; أثر الفن الإسلامي في فنون الغرب | مجلة المجتمع

العنوان أثر الفن الإسلامي في فنون الغرب

الكاتب محمود صقر

تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2012

مشاهدات 69

نشر في العدد 2030

نشر في الصفحة 46

السبت 08-ديسمبر-2012

  • كان مصدر إلهام للفنان الغربي عبر حركة الاستشراق التي اطلع فيها على آثار المسلمين ومن خلال المعارض التي تجولت في أوروبا.
  • الفنان بيكاسو ، أقصى نقطة أردت الوصول إليها في فن التصوير سبقني الخط العربي إليها منذ زمن بعيد.
  • «مراد هوفمان» : من بين أسباب اعتناقي للإسلام إعجابي وتأثري الشديد بجمال الفن الإسلامي.

«بيكاسو» .. أحد أشهر الفنانين التشكيليين في القرن العشرين وينسب إليه فضل تأسيس إحدى مدارس الفن الحديث وهي المدرسة التكعيبية .. يقول عن فن الخط العربي ، إن أقصى نقطة أردت الوصول إليها في فن التصوير وجدت الخط الإسلامي قد سبقني إليها منذ زمن بعيد.

من الطبيعي أن تصدر هذه الشهادة من بيكاسو لأنه نشأ في إسبانيا، ومن المؤكد أنه تغدى بصريًّا على آثار الإسلام الموجودة في بلاد الأندلس، ومن ناحية أخرى لأنه أحد فناني العصر الحديث المتمردين على الموروث الفني السائد في أوروبا الذي كان يقوم على المحاكاة، فكان من الطبيعي أن يمثل الفن التشكيلي التجريدي الإسلامي مصدر إلهام أو على الأقل محل تقدير من «بيكاسو»، لقد ظل الفن التشكيلي الأوروبي طوال تاريخه الطويل مرتبطًا بالواقع المرئي تمام الارتباط واتخذ الفن صورا مختلفة وأطوارا متتالية من الكلاسيكية إلى الرومانسية ثم الواقعية، حتى المدرسة التأثيرية التي هي آخر حلقات تطور فن المطابقة والمحاكاة قبل ثورة الفن الحديث. وقف الفنان الغربي في أواخر القرن التاسع عشر متأملا في فنه، متسائلا: ما القيمة الإبداعية الجمالية المضافة إذا استمر الفن التشكيلي عبارة عن محاكاة للطبيعة، خاصة وأن بداية ظهور آلة التصوير الفوتوغرافي بدأت في منتصف القرن التاسع عشر، فإن كانت آلة تستطيع أن تفعل ما أفعله فما قيمتي مهما بلغت دقتي في نقل الواقع؟ ومن هنا وجد الفنان نفسه أمام حتمية التغيير والتعبير بشكل إبداعي.

التأثر بفلاسفة الجمال

وساعد على ذلك أيضًا تأثر الفنان بآراء فلاسفة الجمال في العصر الحديث، ومنها النظرية «الفيثاغورثية» في الجمال، التي ترى أن الجمال المثالي الخالد في هذا الكون يقوم على نسب هندسية دقيقة، وعلاقات رياضية محكمة.

ونظرية «عمانويل» في الظاهر والحقيقة والتي تدعو الفنان أن يتخطى الشكل ويركز في المضمون.

بل تأثر كذلك بنظرية «سيجمان فرويد» عن اللاشعور، وهذه النظرية تقوم على دراسة أعماق النفس البشرية والنفاذ إلى أغوار اللاشعور وما يصدر عنه من رؤى وتصورات رمزية حالمة وغامضة أيضا .

 ومن هنا نشأت مدارس الفن الحديث التي تجمعها فكرة البعد عن المحاكاة، وتفرقها نظرتها لفلسفة الجمال والفن ف المدرسة التكعيبية ترد الأشكال الطبيعية إلى أصولها من الأشكال الهندسية والمدرسة السيريالية تستمد الجمال الفني من عالم اللاشعور البعيد عن الصور المشاهدة في عالم الواقع... وهكذا  

ونحن لا نقول هنا : إن الفنانين الغربيين تتلمذوا على أيدي الفنانين المسلمين، ولكن حينما بدؤوا مسيرتهم في تجديد الفن الموروث عبر آلاف السنين، وجدوا الفن الإسلامي قد سبقهم بمراحل، وهو ما عبر عنه «بيكاسو»، كما ذكرنا في بداية المقال.

فكان الفن الإسلامي مصدر إلهام للفنان الغربي، عبر حركة الاستشراق التي أطلع فيها فنانو الغرب على آثار المسلمين، ومن خلال معارض الفن الإسلامي التي تجولت في ربوع أوروبا.

معرض إسلامي

وقد عاصر زكي نجيب محمود معرضًا للفنون الإسلامية في «لندن»، فقال معلقا على ما قرأه من نقاد الغرب: هنا أقرأ لنقاد الفن ذوي الإمكانيات المرموقة في لندن لمحات مضيئة نافذة إلى الأعماق.. ولقد كنت أقرأ ما كتبه هؤلاء النقاد فأشعر بالزهو يملأ نفسي كلما انتقلت من سطر إلى سطر، لأن كل سطر مما كتبوه جاء مفعما بشعور الدهشة لروعة ما تقع عليه أبصارهم. 

بل إن د. مراد هوفمان، السفير السابق الألمانيا في المغرب، ذكر في كتابه الطريق إلى مكة: إن من بين أسباب اختياري للإسلام، إعجابي وتأثري الشديد بجمال الفن الإسلامي، إذ اكتشفت أن الإسلام ذو طبيعة جميلة متصلة بالفن.

نعم من حقنا أن نفخر بالفن الإسلامي الخالد وندين بالعرفان لرواد هذا الفنالذين اختاروا الطريق الصعب طريق الإبداع الخلاق، فقد خالفوا الفن المألوف في العالم كله ليبدعوا هذا الفن الخالد الذي استمر في عطائه وتميزه طوال سنين مضت، وننتظر من فنانينا المبدعين أن يسيروا على خطى آبائهم الأولين.

 حرية الإبداع

وصلنا إلى بيت القصيد بعد أن تحدثنا في المقالين السابقين عن معنى الإبداع ومثل تطبيقي للإبداع، وعن خصائص الفن الإسلامي، وعن أثر الفن الإسلامي في فنون الغرب.

أن لنا أن نتحدث عن حرية الإبداع، تلك القضية التي أصبحت معركة كلامية حامية الوطيس في هذه المعركة نرى أن الإبداع تم اختصاره فقط في الفنون، ثم تم اختصاره مرة أخرى في فن التمثيل وما يتعلق به بصفة خاصة.

حسنًا، لنجاريهم ونتحدث عن فن التمثيل والإبداع فيه. 

فن التمثيل أصبح من أكثر الفنون تأثيرًا في حياة الشعوب، ومن هنا رأينا كيف أن أمريكا غزت العالم بثقافتها عبر الأفلام السينمائية.

 فقد كانت السينما الأمريكية رأس الحربة في غزو العالم ثقافياً، حتى أن «خروتشوف» الرئيس السوفييتي السابق، قال: «أنا أخشى «هوليود» أكثر من خشيتي للصواريخ الأمريكية عابرة القارات».

السينما الأمريكية سوقت لنموذج المعيشة الأمريكية بدءًا من لبس «الجينز» مرورًا بأكل «الهامبورجر»، السينما الأمريكية كانت حاضرة دومًا لخدمة السياسة الأمريكية وتحسين صورة أمريكا، فسلسلة أفلام «رامبو» أنقذت سمعة الجيش الأمريكي التي تمرغت في وحل فيتنام، عن طريق تصوير القدرات الجسمانية والبطولية الخارقة للجندي الأمريكي، وتصوير الفيتناميين على أنهم شعب همجي متوحش وفيلم «بيرل هاربر» يقابل وحشية أمريكا بضرب اليابان بالقنابل الذرية بتصوير الجيش الأمريكي على أنه هو المعتدى عليه وله كل الحق في الرد على وحشية اليابانيين.

نموذج آخر

إذا كان هذا النموذج الأمريكي بما يحمله من إمكانيات ضخمة، فهناك نموذج آخر هو نموذج السينما الإيرانية التي يعتريها ما يعترينا من قلة الإمكانيات، ويزيد عليها القيود المفروضة على صناعة السينما حتى يحظر ظهور نساء غير محجبات حتى وإن كان المشهد مصورًا في غرفة النوم بين أم وأسرتها .

وبرغم قلة الإمكانيات وكثرة القيود، فقد فرضت السينما الإيرانية نفسها على الساحة الفنية الدولية حتى يكاد لا يخلو أي مهرجان دولي من حضور للسينما الإيرانية، وفي عام ۲۰۰۰م فاز الفيلم الإيراني قندهار» بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان»، وحصول المخرج الإيراني عباس كيارو ستامي على السعفة الذهبية لمهرجان كان ۱۹۹۷م. فمن الواقع الشرقي المحلي والهوية الثقافية للمجتمع استطاعت السينما الإيرانية تقديم أفلام ذات طابع إنساني تعبر عن خصوصيتها وتفردها وعدم تشبهها بأي سينما أخرى، وحازت عالميتها من هذه البوابة، لتثبت أنه بالعقول لا بالأموال، وبالابتكار لا بالتقليد تستطيع أن تفرض احترامك على الآخرين. فهل لنا أن نسأل أصحاب الصوت العالي والحضور الإعلامي الطاغي ممن احتكروا وصف فنان على من يمارسون فن التمثيل وما يلحق به فقط، نسألهم: أين هو إبداعكم؟ وماذا قدمتم للعالم عن بلدكم؟ هل قدمتم إنتاجًا إنسانيًا يرتقي بوجدان مشاهديكم ومحبيكم؟ ماذا قدمتم من إنجازات بلدكم في حرب العاشر من رمضان أو ثورة ٢٥ يناير؟

حتى لا نعمم ونظلم القليل من المجدين نقول: إن معظمكم تاجر بفنه على حساب آلام ومعاناة شعبه بدعوى الواقعية، وتاجرتكم يفتكم على حساب الفضيلة والأخلاق، ونشر الإسفاف على أنه مطلب جماهيري يضمن لكم بيع تذاكر الشباك.

بلادكم تنتظر منكم ما ينتظره الشعب من الفن أن يكون الفن معبراً عن آمال وطموحات الشعب.

أن يكون موجهًا للرقي والتقدم والعمل، أن يكون ترجمانًا لثقافة وهوية شعب عظيم آثاره تزخر بها دول العالم دليلا على عظمته. فإن كنتم مبدعين بحق فهذا هو الطريق واعذرونا في قولنا: إنكم تتاجرون بحرية الإبداع المصلحة جيوبكم على حساب مصلحة أمتكم.

ضرينا لكم نموذجًا حديثًا بالسينما الإيرانية، وفي سلسلة المقالات السابقة ضربنا لكم المثل في الفنان الذي أسس للفن الإسلامي.

وعليه، فإننا نحن الذين نطالبكم بالإبداع الفني، ونعطيكم كامل الحرية كجمهور محب للفن، بشرط أن يكون الفن في خدمة المجتمع، وليس الفن للفن، أو الفن في خدمة الفنانين .

 

الرابط المختصر :