; نتائج قمة عمان والدار البيضاء الهزيلة ترسم ملامح الفشل في قمة القاهرة الاقتصادية | مجلة المجتمع

العنوان نتائج قمة عمان والدار البيضاء الهزيلة ترسم ملامح الفشل في قمة القاهرة الاقتصادية

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 94

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

 ● خِطط إسرائيل تضررت في ظِل حكومة نتنياهو وفكرة النظام الشرق أوسطي تراجعت.

باستثناء البُعد الاقتصادي ممثلًا في استمرار عقد القمم الاقتصادية الدولية في الدار البيضاء، ثم في عمّان، وأخيرًا في القاهرة، فإن المفاوضات على المسار متعدد الأطراف لم تتقدم خطوة للأمام، ومازالت متعثرة، ولا تتجاوز في أحسن الأحوال مجرد عقد لقاءات على فترات متعثرة، لمجموعات العمل، وهو ما يطرح تساؤلات مهمة وملحة حول مغزى الاهتمام الدولي بالجانب الاقتصادي وإهمال الجوانب الأخرى:

● فمن هي الأطراف التي استفادت وتستفيد من عقد مثل هذه القمم الاقتصادية الدورية التي تلقى دعمًا وإصرارًا على عقدها مهما كان حجم المعوقات التي تعترض سبيلها؟

● وهل نجحت قمتا عمّان والدار البيضاء في تحقيق الأهداف المطلوبة، سواء على صعيد الأهداف المعلنة رسميًّا أو على صعيد الأهداف الحقيقية غير المعلنة التي دفعت الجهات المعنية للإقدام على هذه الفكرة؟

● وهل قمة القاهرة مرشحة للنجاح ولأن تكون أفضل حالًا من سابقتيها في الدار البيضاء وعمّان؟

الأهداف والمعوقات

لقد مارست الولايات المتحدة التي أظهرت حماسًا غير عادي لفكرة عقد القسم الاقتصادية، ضغوطًا هائلة لتذليل العقبات التي اعترضت طريق القمتين السابقتين، كما لعبت دورًا مهمًا في تجاوز الخدمات الأخيرة التي سبقت قمة القاهرة وأثارت مخاوف من احتمالات عدم عقد القمة بعد تفاقم الخلافات المصرية- الإسرائيلية، وقد كان لهذه الضغوط دور مهم في إقناع بعض الأطراف المترددة أو غير المتحمسة للمشاركة في أعمال القمة للعدول عن مواقفها السلبية تجاهها، كما حدث بالنسبة لعدد من دول الخليج التي تحفظت على الفكرة ولم تكن ترغب بالمشاركة بصورة فاعلة في أعمالها.

وقد طرحت الأطراف المعنية بصورة أساسية بالقمة «الأردن ومصر وإسرائيل والسُلطة الفلسطينية» مشروعات ضخمة وطموحة خلال القمتين السابقتين اللتين نظمهما منتدى الاقتصادية العالمي في الدار البيضاء خلال الفترة من 30 / 10 – 1 / 11 1994، وفي عمان خلال الفترة من 29 – 31 / 10 / 1995.

وإذا كانت الأطراف العربية قد عوّلت كثيرًا على عقد القسم الاقتصادية وعلقت آمالًا كبيرة على إمكانية الاستفادة منها اقتصاديًّا، فإن المخططين لهذه القمم والقائمين عليها كانت لهم أهدافهم الخاصة والتي لا تتقاطع مع أهداف ورغبات الأطراف العربية، ويأتي في مقدمة هذه الأهداف:

 أولًا: تشجيع الدول العربية على المضي قُدمًا في العملية السلمية عبر تقديم الوعود لها بأن ذلك سينعكس إيجابيًّا على أوضاعها الاقتصادية وعلى حجم الاستثمارات في المنطقة، وقد تعاملت الدول العربية المعنية مباشرة بالعملية السلمية بسذاجة تدعو إلى الشفقة مع هذه الوعود والإغراءات، وتجاهلت حقيقة أن المساعدات المالية التي كانت تقدمها الأطراف الدولية كان المقصود منها دفع الدول العربية لتقديم المزيد من التنازلات على طاولة المفاوضات، وحينما كان يتم التوصل إلى اتفاقات ومعاهدات، فإن هذه المساعدات كانت تتراجع أو تتوقف لأنها فقدت مبرراتها، وهو ما يحصل الآن مع السُلطة الفلسطينية والأردن، ولو استطاعت الولايات المتحدة وقف معونتها السنوية لمصر لما ترددت في ذلك ولكن الحاجة إلى استمرار الدعم المصري للعملية السلمية وإدراك الولايات المتحدة لمدى قدرة مصر على التأثير سلبًا أو إيجابًا على مسار العملية السلمية، دفعها إلى التردد عن اتخاذ مثل هذه الخطوة التي لا تزال تطالب بها أوساط سياسية أمريكية، وقد استخدمت هذه المعونة كعامل ضغط على مصر كما ظهر ذلك قبل عدة أشهر على خلفية الموقف المصري من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وعلى خلفية الضجة الإسرائيلية على شراء مصر لبعض قطع الغيار لصواريخ أسكودو. 

ثانيًّا: إنهاء المقاطعة العربية المفروضة على «إسرائيل» في الجوانب المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية، وتطبيع العلاقات العربية- الإسرائيلية، وفتح المجال أمام «إسرائيل» للاندماج في المنطقة ومد الجسور مع دولها التي كانت تعارض حتى وقت قريب، ولتحقيق ذلك فقد ركزت قمة عمّان على تشكيل مجالس إقليمية تشارك فيها «إسرائيل» جنبًا إلى جنب مع الدول العربية، كالمجلس الإقليمي لرجال الأعمال والمؤسسة الإقليمية للسياحة.

ثالثًا: رغبة الولايات المتحدة بالتخلص من عبء، الاستمرار في تقديم الدعم والتمويل لدول المنطقة من خلال تشكيل بنك للتنمية في الشرق الأوسط يتولى القيام بهذه المهمة ويخفف الأعباء الملقاة على الولايات المتحدة في هذا المجال. رابعًا: التدشين لإقامة نظام شرق أوسطي في المنطقة يكون بديلًا عن المؤسسات العربية القائمة، ويعيد ترتيب الأوضاع بما ينسجم مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.

ولكن إلى أي مدى نجحت قمنا الدار البيضاء وعمّان في تحقيق هذه الأهداف الإسرائيلية – الأمريكية؟

قمة عمّان كقمة الدار البيضاء، كانت مجرد قمة استعراضية تظاهرية حظيت باهتمام إعلامي واسع، ولكن دون أن تتمخض عن نتائج إيجابية تعود بالنفع على الدول العربية، وكانت القمتان عبارة عن مهرجانات سياسية أكثر من كونهما مؤتمرين اقتصاديين لهما أهداف محددة.

وإذا كان الفشل هو حليف الأطراف العربية المخدوعة، فإن الأمر كان مختلفًا بالنسبة لإسرائيل التي خرجت من القمتين وقد حققت الكثير من الثمار والأهداف المرجوة، وكانت «إسرائيل» قد شاركت في أعمال القمتين السابقتين بزخم كبير تعبيرًا عن شعورها بأهمية هاتين القمتين بالنسبة لأهدافها ومصالحها.

 وبالعودة إلى الأهداف الأربعة السابقة نجد أن الهدفين الأول والثاني اللذين يخصان «إسرائيل» قد تحققا بصورة جيدة، فقد كانت الآمال العربية المعلقة على إمكانية الاستفادة من هذه القمم الاقتصادية عاملًا محفزًا لها على المضي قُدمًا في العملية السلمية رغم الشروط القاسية المفروضة عليها وتعنت «إسرائيل» في مواقفها التفاوضية، كما كان للقمتين تأثير كبير على علاقات «إسرائيل» بالعالم العربي واختراقها لعدد من الساحات والأسواق العربية التي باتت مشرعة أمام أهدافها التوسعية. 

أما الهدف الثالث المتعلق بالولايات المتحدة والخاص برغبتها في التخلص من عبء تقديم المساعدات لدول المنطقة، فإنه لم يتحقق نتيجة فشل فكرة البنك الإقليمي للتنمية الذي لا يزال متعثرًا ولم يخرج حتى الآن إلى حيز الوجود.

وعلى صعيد الهدف الرابع المتعلق بالسوق الشرق أوسطية والنظام الشرق أوسطي الذي شكل هدفًا أمريكيًّا- إسرائيليًّا مشتركًا، فإنه قد حقق تقدمًا في بداية الأمر ولكنه ما لبث أن تعثر نتيجة تعثر عملية التسوية في المنطقة.

ويمكن الوقوف عند أربعة أسباب شكلت عراقيل وعقبات أمام تحقيق نجاح معقول في إقامة النظام الشرق أوسطي، ونجاح فكرة البنك الإقليمي للتنمية، بل ونجاح القمتين السابقتين:

1- عدم التوصل إلى حالة سلام شامل مع مختلف دول المنطقة، وهو ما أدى بالتالي إلى عدم تحقيق استقرار يشجع المستثمرين على المغامرة بالاستثمار في ظل التوتر وحالة عدم الاستقرار القائمة، وهو ما فوّت على دول المنطقة فرصة تحقيق مكاسب اقتصادية مقنعة، وأدى بالتالي لعدم شعورها بتحقيق بعض ثمار السلام.

وهو ما أكده نائب رئيس الوزراء الأردني الدكتور عبد الله النسور الذي اعترف بأن هناك تباطؤًا حقيقيًّا في الوصول إلى ثمار السلام، وأضاف: «لا يستطيع أحد أن يدعي أن الأمور ازدهرت، ولكن ما هو السبب؟ السبب في هذا أن السلام أقتصر على الأردن، أي أن الاتفاقية الأردنية- الإسرائيلية لم تسبب جمودًا اقتصاديًّا، بل عدم اكتمال عملية السلام على المسارات الأخرى هو الذي كان مسؤولًا عن عدم وجود حالة سلام، لأن العالم لا يأتي إلى هذه المنطقة للاستثمار إذا كان فيها اضطراب أو قلق».

2- عدم حماس الأطراف الممولة للإسهام بفاعلية لإنجاح الخطط المرسومة لإقليم الشرق الأوسط، لأنها جاءت وفق الرؤية والتصور الأمريكي الذي لم يراعِ ولم يأخذ بعين الاعتبار مواقف تلك الأطراف التي شعرت بأن أمريكا تريد لها دورًا واحدًا وهو أن تكون بقرة حلوبًا تقدم المساعدات دون مقابل.

فالدول الأوروبية التي رضيت فيما مضى بدور الممول و«الكومبارس» وقنعت بحيز هامشي من التأثير السياسي في المنطقة وبخاصة في مجريات العملية السلمية، لم تعد قابلة أو قانعة بهذا الدور، وتصر على أن يتوازى دورها التمويلي مع دور سياسي مكافئ، وقد اختارت أن تدخل إلى المنطقة بقوة ودون استئذان من أمريكا التي تراقب بعجز وقلق هذا التطور.

واليابان لا تجد دوافع ومبررات قوية تقنعها بجدوى تقديم مساعدات كبيرة، فهي غير قادرة حتى الآن على أن تطالب بدور سياسي مكافئ، لدورها الاقتصادي في ظل التنافس الأمريكي الأوروبي، رغم رغبتها الشديدة بذلك. 

أما المصدر الرئيسي الثالث للتمويل وهو دول الخليج، فلديها أكثر من سبب يبرر عدم حماسها للتصور الأمريكي للمنطقة، فإضافة إلى تخوفات هذه الدول من الانعكاسات السلبية لعملية التطبيع على المصالح العربية المالية، فإنها تشعر بأن المستفيد الأول من بنك التنمية المقترح سيكون «إسرائيل» التي تملك مقومات استثمارية تفوق الأطراف الأخرى، ولا تزال هذه الدول حتى الآن تربط بين التقدم في مسار التطبيع وبين التقدم في العملية السلمية على بقية المسارات.

3- مقاطعة أطراف مهمة ومؤثرة ومعنية لحضور القمة، بل والمشاركة في مسار المفاوضات متعددة الأطراف ولا شك أن رفض سورية ولبنان المشاركة وتغييب العراق لأسباب سياسية كان له تأثير سلبي على نتائج تلك القمم وعلى قناعة عدد من الدول العربية وخاصة الخليجية بأهميتها. 

4- عدم تطابق مصالح الدول المعنية وتنافسها على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب المختلفة، إضافة إلى الاختلاف بينها على مكان انعقاد القمة وعلى مقرات المؤسسات المنبثقة عنها، وقد أدى هذا الخلاف الذي طفا على السطح إلى شعور العديد من الأطراف ومن بينها الدول المانحة بأن هذه الدول تتنافس على تقاسم الغنائم التي ينتظر وصولها منها. 

وإذا كانت قمتا عمّان والدار البيضاء قد فشلتا في تحقيق إنجازات مهمة على صعيد المنطقة، فإن التوقعات تشير إلى أن قمة القاهرة مرشحة للخروج بنفس النتائج، بل إن الآمال المعلقة عليها أقل كثيرًا مما كان عليه الأمر في القمتين السابقتين، حيث إن مجرد انعقادها في الموعد المحدد كان مدار خلاف، ويسود شعور بأن انعقادها يأتي من قبيل رفع العتب، مع القناعة بأنها لن تنجح في الخروج بنتائج مختلفة عن سابقتيها، ولكن الولايات المتحدة تدرك أن عدم عقدها كما هو مقرر سيكون له انعكاسات سلبية إضافية على عملية التسوية المتعثرة أصلًا.

وفي ظل حكومة بنيامين نتنياهو التي تحكم «إسرائيل» والتي نجحت في نسف كثير من أسس التفاهم التي قامت عليها عملية التسوية، فإن تحقيق الآمال التي علقت على نجاح القمم الاقتصادية في أن تكون جسرًا ممهدًا لإنجاز تقدم سياسي في عملية التسوية في المنطقة، تصطدم بعقبات إضافية تفوق في أهميتها العقبات الأربع السابقة.

فبدلًا من أجواء السلام التي كان معولًا على إشاعتها، فإن الأجواء السياسية السائدة في المنطقة سلبية للغاية، بل إن البعض يذهب إلى وصفها بأنها أجواء شبيهة بأجواء الحرب، وإذا كانت الأطراف العربية التي راهنت على عملية التسوية قد تضررت نتيجة أجواء الإحباط القائم بسبب التشدد الإسرائيلي، فإن كثيرًا من الأوساط السياسية ترى أن «إسرائيل» هي بدورها قد خسرت كثيرًا كذلك، بل ربما تكون خسارتها في بعض الجوانب أكبر.

لقد كان لشيمون بيريز اليد الطولى في الترويج للنظام الشرق أوسطي، ونجح في إحداث اختراقات مهمة في الجبهة العربية، وحقق نجاحات في تطبيع علاقات «إسرائيل» مع أكثر من دولة عربية، كما استطاع الترويج للموقف الإسرائيلي من السلام بشكل ناجح في المحافل الإقليمية والدولية المختلفة، وإن كانت عملية عناقيد الغضب على جنوب لبنان قد جاءت حالة شاذة إلى حدّ ما عن سياق السياسة التي أتبعها، أما الآن فإن نتنياهو الذي يبدو أنه لا يهتم بالقدر نفسه بالأجواء السائدة في المنطقة، فقد قطع أشواطًا بعيدة في الاتجاه المعاكس.

وإذا كانت مصر وسورية ودول عربية أخرى قد رفضت هيمنة «إسرائيل» على المنطقة في ظل حكومة بيريز، فإنها ستكون أكثر رفضًا وإصرارًا على مقاومة محاولات الهيمنة الإسرائيلية في ظل تعنُت نتنياهو.

قمة القاهرة، كعملية السلام في المنطقة، لم تعد تشكل محط اهتمام المواطن العربي الذي فقد الثقة في مجمل عملية التسوية التي يرى بعض من كانوا متحمسين لها بأنها باتت على وشك الانهيار وعلى حفة الهاوية، فهل تكون قمة القاهرة خاتمة المطاف في قائمة القمم الاقتصادية، أم تستمر المراهنة على أنها ربما تكون وسيلة للتخفيف من حدة الخلاف السياسي.؟.

 

الرابط المختصر :