العنوان اركبوا يا أولي الأمر .. فما زال في السفينة متسع .
الكاتب فتحي الفاضلي
تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1578
نشر في الصفحة 46
السبت 22-نوفمبر-2003
أدرك معظم قادتنا الحمائم منهم والصقور أولئك الذين جيء بهم على ظهور الدبابات وأولئك الذين جيء بهم في سيارات فارهة.. أن خدمات البعض منهم قد انتهت وأن وقت رحيلهم قد دنا.
أدركوا ذلك بعد أن أرعبت أمريكا بعضهم واستغنت عن بعضهم الآخر... وتخلت عن البعض الأخير.
فانطلقوا إنقاذًا للموقف يعالجون الأمر بنفس الأساليب التي عالجوا بها وقائع الأمس، غير مدركين أن أمريكا لم تعد تكتفي بالولاء والرياء، بل تريد اليوم أن تنتزع من الناس العقيدة.. والحرية.. والهوية.. وأن تنتزع الانتماء والوطنية... وأن تحول بلداننا إلى حظائر محشوة بالبشر يأكلون ويشربون ويتكاثرون لم يدركوا وباختصار شديد أن أمریكا تريد أن تغتال الأمة.
لذلك انطلقوا كما أسلفت، يعالجون أحداث اليوم بأساليب الماضي أي الارتماء في أحضان الآخرين دون أن ينحازوا إلى شعوبهم ودون أن يلقوا للأمة بالًا، مكررين بذلك أخطاء قرن كامل أدت إلى ما نحن عليه اليوم.
لذلك نراهم... يتراكضون وأمعاؤهم تكاد من الهلع أن تندلق..
يبصقون على تاريخ الأمة وثقافتها وانتمائها وهويتها..
يطلبون الود ويجددون البيعة
يداهنون الأمم والملل والنحل..
يهرولون بين الهيئات والجامعات والجمعيات...
يتقافزون من مجلس إلى آخر.. ومن مؤتمر إلى آخر.. ومن لقاء إلى آخر..
يزورون الكنائس والأضرحة والجدران، وكل ما كانت زيارته بالأمس كفرًا وفسوقًا وعصيانًا.
وتراهم...
يطوفون حول أي شيء.. وحول كل شيء...
يسارعون.. لغير ذي القربي بالخيرات ينتفضون كمن يتخبطه الشيطان من المس كلما سمعوا اسم فلسطين.
يبدلون جلودهم.. وألسنتهم.. وألوانهم.. ألف مرة في اليوم.
يرحبون وينحنون.. ويبتسمون..
يمجدون غاندي وجورج ومانديلا... ويستغشون ثيابهم كلما ذكر أبوبكر وعمر وعثمان وعلي..
بل تراهم يتهافتون بحثًا عن منقذ أو منفذ أو مخرج عن واسطة أو وسيط عن بادرة أو مبادرة عن صفقة.. عن كلمة.. عن همسة.. عن قشة.. عن إيماءة.. عن أي شيء تلين به أمريكا.
فيا قادة الأمة.. يا أبطالنا.. وملهمينا.. ومعلمينا:
هؤلاء الذين جعلوكم تحبسون أنفاسكم خشية الزلل.. وتغتالون أفكاركم خشية الذبح.. وتلتفتون يمينًا ألف مرة وشمالًا ألفًا أخرى قبل أن تهمسوا بما لا يحمد عقباه.
أليسوا هم الذين فضلتموهم على أبناء الوطن.. فرفعتم من شأنهم وقللتم من شأن أبناء الوطن.. بل من شأن شيوخنا وأئمتنا وعلمائنا.. ودستم من أجلهم على مشاعر وأحاسيس وآمال شعوبكم.. ومجدتم تاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم وسفهتم تاريخنا وعاداتنا وتقاليدنا؟
هؤلاء الذين ابتغيتم عندهم العزة فأذلكم الله.
أليسوا هم الذين أهنتم من أجلهم مقدساتنا بما في ذلك كتاب الله.. وأحاديث رسولنا الكريم ﷺ.. وسنته النبوية الشريفة.. والصحابة الكرام.. وأئمة المذاهب.. وكل ما له صلة بالإسلام والمسلمين.. وها قد وجدتم أنفسكم بالرغم من ذلك، على قائمة الذبح؟
هؤلاء الذين جعلوكم تتراكضون اليوم وأفئدتكم هواء..
أتذكرون كم مارستم من رياء وتزلف ونفاق كي تكسبوا ودهما! وكم مارستم من إرهاب ضد أبناء ملتكم وجلدتكم وكم داهمتم وأغلقتم
وهدمتم من بيوت الله!
أتذكرون كم سجن ومعتقل.. في أوطاننا البائسة.. جعلتم عاليها سافلها على رؤوس المؤمنين من ضحايا ظلمكم وغدركم وعنجهيتكم!
أتذكرون كم زرعتم من أحقاد وسببتم من أحزان وقطعتم من أرحام أتذكرون كم من ذوي قربى باعدتم بينهم... وكم من أمهات فقدن بسببكم فلذات أكبادهن.. وكم ضحية من ضحايا الوطن أضفتموهم إلى قوائم المختطفين والمهاجرين والمشردين.. أتذكرون كم مارستم من كل ذلك من أجل أن يرضى عنكم الغرب وآل الغرب.. ولكن دون فائدة وها أنتم.. مع ذلك، تعاودون الكرة!
هؤلاء الذين تلهثون لإرضائهم...
ألم تنصبوا من أجلهم المشانق لأبناء المسلمين؟..
ألم تحادوا من أجلهم الله ورسوله والمؤمنين؟..
ألم تجعلوا انقطاع خبر السماء يومًا تؤرخون به؟..
ألم تصفوا المسلمين بالعملاء والكلاب والخونة؟..
ألم ترغوا وتزيدوا وتصرخوا في وجوه المؤمنين مهددين وساخطين ومتوعدين؟..
ألم تحشوا معتقلاتكم وسجونكم بخيرة شباب البلاد؟..
ألم يمسخوكم إلى ضباع فسلمتم أبناء الأمة إليهم؟...
ألم تعطوهم الكثير ومع ذلك لم يلقوا لهذا الكرم العربي الأصيل بالًا؟...
أولئكم الذين جعلوكم تتحسون مقاعدكم ألم تصوتوا معهم في كل مجلس ولقاء ومحفل؟..
ألم يدمغوا الأمة بالفيتو تلو الآخر، وأنتم تنظرون وتبتسمون وتزدادون وفاء ومودة ورحمة.. دون أن يحسبوا لكم حسابًا برغم كل ما أعطيتم وتعطون؟..
هؤلاء الذين فعلتم من أجلهم ما فعلتموه ویزید..
أما كان الأولى أن تضعوا أيديكم في أيدي شعوبكم وأن تنتموا إلى مواطنيكم وتستجيبوا إلى ضمير الأمة.. وعقيدتها؟..
لو حققتم الأمن والأمان وحفظتم الكرامة... ورسختم الحرية.. ونصرتم الله.. وكنتم ذوي لسان صدق مع شعوبكم.. أعزة على الكافرين... أذلة على المؤمنين.. لأصبحت هذه الشعوب سندًا لكم ولأنظمتكم.. ونارًا على أعدائكم.. ولكنتم في غنى عن الركض والانحناء.. وفي غنى عن بيع الدين والعباد.
فإن وعيتم الدرس.. وأحسستم ألا عاصم اليوم إلا الله.. فاركبوا مع شعوبكم وانحازوا إلى دينكم ووطنكم وهويتكم.. بذلك ستدخلون التاريخ وكل منكم يرفع للعزة راية.. بدلًا من أن تدخلوا التاريخ وكل منكم يلعق بين يديه حذاء طمعًا في رحمة الغرب وأتباعه.. فهل من وقفة... وهل من نظرة؟..