العنوان مشاريع إعادة صياغة المنطقة ما زالت قائمة
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
مشاهدات 52
نشر في العدد 1281
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 23-ديسمبر-1997
رغم فشل القمة الاقتصادية الأخيرة
- الولايات المتحدة تخطط لإعادة هيكلة المنطقة في شكل منظومات إقليمية جديدة يربطها نسيج من التشابكات الإستراتيجية تمنع أي طرف من الفكاك منها
في البدء كان الهدف الإمبريالي الغربي من «إسرائيل» أن تشكل حاجزًا بشريًّا غريبًا يفصل بين الذراعين الأسيوي والإفريقي للوطن العربي حسب توصيات مؤتمر كامبل بانرمان الاستعماري عام ١٩٠٦م، وتحقيقًا لذلك تمت الاتفاقية ما بين الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان ودول الحلفاء في فرساي عقب الحرب العالمية الأولى لدعم مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين.
وتمكن الكيان الصهيوني في فلسطين من أداء مهمته الإمبريالية وفق هذا المفهوم طوال نصف قرن أو يزيد، ولكن بسبب ما استجد من معطيات دولية وإقليمية وذاتية نابعة من تطور بنيوي في المشروع الصهيوني نفسه، وعلى إثر المفصل التاريخي، كامب ديفيد برز مفهوم الاندماج بدلًا من نظرية العازل البشري، وتطور المفهوم الجديد، وتعالت الأصوات داخل الكيان الصهيوني الداعية إليه، ويعتبر بيريز من رواد هذه المدرسة الداعية لتحويل إسرائيل إلى دولة شرق أوسطية واندماجها في هذا الوسط بشرط الحفاظ على تفوقها ومركزيتها، وما يتبع ذلك من صياغة جديدة للشرق الأوسط.
وفي هذا السياق يصور شيمون بيريز في كلمته أمام أعضاء لجنتي الشؤون والأمن والعلاقات الخارجية للبرلمان الأوروبي في ستراسبورج في ٩ مارس ۱۹۹۳م الإرهاصات التي تستبق عملية الصياغة الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط في ظل ميزان القوى المختل لصالح الكيان الصهيوني وتحت ضغط قطب الهيمنة الأمريكي الأحادي قائلًا: إن على العرب أن يفاضلوا بين كابوسين: الأول: هو بقاء الوضع كما هو، والكابوس الثاني: هو السلام وما يتضمن من تنازلات وحلول وسط تشبه عملية بتر جراحية، في الجانب الآخر يطرح رؤياه في مواجهة اليمين الصهيوني المتشبث بالأرض وما تمثله من تجسيد للبعد الأيديولوجي، وباعتبارها العمق الإستراتيجي أيضًا، يقول بيريز في مواجهة ذلك باعتباره عراب الشرق أوسطية وبلهجة تحمل ظلالًا أمنية تتناسب وبنية العقلية الصهيونية من المستحيل التفكير فقط في الدفاع عن الحدود وإغفال ما يجري في الأماكن البعيدة، من غير المعقول أن يصلنا صاروخ من بعد ألف كيلومتر، بينما نشغل أنفسنا برسم حدود على بعد ثلاثين كيلومترًا من مركز وجودنا، فالمطلوب اليوم ليس حدودًا قابلة للدفاع، بل أبعادًا قابلة للدفاع، وبكلمات أخرى، علينا أن نبني شبكة من العلاقات السياسية بحيث يكون بمقدورنا تغطية كل مواقع الخطر في شبكة العلاقات العسكرية المجردة.
وتأكيدًا لهذه الرؤية الصهيونية الداعية لتطوير أهداف المشروع الصهيوني، يقول رئيس جامعة بئر السبع إبراهام تامير: إن السلام يجب أن يكون وثيق الصلة بإطار إقليمي لا قومي فقط في إطار كومنولث تملك سوقًا مشتركة، وحدودًا مفتوحة، سيكون متاحًا الوصول إلى حل وسط بشأن الحدود بين إسرائيل وجيرانها.
الحلم الصهيوني
وفي ظل هذه الرؤية يتحقق الحلم الصهيوني الذي كان يراود عراب الصهيونية الأول تيودور هرتزل، حيث دعا لهذا الكومنولث اليهودي- العربي في إحدى أدبياته (مذكراته اليومية)، قبل نشأة الكيان الصهيوني، ويتوافق ذلك مع دعوة زعيم الحركة الصهيونية التصحيحية جابوتنينسكي في مشروعه المعدل عام ۱۹۲۲م الداعي لإقامة فيدرالية تضم فلسطين بسكانها العرب واليهود، وشرقي الأردن وكونفدرالية تشتمل على الفيدرالية الأولى وبقية الدول العربية في الشرق الأوسط، وفي الإطار ذاته يقول بن جوريون: «لو أننا أقمنا تحالفًا، ووظفنا قوة العمل والتنظيم والتقنية والمال في تنظيم اقتصادات العرب، لأمكن أن يتغير وضع العرب اقتصاديًّا وثقافيًّا بشكل كلي، يمكننا أن نسهم في تنمية ليس فلسطين وشرق الأردن فحسب، ولكن العراق أيضًا».
ولأن هذا المشروع لم يكن فكرة مبتوتة فجذوره ممتدة حيث برزت تصورات أخرى كمشروع الباحث الصهيوني الدكتور أرنست برجمان عام ١٩٤٣م، ودراسة الخبير الاقتصادي الصهيوني شيفر عام ١٩٦٥م الذي أعدها بتكليف من جولدا مائير آنذاك، ودراسة محافظ بنك إسرائيل المركزي الأسبق ديفيد هوروفيتز الذي بدأ بتسويقها سياسيًّا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، بالإضافة إلى الدراسة التي ظهرت بعد كامب ديفيد وقام بإعدادها كل من د مصطفى خليل -وزير الخارجية المصري حينذاك، وأرتون جفنون- محافظ البنك المركزي الإسرائيلي في حينه.
وبطبيعة الحال فإن هذه الصيغة الجديدة «الشرق أوسطية»، ستحقق للكيان الصهيوني «تشريع» وجوده وتوفير البعد الأخلاقي لهذا الوجود من خلال اعتراف الأقطار العربية به، وتطبيع العلاقات معها في إطار شبكة من العلاقات السياسية والاقتصادية التي ستفرز في النهاية مشروع إسرائيل الكبرى اقتصاديًّا، وذلك بسبب التفوق النوعي للتكنولوجيا الصهيونية، الذي يدعمه ويشجعه الغرب بكل الوسائل، بالإضافة إلى ضخامة الاقتصاد الصهيوني مقارنة مع الاقتصاديات العربية، وكمؤشر على ذلك فإن الناتج القومي للكيان الصهيوني يفوق الناتج القومي لكل من مصر والأردن وسورية ولبنان مجتمعة (يبلغ أكثر من ٧٠ مليار دولار أمريكي سنويًّا)، وبسبب كلا الأمرين سيستقطب الكيان الصهيوني الشركات المتعددة الجنسية التي سترغب في الاستثمار في المنطقة لكي تتخذه مقرًا لها، وما سيتبع ذلك من تجسيد للجهاز المصرفي كقناة رئيسة للرساميل الغربية الوافدة للمنطقة، وما يترتب عليه من تحول الكيان الصهيوني إلى -هونج كونج شرق أوسطية- «أو إسرائيل الكبرى اقتصاديًّا، وهو تحوير لمفهوم إسرائيل الكبرى جغرافيًّا -من النيل إلى الفرات- الذي تعذر تحقيقه حتى الآن»، لأن الفكر الصهيوني بدأ يدرك بأن المفهوم الإستراتيجي الحديث لقوة الدولة لا يتوقف على مساحتها أو عدد سكانها إنما يعتمد على قوتها الاقتصادية وتفوقها التكنولوجي.
ومثالًا لذلك إعلان شركتي موتورولا وديلكو الأمريكيتين التابعتين لمجموعة جنرال موتورز عن رغبتهما في إنشاء مصنع ضخم لإنتاج أشباه الموصلات في الكيان الصهيوني، وقد سبقتهما شركة أنتل التي أعلنت هي أيضًا عن دراسة لإنشاء مصنع مشابه في منطقة النقب بكلفة قدرها ١,٦ مليار دولار، ويعد ذلك أكبر استثمار أجنبي منفرد في الكيان الصهيوني منذ نشأته، ولكن هذه المسيرة خفت وتيرتها الآن بسبب تعثر عملية التسوية.
ورقة الكيان الصهيوني
وفي هذا السياق ومناخه العام يقول الاقتصادي الفلسطيني عادل سمارة معلقًا على ورقة الكيان الصهيوني التي قدمت لقمة عمان الاقتصادية: «إن الورقة الإسرائيلية المقدمة إلى القمة تهدف أساسًا إلى ربط اقتصاديات المنطقة بحيث تمنح إسرائيل القدرة على دخول الأسواق العربية بسهولة»، وفي قمة عمان الاقتصادية يبدو أن الأطراف المشاركة حاولت تحرير شهادة وفاة ولكن دون توقيع رسمي للنظام العربي ومنظماته الإقليمية «الجامعة العربية ومنظماتها»، إذ تمخض عن قمة عمان الإعلان عن تأسيس هياكل اقتصادية إقليمية جديدة منها بنك التنمية للشرق الأوسط، والمجلس الأعلى للسياحة بالإضافة للمجلس الأعلى لرجال الأعمال في الشرق الأوسط.
على الصعيد الأمريكي فإن الدفع جار لإعادة هيكلة المنطقة على شكل منظومات إقليمية جديدة لم تتحد بعد بشكل نهائي، وبالرغم من الصعوبات التي تعرقل هذا التوجه بسبب تعثر مسيرة عملية التسوية.
وتحقيق ذلك من خلال فك الكتل الإقليمية الحالية وإعادة هيكلتها على أساس اقتصادي- أمني، وبناء نسيج من التشابكات الإستراتيجية الاقتصادية وفي المجالات الحيوية (النفط- المياه- السياحة- التكنولوجيا)، وبحيث يستحيل على أي طرف الانفكاك من هذا النسيج الإستراتيجي المعقد التشابك، وفي شكل تكون فيه الصياغة بعيدة عن اللونين القومي والأيديولوجي، وذلك لأن الشرق الأوسط كما يقول مارتن أنديك في حالة توازن دقيق بين مستقبلين بديلين: الأول: يتمثل في سيطرة المتطرفين المرتدين عباءة الدين أو الوطنية على المنطقة، الثاني: مستقبل تحقق فيه إسرائيل وجيرانها العرب الفلسطينيون مصالحة تاريخية تمهد للتعايش السلمي والتنمية الاقتصادية، وذلك من أجل تأمين التدفق الحر لنفط الشرق الأوسط وتبادل الصداقة مع الذين ينشدون علاقات جيدة مع الولايات المتحدة في العالم العربي، والمحافظة على أمن دولة إسرائيل وبقائها ورضائها، ويقول أنديك معللًا سبب إعادة الهيكلة للمنطقة: «أصبحنا غير قادرين على التعامل مع المنطقة بتقسيمها إلى أجزاء».
وفي هذا الإطار هناك مشاريع منظومات مختلفة للربط الإقليمي، مثل فكرة المركز الأمني الإقليمي الذي ستشارك فيه دول المنطقة بما فيها الكيان الصهيوني، وقد استعد الأردن لأن يكون مقرًا له.
وكخطوة عملية على هذا الصعيد فقد ارتبط سلاح الجو الأردني مع نظيره الصهيوني بشبكة إنذار مبكر، وتقديرًا لهذا الدور قامت الولايات المتحدة بتزويد الأردن بمعدات عسكرية قدرت قيمتها بحوالي ۱۰۰ مليون دولار أمريكي، ووعد الكونجرس بأن تصل المساعدات الأمريكية للأردن سنويًّا وبكافة أشكالها إلى ٢٥٠ مليون دولار.
وعلى الصعيد الاقتصادي فمقترح إنشاء منظومات سياسية- اقتصادية تقضي بفصل بلدان المشرق العربي عن بلدان المغرب العربي، وربط الأخيرة في الفضاء الاقتصادي لبلدان البحر المتوسط الأوروبية، وعزل وتهميش السودان والصومال، واليمن، وضمها في نظم خاصة بالقرن الإفريقي، بالرغم من التنافس الواضح بين الطرح الأوروبي المتمثل بالمنتدى المتوسطي ومشروع الشرق أوسطية الذي يدعمه الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، أما فلسطين والأردن فستكونان معبرًا اقتصاديًّا للكيان الصهيوني من خلال كونفدرالية اقتصادية ذات ثلاثة رؤوس «الكيان الصهيوني، والأردن، والكيان الفلسطيني الذي ستفرزه اتفاقية أوسلو في طورها النهائي»، وعلى غرار اتحاد بلدان البينولوكس «هولندا- بلجيكا- لوكسمبورج».
وفي السياق ذاته وبعد عودته من مؤتمر «الحدود الجديدة لأمن الشرق الأوسط» الذي انعقد بجامعة الشرق الأوسط التكنولوجية في أنقرة يقول روجر أوين -الرئيس السابق لمركز دراسات الشرق الأوسط في كلية سانتا أنطوني- أكسفورد معلقًا على نتائج المؤتمر، وطارحًا لرؤية أخرى حول مستقبل المنطقة في مقال له بجريدة «الحياة» في العاشر من يوليو عام ١٩٩٥م: «إن الجغرافية الاقتصادية للشرق الأوسط في القرن المقبل ستتكون من مجموعتين من الدول تتمحور الأولى منهما على البحر المتوسط وترتبط في شكل أو آخر بأوروبا، فيما تتركز الثانية على الخليج وتكون ارتباطاتها عالمية.
وينساق في هذا التوجه دعوة الشراكة المقترحة بين حلف الأطلسي «الناتو» وما بين مصر والكيان الصهيوني، وأربع من دول المغرب العربي هي: تونس والمغرب وموريتانيا، والجزائر، وقد ضمت الأردن لدورها في عملية السلام رغم أنها لا تقع مباشرة في حوض البحر المتوسط، وقد حدد السكرتير العام السابق للناتو المستر كلايس إطار هذه الشراكة أوليًّا بمواجهة الأصولية وانتشار الدمار الشامل، وتأطرت هذه الصيغة فيما يسمى بالمنتدى المتوسطي الذي تعود فكرته إلى عام ۱۹۹۱م، ولكنها تبلورت في يوليو من عام ١٩٩٠م في اجتماع ضم أحد عشر وزير خارجية من دول المتوسط في الإسكندرية، وفي تطور آخر على هذا الصعيد يندرج مؤتمر المنتدى المتوسطي في طبرقة بتونس في يوليو ١٩٩١م، حيث أصدر المشاركون بيانًا قالوا فيه إنهم: اتفقوا على جملة من المسائل تخص الإعداد لـــ «ندوة برشلونه الأوروبية- المتوسطية»، التي ستعقد في نوفمبر المقبل في حضور البلدان الـ١٥ أعضاء الاتحاد الأوروبي، و ۱۲ بلدًا متوسطيًّا، وستشكل فرصة تاريخية وحدثًا سياسيًّا هو الأول من نوعه لإرساء فضاء متوسطي له وزنه في الساحة الدولية.
منتدى برشلونة
وشهد منتدى برشلونه میلاد مشروع ما يسمى الميثاق الأوروبي المتوسطي الداعي إلى إقامة هيكل متعدد الأطراف يشبه في شكله «منظمة الأمن والتعاون الأوروبي»، وصوغ شراكة أوروبية- متوسطية تتصل على شكل نسيج من الالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية بين الأطراف المعنية، واللافت في مشروع الميثاق الأوروبي المقترح الدعوة إلى «تشجيع التسامح بين مختلف المجموعات الطوائف ومقاومة مظاهر انعدام التسامح والعنصرية»، ومما يدعو للدهشة مشاركة سورية ولبنان في المنتدى المتوسطي رغم مقاطعتهما لاجتماعات المفاوضات المتعددة الأطراف المتصلة بعملية التسوية في الشرق الأوسط مع أنهما يندرجان في ظل المناخ السياسي نفسه، وقد برر أحد الدبلوماسيين السوريين هذا التحول في موقف بلاده بأنه «يعود الأهمية لقاء المنتدى ولأنه قد يحدد مستقبل الأمن والحوار السياسي والتعاون الاقتصادي بين الاتحاد الأوروبي وبلدان جنوب شرق الحوض المتوسطي وغالبيتها من البلدان العربية».
(*) كاتب فلسطيني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل