; إخلاص النية وصواب العمل | مجلة المجتمع

العنوان إخلاص النية وصواب العمل

الكاتب شريدة عبد الله المعوشرجي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1976

مشاهدات 74

نشر في العدد 292

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 23-مارس-1976

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد

اشترط الله -سبحانه وتعالى- لقبول أي عمل كان شرطين أساسيين هما:- 

١- إخلاص النية ٢- صواب العمل 

فإذا تخلف أحد هذين الشرطين عن أي عمل ما فقد حبط ذلك العمل ولم يحظ بالقبول عند الله تعالى، وذلك للأدلة التي سنبينها من كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وسنتكلم أولًا عن الشرط الأول وهو أن يكون العمل خالصًا لوجه الله -سبحانه وتعالى- وسنبدأ ببعض الآيات التي تبين هذا المعنى:-

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ(الزمر: 2) فالمولى -سبحانه وتعالى- يأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الآية بأن يعبده عبادة خالصة من شوائب الشرك والرياء.

وقال تعالى ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ.. (الزمر: 3) وهذه الآية كما قال شهاب الدين الألوسي في تفسير روح المعاني «هذه الجملة تأكيد لاختصاص الدین به تعالی أي إلا هو سبحانه الذي يجب أن يخص بإخلاص الدين له تعالى لأنه المتفرد بصفات الألوهية» أ. هـ.

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ (سورة الزمر: 11). وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي (الزمر: 14) وقال عز وجل: ﴿.. وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.. (سورة الأعراف: 29) يقول ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية «أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من شرائع وبالإخلاص له في عبادته تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة وأن يكون خالصًا من الشرك» ا. هـ.

هذه بعض الآيات التي تبين هذا الشرط العظيم والذي غفل عنه المشركون بالله تعالى فضلوا وعموا ثم غفل عنه بعض المسلمين فوقعوا في الشرك من حيث لا يعلمون.

أما الأحاديث التي تدل على نفس المعنى فهي كثيرة وسنذكر بعضها:

- عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمريء ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» متفق عليه.

- وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر. ماله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له». فأعادها ثلاث مرات. يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له» ثم قال: «إن الله -عز وجل- لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه» (رواه النسائي وحسنه الألباني في الأحاديث الصحيحة).

- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمته فعرفها فقال: «ما عملت فيها. قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها. قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها. قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى في النار» (رواه مسلم).

هذه الأحاديث والآيات السابقة تدل دلالة قاطعة على أن الله -سبحانه وتعالى- لا يقبل من الأعمال إلا ما كان منها خالصًا لوجهه الكريم حتى وإن كانت صالحة بذاتها، غير أننا نعلم بأن الله عادل رحيم لا يبخس أحدًا حقه ولو كان كافرًا بأنعمه تعالى مشركًا بعبادته. ولا يضيع ذلك عليهم، بل يجازيهم عليها في الدنيا، والدليل على ذلك قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنته يعطى بها» «وفي رواية: يثاب عليها الرزق في الدنيا» ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لها لله في الدنيا. حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها» (رواه مسلم وأحمد).

والآن وبعد أن فهمنا هذا الأصل لنا أن نتساءل، هل يكفي توفر إخلاص النية في عمل ما كي يحظى بالقبول عند الله؟.

قبل أن نجيب على هذا السؤال بالأدلة والبراهين من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- نود أن نضرب مثلاً ملموسًا من واقعنا الذي نعيش فيه فلو أن رجلًا أراد الذهاب إلى مكان معين فعزم على الذهاب «أي أن شرط النية قد توفر» لكنه لا يعرف الطريق الذي يوصله إلى ذلك المكان.. فهو يصل؟ بالطبع لن يصل إلا بعد معرفة الطريق لذلك أرسل الله -سبحانه وتعالى- الرسل يهدوننا سبيل الرشاد بما لديهم من بينات، فبدونهم لا يمكن أن نصل إلى طريق الحق المنشود. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ (الروم: 47) وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد: 25) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

إذا نفهم من هذا أنه يجب أن تكون أعمالنا خالصة لوجه الله تعالى وعلى هدى رسوله صلى الله عليه وسم كي تحظى بالقبول عند الله.

وسند لك على الشرط الثاني بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسم. قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (النساء: 80). وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (آل عمران: 32) وقال تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (سورة النساء: 65) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا (سورة الحشر: 7) والآيات التي تدل على وجوب إتباع الرسول وطاعته كثيرة أما الأحاديث.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قيل ومن يأبى. قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبي» (رواه البخاري).

- وعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: خط لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خطًا ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله وقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» وقرأ: «وإن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه الآية» (رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم وحسنه الألباني). نستفيد من هذه الآيات والأحاديث على أن من حاد عن طريق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعن هديه قد زاغ عن الحق واتبع سبل الشيطان والعياذ بالله، وأن من خرج عن طاعة رسول الله قد خرج عن طاعة الله تعالى.

هذا عمن رفض دعوة الحق وزاغ عنها فماذا عن الذي زاد على هدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وابتدع أمورًا جديدة في الدين؟.

يرد الرسول -صلى الله عليه وسلم- على هذا بالحديث التالي والأحاديث التي تليه: عن عائشة رضي الله عنها قالت:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه.

- وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (رواه مسلم ورواه النسائي) وزاد «وكل ضلالة في النار» (وصححها الألباني).

- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد -غفر الله له- ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبدًا ولا أفطر. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.

فجاء النبي- صلى الله عليه وسلم- إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه.

هذا عمن زاد على هدى الرسل -صلى الله عليه وسلم- فماذا عمن أنقص متعمدًا مع توفر القدرة؟ يجيب المولى- سبحانه وتعالى- على هذا..  بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة: 85)

والآن وبعد أن عرفنا أهمية هذين الشرطين بالأدلة والبراهين وجب علينا أن نتفحص أعمالنا وتدقق النظر فيها فإن كانت خالصة لوجه الله وعلى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم- فالحمد لله الذي وفقنا لذلك. وإلى فلنتداركها ولنصححها قبل فوات الأوان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

164

الثلاثاء 19-مايو-1970

نحو منظمة إسلامية - مولد النور

نشر في العدد 46

133

الثلاثاء 02-فبراير-1971

يا أعضاء مجلس الأمّة

نشر في العدد 77

94

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

مع القراء (العدد 77)