العنوان مستقبل المسلمين في الفلبين بعد الانتخابات الأخيرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1992
مشاهدات 74
نشر في العدد 1008
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 21-يوليو-1992
يسود جزر الفلبين في الوقت الحاضر وضع
يميل إلى نوع من التوتر وعدم الاستقرار، سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي أو
الاجتماعي، ويتوجس الناس خوفًا من احتمالات مستقبلية قد تؤدي إلى متغيرات يتوقعون
منها آثارًا سلبية في حياتهم، وخاصة في محيط المسلمين الذين حفلت مسيرة حياتهم
بمثل تلك الصور السلبية، التي طالما أذاقتهم ألوانًا من المشاكل والشدائد.
ففي المجال الاقتصادي أصاب هذه البلاد قحط
وجفاف استمر فترة قاربت السنة، أثر تأثيرًا سيئًا بالغًا في اقتصاد
البلاد، سواء في محيط الحكومة أو محيط الشعب، وكان الأشد تضررًا بهذه المصيبة المزارعين
وأصحاب الشركات العاملة، وفي مقدمتها الشركة الكهربائية؛ حيث وصلت خسارتها إلى بلايين
البيزوات، مما أدى إلى انخفاض مستوى الإنتاج في هذه الشركات.
أما المزارعون فقد أدى بهم القحط
والجفاف كذلك إلى انخفاض فظيع في مستوى الإنتاج، الأمر الذي أثقل كواهلهم بانتشار
الفقر وضيق الحياة، ولا يخفى ما لهذه المصيبة من آثار سلبية في المسيرة الاقتصادية
للفلبين، أضف إلى تلك البلايين من المبالغ التي أنفقت على الانتخابات العامة التي
جرت في مختلف أنحاء البلاد مؤخرًا، فقد جرت العادة في الفلبين على أن تجرى عدة
انتخابات متنوعة منها ما كانت محلية وأخرى عامة، وتنفق الحكومة الفلبينية على تلك
الانتخابات مبالغ باهظة تصل إلى عدة بلايين، كما يتنافس المرشحون إلى كسب أصوات
الناخبين، مما يؤدي ببعضهم إلى شراء الأصوات، والإنفاق على ذلك بمبالغ كبيرة، تؤثر
بطبيعة الحال في خفض المستوى الاقتصادي لهؤلاء المرشحين، وخاصة الفاشلين
والمغلوبين منهم، وتؤدي تلك القضايا السلبية بالتالي إلى حرمان المواطنين من
البرامج الإصلاحية الحكومية التي توضع في مختلف المناطق المحتاجة، إذ أن الفائزين
في تلك الانتخابات يلجأون إلى جمع المبالغ التي تخصص لتلك البرامج الإصلاحية
ووضعها في جيوبهم، يجبرون بجزء منها ما نقص من أموالهم في الانتخابات السالفة،
ويخصصون الجزء الآخر منها لميزانية احتياطية للانتخابات التالية، الأمر الذي جعل
مناطق المسلمين باقية في لحد التخلف المزري منذ مئات السنين، وكل هذه الأمور
السلبية التي أشرنا إليها تؤدي إلى انخفاض الحركة الاقتصادية للفلبين،
وبالتالي إلى مضاعفة ديون الحكومة المركزية الفلبينية.
|
* كثرة الانتخابات
والتي تتنوع إلى وطنية وإقليمية ومحلية هي السبب الأول في ضعف الوضع الاقتصادي
في الفلبين |
هواجس انقلاب عسكري
وفي المجال السياسي ظل المراقبون يتهامسون
باحتمال حدوث نظام عسكري مرة أخرى في الفلبين، منذ أن استقر رأي الرئيسة الفلبينية
«كورازون أكينو» على اختيار مرشح الحزب الحكومي «فيديل راموس» باعتباره في السابق
الرجل الأول في الجيش الفلبيني؛ إذ كان قبل ترشيحه وزيرًا للدفاع الفلبيني، وقبل
ذلك كان يشغل رئيس الأركان في الجيش، وقد تبادل الناس تخوفًا من أن يلجأ
الرجل إلى تحريك الجيش لإحداث انقلاب عسكري، فيما لو شعر بضعفه أمام منافسيه، وعدم
قدرته على الفوز عليهم في الانتخابات العامة التي جرت في الحادي عشر من شهر مايو
الماضي، ولا يزال التخوف قائمًا في الوقت الحاضر رغم فوزه بالانتخابات، وتسلمه
السلطة؛ وذلك لأن أغلبية الذين أحرزوا فوزًا بالمناصب الحكومية المحلية عقب
الانتخابات التي جرت مع الحاصلين على مقاعد في المجلسين (مجلس الشيوخ ومجلس النواب)
الحكوميين هم من الأحزاب المعارضة، وفي مقدمتها بصورة أقوى حزب «أيل دي في» فلم
يفز من المرشحين من قبل الحزب الحكومي «لاكاس إنيوسي دي» إلا نسبة قليلة، وحتى
نائب الرئيس فقد جاء من أحد الأحزاب المعارضة، وعليه فإن المراقبين يتوقعون
عدم حدوث انسجام في الحكم بين الرئيس والمعارضين، وظهور معارضة قوية ضده من قبل
هؤلاء، وبالتالي فإن مثل هذا الوضع قد يدفع الرئيس إلى محاولة إحلال نظام
الحكم العسكري محل نظام الحكم المدني الحالي، حتى يستطيع التحكم في السلطة، وفرض
سيطرته على الناس بصفة عامة، وعلى منافسيه المعارضين له بصفة خاصة، هذا هو موجز
الوضع السريع عن الوضع السياسي في الفلبين، فهو متوتر غير مستقر في الوقت الحاضر،
وذو احتمال مستقبلي يثير في النفوس تخوفًا وحذرًا من زيادة في الفوضى واختلال في
التوازن، نسأل الله العفو والعافية.
انتشار الفوضى في المجال الاجتماعي
أما في المجال الاجتماعي فقد أشارت
الدلائل إلى أن الفوضى في المجال الاجتماعي القائم في البلاد منذ فترة غير
وجيزة بازدياد ونمو، رغم وجود محاولات وجهود إصلاحية تختلف صورها وصيغها وأساليبها ووسائلها،
وذلك للاعتبارات الواقعية التالية:
1- كثرة التيارات والعوامل الفعالة التي تؤثر
في الحياة الاجتماعية، وتغير استقرارها، وتبدل أمنها، والتي لا تتكافأ معها
تلك المحاولات والجهود الإصلاحية على اختلاف صورها وألوانها، وهي تيارات وعوامل
بعضها خارجية تسوقها الظروف الدولية العالمية، وبعضها الآخر داخلية تصدر من الظروف
الداخلية للبلاد.
2- أكدت
الحقائق الواقعة في الآونة الأخيرة بأن العلاقة القائمة بين الشعب المسيحي والشعب
المسلم بدأت تشرف على الانهيار مرة أخرى، وخاصة في منطقة جنوب الفلبين وجزيرة
مينداناو على وجه التحديد، فقد حدثت مواجهات ومصادمات دموية بين الطوائف المسلمة
والعصابات المسيحية، أدت- في الآونة الأخيرة- إلى سقوط القتلى جماعيًا وفرديًا من
الجانبين، ويخشى بذلك أن يتطور الوضع ليصل إلى النقطة الفاصلة التي وصل إليها
الوضع المؤسف في السبعينيات، عندما قامت الحرب الضروس بين المسلمين وأعداء الله،
واستمرت أكثر من عشر سنوات، سقط فيها القتلى بعشرات الألوف من الجانبين،
وتشرد مئات الألوف، وتضررت البلايين من الأموال والممتلكات، وقد احترق بها اليابس
والأخضر معًا حتى ضاعت القيم، وانعدمت الضمائر، ولا تزال آثار تلك الحروب
باقية حتى الآن، نعوذ بالله من شرورها.
3- يؤثر
الوضع المنتن العام في الفلبين على الحياة الاجتماعية الخاصة للمسلمين بصورة
مباشرة، فقد بدأت تنتشر الفوضى العارمة بينهم، وقويت الخلافات والمنازعات، واشتدت
الخصومات، وأوقظت الفتن النائمة «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها» حتى غدت
النعرات الجاهلية القديمة تعود من جديد من عصبيات قبلية وعائلية، وحب الأخذ
بالثأر، وانتشار جرائم القتل والسرقة واللصوصية وقطع الطرق، وأكل الربا، والحروب
القبلية والعائلية الحالقة، «ألا إنها لا تحلق الشعر، ولكنها تحلق الدين»، وشرب
الخمور، وتناول المخدرات، ولعب القمار، والزنا، والانحلال الخلقي، كل هذه
الأمور بدأت تنشب مخالبها في مناطق المسلمين، رغم ما كان لجهود الحركات
الإصلاحية والحركات الدعوية التربوية المخلصة- التي يقوم بها العلماء
والدعاة- من تأثير ملموس في تخفيف وطأتها وأضرارها، غير أن قوة تلك التيارات
العامة التي تهب في مختلف مناطق الفلبين، والتي تدفعها أعاصير هدامة من مختلف
المصادر الداخلية والخارجية، لا تقف أمامها تلك الجهود المتواضعة المحدودة النطاق،
ولعل قضية الانتخابات الكثيرة التي تتنوع إلى وطنية وإقليمية ومحلية، والتي تتوالى
سنويًا تقريبًا، حيث تجرى الانتخابات الوطنية لانتخاب المرشحين من مستوى الرئيس
للجمهورية إلى مستوى مختاري البلديات، ثم تليها في السنة التالية الانتخابات
الإقليمية لاختيار المحافظ العام، وأعضاء المجلس التشريعي في إقليم الحكم
الذاتي للمسلمين، ثم في السنة الثالثة تجرى الانتخابات المحلية لاختيار
المسؤولين على مستوى القرى ومساعديهم، وهكذا ليظل الناس يدورون في دوامة
الانتخابات السنوية.
|
* هل العهد الجديد
في الفلبين سيعود بالخير على المسلمين هناك؟ |
أقول: لعل قضية الانتخابات تلك لها الحظ
الأوفر في إحداث تلك الجرائم والفتن التي تشكل الحياة الفوضوية غير الآمنة في مناطق المسلمين، غير أن هذه الأوضاع المؤسفة لا تجعلنا نفقد الأمل في
إمكانية تغيير صورة الحياة، فإن آمال الداعية وطموحاته الإصلاحية ترتبط في الدرجة
الأولى بثقته الكاملة بالله عز وجل، وبوعده الذي سبق في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا
لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر:51)، ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم
سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلمُحسِنِينَ﴾(العنكبوت:69)، وهناك
رغم ذلك كله مبشرات بالخير نشاهدها من خلال إقبال بعض الناس على الدعوة الإسلامية،
وخاصة في محيط النساء والشباب، نسأل الله العون والتوفيق والسداد.
تلك هي الصورة الحالية للوضع العام في
الفلبين، والتي تحتاج إلى وقفة من المسلمين لدعم إخوانهم في جنوب الفلبين، فهم
بأمس الحاجة إلى هذا الدعم والنصر، وجزاكم الله خيرًا.
إدارة
الإعلام والدراسات والبحوث بلجنة مسلمي آسيا