العنوان تحويل مجرى النيل مؤامرة صليبية قديمة
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1990
مشاهدات 56
نشر في العدد 960
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 27-مارس-1990
التآمر
الصليبي ضد المسلمين لم يتوقف ولن يتوقف.
في القرن الثالث
عشر الميلادي فكر الصليبيون أن يحاصروا نصف العالم الإسلامي من الجنوب، فنسجوا
أسطورة الابن الحبشي لسليمان بن داود، وأصبح ملك الحبشة يدعى أنه من سبط يهوذا،
فأصبحت هناك علاقة بين ملك الحبشة واليهود، واتصل الصليبيون بالملك الحبشي ليتعاون
معهم في حرب الإسلام والمسلمين عن طريق غزو الحجاز، وهدم الكعبة، وليكون حليفهم
لقطع البحر الأحمر من الجنوب، ففي سنة (1316) وبعد أن زار وليم آدم الراهب إفريقيا
والحبشة أرسل البابا يوحنا الثاني والعشرون سفارة إلى الحبشة لكن رجالها وقعوا في
قبضة المماليك في مصر، وكذلك وقع للسفارة التي أرسلها ملك فرنسا للحبشة سنة (1338)
كان الصليبيون يقصدون من هذه الاتصالات قيام الحبشة بدور في الحرب الصليبية،
ويهدفون إلى تحويل مجرى النيل في الحبشة لتجويع مصر، والقضاء على من فيها، وكان
صاحب هذا المشروع الصليبي «دي ميزر» فهو الذي اقترح ورأى إمكان تحويل مجرى نهر
النيل، وراجت هذه الفكرة عند المتحمسين للحروب الصليبية، وأرسلوا إلى ملك الحبشة
عام (1450) يطلبون منه العمل على تحويل مجرى نهر النيل، ومهاجمة مصر من الجنوب، في
الوقت الذي يقومون فيه بغزو بيت المقدس وفلسطين، وأرسل قائد الأسطول البرتغالي بعد
اكتشاف رأس الرجاء الصالح واشتداد الصراع بين مصر والبرتغال إلى ملك البرتغال يطلب
إمداده بعدد كبير من العمال المدربين على قطع الصخور، وحفر الأرض، والعمل فورًا
على تحويل مجرى النيل، أما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فقد شجعت بريطانيا
الإمبراطور «تيودور» ونفخت في أطماعه حتى هدد بالإغارة على السودان، وتحويل مجرى
النيل إلى البحر الأحمر وحصل على المدافع والبنادق لعساكره من الإنجليز في عدن،
وتشاء الأقدار أن يكون هذا الإمبراطور الحبشي به مس من جنون، فأرسل رسالة إلى
الملكة فيكتوريا فنسيت أن ترد عليه فاعتبر ذلك إهانة له، وألقى القبض على ممثلها،
فأرسلت بريطانيا حملة لتأديبه على رأسها الكولونيل «سيروز» المقيم البريطاني في
عدن واتفق هذا الكولونيل مع غردون الموجود في السودان على اختيار زعيم قبائل
التجري المعروف باسم كاسا ليكون المرشح لتنفيذ المخطط البريطاني ضد العرب
والمسلمين، وأصبح كاسا إمبراطورًا للحبشة ولقبوه بيوحنا، وقال عنه غردون أن يوحنا
يشبهني فهو متعصب ديني، وله رسالة ولا بد أن يحققها وهي إبادة الإسلام، ولكن
الثورة المهدية في السودان حطمت أحلام غردون، فقتل على يد الثوار في قصره، وأوقفت
جيوش المهدية حملات الإبادة التي شنها الإمبراطور يوحنا، ومن هنا نعرف الارتباط
بين الحملات الصليبية القديمة وما يجري الآن في جنوب السودان، وما يجري بين
إسرائيل والحكم اليساري في الحبشة.
المسلمون
أغلبية في الحبشة
والغربيون
يحاولون إفساد العلاقات بين الدول العربية وإثيوبيا، والعرب مقصرون في الاهتمام
بالمسلمين هناك والذين يكونون حوالي ستين في المائة من السكان (60%) ولو دُعم
هؤلاء حتى تُهيأ لهم الفرصة ليكون لهم التأثير على سياسة إثيوبيا لأمكن تجنب أي
أضرار تلحق بالمصالح العربية، وإذا رجعنا إلى التاريخ لوجدنا أن سياسة خلفاء
الإسلام تقوم على حسن العلاقة مع الشعب في إثيوبيا، ومحاولة نشر الإسلام في ربوع
إفريقيا ومنها الحبشة، فالمسلمون هناك هم الضمان لحسن العلاقات، وإذا حاولنا أن
نستطلع التاريخ عن علاقة الإسلام بالحبشة سنجد أن هناك حديثًا شريفًا يقول «اتركوا
الأحباش للحبشة ما تركوكم» وهذا الحديث وإن كان فيه نزاع بين المحدثين حول سنده
إلا أنه يعبر عن معنى صحيح فللحبشة صلة قديمة بالعرب، فقد غزوا اليمن واحتلوها،
وقاموا بغزو الحجاز بقيادة أبرهة من أجل هدم الكعبة، ولكن المعجزة الإلهية قد
منعتهم، وحبست أفيالهم، وأنزل الله قوله تعالى ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ
بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ * أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ * وَأَرۡسَلَ
عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ * تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ *
فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۭ﴾ (الفيل:1-5) ويقال إن الأحباش قد قاموا بهذا
الغزو بناء على تعليمات الإمبراطورية الرومانية، ويشاء الله أن يكون عام الفيل عام
الغزو الفاشل هو عام مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ظهور الإسلام تحسنت
العلاقات بين المسلمين العرب والحبشة، فقد هاجر بعض الصحابة فرارًا بدينهم إلى
الحبشة وعلى رأس هؤلاء كما هو معروف جعفر بن أبي طالب وتوطدت العلاقات حتى أن
الرسول صلى الله عليه وسلم قال «إن في الحبشة ملك لا يُظلم عنده أحد» وأسلم
النجاشي، وصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب في المدينة عندما توفي.
خلع
الإمبراطور المسلم وسجنه
في سنة (1913) م
في اليوم الذي أعلنت فيه الحرب العالمية الأولى أعلن عن تولي ليج ياسو إمبراطورًا
على الحبشة، فقد أعلن هذا الإمبراطور أنه مسلم ولا ينتمي إلى الأسرة السليمانية،
على العكس من الأباطرة السابقين الذين يعلنون نسبهم إلى يهوذا، ولكن لم يَرُقْ ذلك
لقناصل الدول الغربية بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وقدموا مذكرة احتجاج، واتهموه
بالميل إلى الألمان، واستعدت القوات الفرنسية في جيبوتي، والإنجليزية في بربرة،
والإيطالية في مصوع للزحف على الحبشة، وفي هذه الأثناء أعلنت الحماية على مصر،
وأصدرت بريطانيا قرارًا بخلع الإمبراطور، ووصل هيلا سيلاسي إلى العرش، وقبض على
الإمبراطور المسلم، ثم أعلنوا وفاته سنة (1936م) وهو في السجن، وقد كان يخشى منه
أن يقود حرب التحرير ضد الإيطاليين الذين دخلوا بعد ذلك إلى العاصمة أديس أبابا،
وأن يعود إلى عرشه.
أوروبا
تنصب هيلا سيلاسي
أما بعد الحرب
العالمية الثانية التي كانت فيها إيطاليا مع المحور، فعندما انهزم المحور احتلت
بريطانيا الحبشة وإريتريا، ثم عاد هيلا سيلاسي إلى عرشه سنة (1941م) وجاءت مشكلة
إريتريا التي كانت أولًا تحت الحكم المصري وانتقلت إلى الحكم الإيطالي ثم إلى
وصاية بريطانيا، ولم تُمكن إريتريا من الاستقلال، بل ضمت إلى الحبشة بما يسمى
اتحاد فيدرالي مزيف، وبعد ذلك قام هيلا سيلاسي بضمها إلى إثيوبيا قسرًا، ولم تكن
في يوم من الأيام جزءًا من إثيوبيا، بل يقول التاريخ إنها كانت من سنة (685م) سنة
(65هـ) تابعة للدولة الأموية العربية الإسلامية، ثم أصبحت تابعة للدولة العباسية،
وفي القرن التاسع الهجري، الثالث عشر الميلادي، تنازل عنها الخليفة محمد بن يعقوب
المتوكل الرابع في مصر إلى السلطان العثماني سليم الأول، وأصبحت إريتريا بذلك
ولاية عثمانية، ثم في سنة (1868م) في القرن التاسع عشر ضمت إلى أملاك خديوي مصر،
وفي سنة (1950م) قدم مشروع أمريكي إلى هيئة الأمم المتحدة بعد مساومة مع هيلا
سيلاسي على أن يعطي لأمريكا قاعدة عسكرية في أسمرة، ويتضمن المشروع إقامة اتحاد
فيدرالي مع إثيوبيا ثم في سنة (1962م) -14 نوفمبر- أصدر هيلا سيلاسي مرسومًا
بإلغاء النظام الفيدرالي متحديًا قرار الأمم المتحدة، وأسقط العلم الإريتري، وألغى
الدستور، وحل البرلمان، وضمها نهائيًّا إلى إثيوبيا، والقول أن حركة إريتريا حركة
انفصالية مغالطة ومخالفة للحقيقة، فإريتريا قطر عربي مسلم بأغلبيته وبتاريخه وطيلة
حكم هيلا سيلاسي كان القوميون العرب يقفون إلى جانب الشعب الإريتري، ويعتبرونه
جزءًا من الأمة العربية، ولما جاء الماركسيون في إثيوبيا تغير موقف القوميين
العرب، ولم يتغير موقف حكام إثيوبيا، فقد نهج الماركسيون نهج هيلا سيلاسي،
واعتبروا إريتريا جزءًا من إثيوبيا، بل وساعد بعضهم حكام إثيوبيا بالمال والرجال
والسلاح، والثوار الإريتريون اعتنق بعضهم الماركسية، وظنوا أن الشيوعيين في العالم
سيقفون إلى جانبهم، وتخلوا عن إسلامهم، وكل ما ساعدهم به الشيوعيون أنهم مكنوهم
فقط من السيطرة على باقي الفصائل الإريترية، وعلى اضطهاد إخوانهم، أما استرجاع حق
الشعب الإريتري فلم يساعدوهم عليه، بل وقفوا ضدهم في ذلك.
إن الذي أثبتته
التجارب أن الكفر ملة واحدة، وأنه لا مجال لانتصار المسلمين إلا إذا تمسكوا بدينهم
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ (آل عمران:103)
﴿وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج:40).