; غرب إفريقيا.. من الغزو العسكري إلى الغزو الثقافي | مجلة المجتمع

العنوان غرب إفريقيا.. من الغزو العسكري إلى الغزو الثقافي

الكاتب بدر حسن شافعي

تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2003

مشاهدات 71

نشر في العدد 1570

نشر في الصفحة 44

السبت 27-سبتمبر-2003

 ذهبت قوات الاحتلال وبقيت سيادته الفكرية والثقافية

 التقسيم والتعليم والانقلابات أهم أدوات الغزو الفكري

 ضرب العقيدة والعقل واللسان والحرية في مقتل

 إيقاظ الوعي الديني لدى الشباب أولى خطوات المواجهة

إذا كانت دول إفريقيا قد تخلصت - كمعظم دول الجنوب - من احتلال أراضيها ومما قد علق به من صور أخرى للاحتلال، فإن استقلالها المعنوي، وسيادتها الفكرية ما زالا رهن الاحتلال والاحتواء واستعيض- بالتالي - عن هيمنة السنان بهيمنة اللسان، فدانت السيطرة الكاملة للمحتل السابق، وإن لبس ثوبًا آخر يتفق وطوره الجديد في عملية الاحتلال.

 ويحاول مؤلف كتاب «مشكلات الغزو الفكري في غرب إفريقيا» - وهو مسلم من أبناء غينيا كوناكري أتم دراسته في جامعة الأزهر وحصل على ماجستير في العلوم الشرعية - أن يلمس ذلك الداء بإبراز مشكلات الغزو الفكري لإقليم غرب إفريقيا الذي يضم ست عشرة دولة يدين معظم سكانها بالإسلام، حيث يوضح جذور الأزمة، ثم أساليب الغزو الفكري، ثم الآثار الخبيثة للغزو، وأخيرًا وليس آخرًا سبل المواجهة أو العلاج.

ويحاول المؤلف في البداية تحديد المفاهيم الأساسية في البحث والتي أهمها تحديد المقصود بغرب إفريقيا، وكذا مصطلح الغزو الفكري.

فإقليم غرب إفريقيا يشتمل على ست عشرة دولة هي السنغال، جامبيا، الجابون، غينيا بيساو، غينيا «كوناكري»، سيراليون، ليبيريا، ساحل العاج «كوت ديفوار»، غانا، توجو، بنين، نيجيريا، بوركينا فاسو، مالي، موريتانيا، ويحد الإقليم من الشرق تشاد والكاميرون، بينما يحده المحيط الأطلنطي من الغرب والجنوب، والجزائر وليبيا من الشمال، ويعد الإسلام الدين الرسمي لأغلبية السكان البالغ عددهم مائتي مليون وخمسة ملايين نسمة بينهم مائة وأربعة عشر مليون مسلم أي قرابة 55%.

أما الغزو الفكري فهو سياسة تستخدم من أجل التغيير النهائي لمبادئ وقيم الطرف المغزو بما يحقق أهداف الطرف الغازي. ووسيلة الغزو الفكري شن حملة من الأكاذيب وتحريف الحقائق بغرض نشر اليأس في نفوس الشعوب النامية والتشكيك في خط السير والنهج الذي اختارته «الإسلام والحضارة الإسلامية»، وإشعار أبنائها بالعجز عن الأخذ بأساليب التقدم الحديث وتخريب المقومات العلمية والفكرية والحضارية للبلاد المتحررة

أساليب الغزو

عرض المؤلف لعدة أساليب يستخدمها الغرب لغزو الدول فكريًا وثقافيًا، وبالتركيز على دول غرب إفريقيا أوضح هذه الأساليب في:

1- تقسيم غرب إفريقيا إلى دويلات صغيرة:

لقد أنشئت في غرب إفريقيا إمبراطورية واسعة في القرن الثاني الميلادي سميت بإمبراطورية غانا، وقد اعتنق حكامها الإسلام، وعندما اشتد ساعد المسلمين الأفارقة قامت إمبراطورية ماندي الكبرى أو ما يعرف باسم «مالي» على أنقاض الإمبراطورية السابقة في القرن الحادي عشر، واشتهر ملوكها باسم ملوك الذهب، وكانت لهم علاقات مميزة مع العالم الإسلامي، وهم أول من وصلوا إلى قارة أمريكا الشمالية واكتشفوها في بداية القرن العاشر الميلادي قبل ميلاد كولومبس بخمسة قرون.

 وقد انهارت هذه الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا تحت وطأة الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر، حيث كان الخوف من قيام دولة واحدة كبرى على غرار إمبراطورية غانا ومالي، ولهذا أجمعت فرنسا مع باقي الدول الأوروبية في مؤتمر برلين الشهير 1884 - 1885 على تقسيم الإقليم إلى دويلات متناثرة ومتناحرة، وتعمدوا أن تكون دولة مالي حبيسة لا تملك سواحل على المحيط الأطلنطي حتى لا تكون نواة لدولة مالي الكبرى، ونفس الأمر بالنسبة لبوركينا فاسو والنيجر، كما تم تقسيم الإقليم على أسس استعمارية إلى دول فرنكفونية وأخرى أنجلوفونية، ويلاحظ أنه تم تقسيم القبائل الإسلامية وتشتيتها بين قبائل الإقليم كقبائل الماندنيجا حيث يوزع أفرادها الآن بين ثلاث عشرة دولة.

2-استخدام التعليم كأداة للغزو:

إن نوعية التعليم الأوروبي الرائجة في الأقطار الإفريقية والمدارس الأوروبية المنتشرة بصورة كبيرة في القارة السمراء ومنها غرب إفريقيا لا تساعد على تخريج فرد يعي مشكلات أمته الإسلامية ويهتم بها ويسعى لحلها، وإنما تخرج شخصًا غير مهتم بهذه المشكلات، شخصًا حريصًا على تطبيق عادات وتقاليد المجتمع الأوربي في المجتمع الإفريقي المسلم.

فلقد أدرك الأوروبيون أن بقاء الإسلام في القارة السمراء كعقيدة وشريعة وثقافة وأسلوب في العلم والتفكير سوف يكون العقبة الكبرى أمام تحقيق أهدافهم الاحتلالية، ولهذا حاولوا استئصال شأفة المسلمين من إفريقيا الغربية واستبدال الثقافة الغربية وغيرها، وكذلك استخدام التبشير لهدم صروح الإسلام، وكذلك استخدام اللغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية والفرنسية، في التعليم بهدف القضاء على اللغة العربية لغة القرآن.

واليوم فإن الدول الأوروبية وضعت بذور الكراهية للإسلام في المناهج التعليمية في المعاهد والكليات والجامعات الإنجليزية والفرنسية التي تعد إحدى الأدوات المهمة للغزو الفكري للشباب الإفريقي المسلم.

 ولم يقتصر طمس اللغة على العربية فقط، وإنما تعداها إلى اللغة الإفريقية ذاتها التي تعد أداة للتوحد، فقد زعمت الدول الأوروبية أن اللغات الإفريقية التي تكتب بحروف خاصة بعيدة عن اللاتينية، لا تصلح للتدريس في المدارس وأنه لا بد من التدريس باللغات الأجنبية.

3- اقتحام المجال الاجتماعي وتغيير العادات:

لقد كان أحد أساليب الدول الغربية في الغزو الفكري للإقليم تغيير العادات والتقاليد واستبدال أخرى غريبة بها في المجتمع الإفريقي، فقام هؤلاء ببث رذائلهم في المجتمعات الإسلامية الإفريقية عن طريق اجتذاب الشباب إلى أماكن الملذات والملاهي والمراقص، وقد نجحت محاولاتهم حيث تفشت جميع أساليب الانحلال الأخلاقي والفساد الاجتماعي في المجتمع الإفريقي «سرقة، اختلاس، نهب الأموال العامة، تخريب ميزانية الدولة، وغيرها... »، واستمر التدهور حتى صارت عواصم البلدان عنوانًا للفساد، وضعفت الثقة بين الحكام والمحكومين بسبب انتشار الفساد وغياب القدوة، وبواسطة هؤلاء الحكام - وبهذه الطريقة - نجح فلاسفة الغزو الفكري ومفكروه في الأقطار الغربية نجاحًا باهرًا، خاصة بعد أن انضم إليهم في الآونة الأخيرة الطبقة المثقفة من المسلمين الإفريقيين أنفسهم - المفتونين بالغرب - ليحاربوا الإسلام والعادات الإفريقية في كثير من الأحيان.

وهكذا فقدت الأمة الإسلامية في غرب إفريقيا ذاتيتها وهويتها وتقاليدها وعاداتها، واتبعت خطوات المحتل الأوروبي الغربي تحت أسماء براقة مثل الحضارة والتجديد ومسايرة العصر.

 4 - لعبة الانقلابات المدمرة:

لقد سعى المستعمر الأوروبي بعد رحيله عن الإقليم إلى محاولة السيطرة عليه من جديد من خلال النخب الحاكمة، وكان بعض هذه النخب يستجيب والبعض يرفض، فكان الجزاء تدبير المؤامرة التخريبية ضد هؤلاء عن طريق الانقلابات العسكرية، ويتم ذلك من خلال ضعاف النفوس خاصة في المؤسسة العسكرية والهدف الحقيقي من هذه الانقلابات استمرار حالة الفوضى في هذه الدول حتى لا تحقق نهضتها في جميع المجالات، وتظل في احتياج إلى الدول الأوروبية المنقذة لها. ويلاحظ أن جميع دول غرب إفريقيا التي طلبت استقلالها التام من التبعية الفرنسية أو البريطانية قد تعرضت كلها لانقلابات عسكرية، ويلاحظ أن هذه سمة عامة لكل أقاليم القارة، فخلال الفترة من 1960م «تاریخ استقلال معظم الدول الإفريقية» وحتى عام 1997م، شهدت دول القارة 47 انقلابًا عسكريًا.

5- إحياء النعرات القبلية:

 لم يكتف الأوروبيون بتخريب الحياة الاقتصادية للدول الإفريقية، بل حاولوا إثارة الفتن الطائفية والعصبية القبلية بين أبناء الوطن الإسلامي الواحد. ولقد استخدمت فرنسا وبريطانيا الأقليات المسيحية في غرب إفريقيا کسلاح لتدمير البلدان الإفريقية «المسلمة» ومستقبل أجيالها من خلال زعزعة الأمن والاستقرار في هذه البلدان عن طريق إشعال نيران الحروب الأهلية، كما حدث في بيافرا في نيجيريا أواخر الستينيات، وكما حدث هناك أيضًا نهاية القرن الماضي «1999م» عندما اندلعت الخلافات بين اليوروبا «نصفهم مسلمون» ومسلمي الهوسا والفولاني في الشمال، ويلاحظ أن الخاسر من هذه الحروب هم الشعوب ذاتها سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين، والأمثلة عديدة كما حدث في سيراليون وليبيريا.

آثار خبيثة

لقد استهدف الغزو الفكري أغلى شيئين في الإنسان وهما العقل واللسان، كما استهدف جذور الأمة «العقيدة - التاريخ»، وحاول القضاء على جوهر الحياة في الشعوب «الحرية والأخلاق»، وركز على تشويه أصول الإسلام «القرآن – السنة»، وقد ظهرت آثار هذا الغزو المدمرة واضحة على عقول العلماء وأفكار المثقفين حتى تخلفوا عن ركب الحضارة وركنوا إلى الغرب عاجزين عن تدبير شؤونهم الداخلية والخارجية، ولم يقتصر هذا على جيل واحد بل تعداه إلى أجيال متعاقبة وكذلك لم يقتصر على مجال واحد، بل إلى مجالات مختلفة، ولم تقم به دولة واحدة، بل كانت تقوم به مختلف الدول الاستعمارية، والأخطر من كل ما سبق أن الغزو الفكري لم ينته بانتهاء الاحتلال العسكري، وإنما هو متصل ومستمر.

لقد ساهم الغزو الفكري في ضياع بعض الحقوق الطبيعية للأفارقة، والتي لا يزال أكثرها محلًا للإغفال من جانب الدول الكبرى:

1- حق تقرير المصير سياسيًا واقتصاديًا وتعليميًا، فرغم أن الدول الغربية أوهمت الدول الإفريقية بأنها حصلت على الاستقلال، ولكن هذا الاستقلال اسمي فقط في ظل استمرار التبعية تحت تسميات مختلفة.

2- حق الاحتفاظ باللغة والدين الأصليين، واللذين سعت الدول الغربية لقتلهما في الشعوب الإفريقية لقطع هذه الشعوب عن أصلها وتاريخها.

ولقد كان غياب الوحدة اللغوية أحد الأسباب المباشرة والأساسية لجميع المشكلات الأساسية والحروب الأهلية المشتعلة والمفتعلة في القارة الإفريقية، وقد انتبهت لخطورة استبدال اللغة دول شرق إفريقيا ودول آسيا فجعلوا لغتهم الأصلية لغة رسمية، أما دول غرب إفريقيا فلا تزال ترزح تحت نير الأنجلوفونية والفرنكفونية حتى اليوم.

3 - الحق في الأمن والاستقرار الذي تقضي عليه الحروب الأهلية المستمرة، والتي تلعب الدول الكبرى الدور الأكبر في إشعالها.

ولقد استخدمت الدول الكبرى أدوات عديدة لتحقيق هذا الأمن الذي لم ولن يتحقق، ومنها قوات حفظ السلام الدولية، منظمة الصليب الأحمر.

4 - الحق في الحكم الديمقراطي، حيث إن فساد النخب الحاكمة المدعومة من الغرب وإهمالها لمصالح الشعوب من أهم أسباب ضياع حقوق الإنسان الإفريقي، وانغماس القارة في الديون التي بلغت 242 مليار دولار أوائل التسعينيات من القرن الماضي، فضلًا عن ارتفاع أسعار الفائدة عليها والتي تتراوح بين 10 - 17%.

سبل العلاج

رغم تفاقم مشكلات غرب إفريقيا وازديادها المستمر، إلا أن مبادئ علاجها تكمن في التالي:

 ١- الاهتمام بإيقاظ الوعي الديني والقومي والوطني في أذهان الشباب في غرب إفريقيا حتى يعرفوا واجباتهم وحقوقهم، ويواجهوا التحديات الخارجية، والهجمات الغربية ضد بلادهم.

2- إرشاد الشباب إلى ضرورة الاحتفاظ بعقيدتهم الإسلامية لأنها سلاحهم في مواجهة أعدائهم.

3- التأكيد على أن الشعوب في غرب إفريقيا الغربية تجمعها الأخوة في الدين والوطن والجنس واللون منذ زمن بعيد، وأنه يجب عليهم حماية ما ورثوه عن أجدادهم عن طريق استخدام خيرات وقدرات الأوطان الإفريقية كأسلحة استراتيجية في مواجهة الدول الغربية.

الكتاب: مشكلات الغزو الفكري في غرب إفريقيا

 المؤلف: علي حسن كمارا

الناشر: دار النهار للطبع والنشر والتوزيع، ط 1 – 2002

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

0

الثلاثاء 16-فبراير-1971

مواقف!

نشر في العدد 38

136

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

مع القراء (38)