتتهدده إستراتيجيًا، فقد أنتج المخططون الأمنيون والسياسيون عدة تكتيكات للمواجهة في خضم هذا الصراع سعيًا لحسمه تجاه كسر الإرادة الفلسطينية ومنعًا لتحقيق أي انتصار فلسطيني مهما كان حجمه خوفًا من يصبح -في إطار الصراع الطويل- تحولًا إستراتيجيًا إيجابيًا لصالح الطرف الفلسطيني على نحو تجربة جنوب لبنان.
حينما انفجرت الانتفاضة في عهد حزب العمل في حقبة باراك تم اعتماد تكتيك ضرب بنى السُلطة التحتية سعيًا لإرضاخها وإرجاعها إلى قواعد لعبة أوسلو، واستمرت هذه المنهجية حتى بدايات حكومة الوحدة الوطنية التي جمعت شارون وبيريز وبن أليعازر لكنها لم تكن ناجعة واستمرت المقاومة في زخمها، فاتجهت المعالجة بعد ذلك في الحقبة الليكودية على يد شارون وبقية رأس المثلث الدموي، يعلون وموفاز، وحتى قبل ذلك نحو المنحى الأمني الصرف فاندفعت حملة الدرع الواقي في الضفة الغربية واقتلعت رموز أوسلو وعملت في صعيد آخر على استهداف بني المقاومة في محاولة لاقتلاعها، وفي هذه المرحلة استخدم الجيش الصهيوني أقسى درجات القوة متمثلة بمذبحة مخيم جنين والقبور الجماعية في رام الله وغيرها من المدن والمخيمات. وأمعن الاحتلال في فرض هذه السياسة الأمنية القاسية بتكثيف الحواجز حول المدن والتجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى معازل محاصرة.
في مرحلة لاحقة عملت الأجهزة الأمنية على تكثيف استهداف القادة الأمنيين لتعطيل مفعول القنابل المتكتكة «الاستشهاديون» كما يعبر عنها في الإعلام العبري لكن الدوائر الأمنية الصهيونية عجزت أمام قدرة المقاومة على تجديد قواعدها الميدانية وتكيفها مع الضربات وقدرتها على امتصاصها.
ونظرًا للمأزق الأمني وضغط الشارع الصهيوني مترافقًا مع التحولات التي طرأت على إثر احتلال العراق انتقلت أجهزت الأمن الصهيونية إلى لعبة جديدة وفقًا لنظرية «دغان» الداعية لإلغاء الفوارق بين القيادات السياسية والعسكرية للمقاومة، وعلى قاعدتها تم استهداف القادة السياسيين الكبار أمثال الشهيد إسماعيل أبو شنب ود. محمود الزهار والشيخ أحمد ياسين. لكن حفظ الله أولًا ثم الاحترازات الأمنية التي أتخذها هؤلاء القادة وفشل عدة محاولات في استهدافهم بالإضافة إلى ردات فعل المقاومة أربكت قوة الردع الصهيوني وأحرجت القادة الأمنيين أمام الشارع الصهيوني.
وأثناء ذلك عمل الكيان الصهيوني بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية على إرساء إستراتيجية الحصار المتمثلة في الضغط على الدول العربية لتقطيع شريان الإمداد الخيري عبر المؤسسات الأهلية العربية لتركيع الشعب الفلسطيني وكسر إرادته وكذلك الضغط على السُلطة لتجميد حسابات الجمعيات الخيرية خاصة في غزة بحجة محاربة حماس.
كل الإجراءات الآنفة رغم قسوتها لم تخضع المقاومة، وبالعكس كانت ردودها مزلزلة في عمق الكيان الصهيوني، مما أوقع الأجهزة الأمنية الصهيونية في حيرة وإرباك.
وعلى إثر عملية الاستشهادية هنادي جرادات في حيفا مؤخرًا قفر شارون من فوق كل الخيارات المحلية باتجاه الغلاف الإقليمي نحو سورية رغبة في خلط الأوراق وهربًا من الأزمة الداخلية وربما تنفيذًا لإستراتيجية مشتركة مع الولايات المتحدة لإخضاع دمشق.
الخطوة الإقليمية في «عين الصاحب» ليست نشازًا بل هي تعبير منسجم مع فلسفة السياسة الليكودية التي تؤمن بأن ضرب الغلاف الإقليمي هو مفتاح لإخضاع القلب الفلسطيني، وهي ترجمة عملية صادقة لنظرية جابوتنسكي «الستار الحديدي».
ولكن هل يقف شارون عند هذه النقطة تجاه سورية أم يتعداها لأبعاد أخرى؟، المؤشرات تنبئ أن قفزته ربما تكون أكثر جموحًا في ظل توافق الأجندتين الصهيونية والأمريكية في الوقت الراهن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل